الانكشاف
أمسكتُ يدي اليسرى بالستارة، وتجهزتُ لتسييرها نحو اليسار كما خُطِّط لها. وفي نفس الوقت أعطت نفسي رسمة الطريق النهائية التي سيمشي عليها بقية الأشقاء. ثبتت عيني بصرها نحو الأمام، وأخذت أذني موقعها لتستقبل أي صوت يصدر من جانبي الأيسر، وانثنى كوعي لينوب عن يدي إن حاول الجحيم أن يهاجمني.
بدأت يدي تحرك الستارة، وباتت القطع التي وراءها تتكشف أمامي، قطعةً تلو قطعة، وكانت تلازمها في ذلك عيني، التي بقيت تنظر وتنظر، وتطيل بنظرها داخل الجزء المكشوف في هذا العالم وما يضمه، لتخبر أشقاءها بما تراه، ولتنذرهم إن حدث أي شيء ليس في الحسبان. ومع كل جزء من هذا العالم يُكشف، كانت نفسي تستقبل بعضًا من أفراد الماضي داخل مقلة عيني.
لقد كانوا يصرخون ونفسي تضحك
يعذبونها وهي تشكر
يكرمونها وهي ترفض
يظلمونها وهي تحاول أن تعدل.
فالشعور والرغبة اللذان غزوا يدي اليمنى لحظة رؤيتهم جعلاها تخنق الشمعدان أكثر وأكثر، وتتوغل أظافرها في راحة يدها من أجل أن يبقوا، وعلى عكسها يسراي التي رفضت بقائهم هنا.
فلقد تجهزت يدي اليسرى لأن تقذف الستارة إلى نهايتها، لتكتب لها قدرًا جديدًا تصل به إلى نهايتها أبكر. لكن رؤية الدمى، الأثاث، ممتلكاتي المسجلة باسمها، والعالم المختلف جعلت رغبات يداي تتحد مع بعضها البعض. فهم باتوا ينظرون لي، ويهمسون بأصواتهم داخل أذني: أبقي على ما أنتِ عليه، ولا تستعجلي بأي فعل من أفعالك، حتى لو بسحب الستارة، وأصغي إلى كلماتنا حتى يجرك القدر إلى النهاية.
تمهلي!
تمهلي!
تمهلي!
وإياكِ أن تنسي الوعد يا أمنا الصالحة.
أنكِ لن تسلمينا إلى هذا الوالد المهمل الذي نحن هنا بسبب رغبته، ولا للناس كي تراعينا باندفاع أفعالك. ابقي هكذا وقصري بصرك، فحتى لو لمستِ أطراف أصابعكِ النهاية، فلا تسبقي الوقت إليها. ورجاءً لا تستسلمي، فنحن لا نستطيع الصبر أكثر من هذا.
تبخرت أصواتهم بعد جملتهم هذه، وعادت أذني إلى الإصغاء للجهة الأخرى مرة أخرى، بينما جسدي يشهد اللحظات الأخيرة التي تسبق وصول الستارة إلى منتهاها.
وصلت الستارة، ومعها قد فُتح باب العالم المختلف على مصراعيه. ما عاد هناك شيء قادرٌ على الاختباء من عيني، فها هو السرير أمامي وعليه... وعليه... لا أحد!
تراجعت قدمي اليسرى خطوة واحدة، ودار جسدي نحو اليسار ثم عاد إلى مكانه في نفس الثانية. توقف الأشقاء في أماكنهم، وهم ينظرون نحو نفسي ويخاطبونها بما يرونه.
الطريق يُهدم! الطريق يُهدم! ولن نستطيع العبور إلى العالم الآخر. فماذا نفعل؟
...
أجيبينا بأي شيء، ماذا نفعل؟ أو إلى أين نذهب؟
...
أيتها القائدة...
توقفوا، فلن يحدث هذا. العين، الأذن، الأنف، طبقوا ما سأقوله حتى أنتهي من صيانة الطريق.
رمت أذني نفسها في كل مكان، وأنزل أنفي شبكة الصيد الخاصة به. في نفس اللحظة ثبتت عيني موقعها ما بين دفاعها عن الجسد وتجهزها لإطلاق سهام نظرها داخل أسوار هذا العالم.
واحد
اثنان
ثلاثة
أربعة
خمسة
ستة
سبعة
ثمانية
تسعة
عشرة
السهام تُطلق وتَصيد كل شيء عدا الهدف المطلوب. نظرت نفسي إلى ساعتها، ورأت العقارب تدور وتدور، وتبعثر أدوات الصيانة من حولها. وفي خضم بحثها عن حبل لربط هذه الأدوات، قاطع عقلي بحثها، مخبرًا إياها أن ما زال هناك أمل... تحت السرير.
تقدمت قدماي ثلاث خطوات داخل العالم وانحنيت على ركبتي. سلمت يدي اليمنى الشمعدان لأختها على اليسار، واستعدت عيني لترمي أحد أسهمها أسفل السرير، إلا أنني شعرت أنني لم أكن وحدي. رمت عيني سهمها بسرعة، وتأكدت بسرعة أن مصيره كان الكسر كأخوته.
اعتدلت قدمي واقفة كما كانت بسرعة، وخرج جسدي من هذا العالم وهو يمسك يمناي بالشمعدان. استدار جسدي مرة أخرى ولم يجد أي شيء. رمت نفسي أدوات الصيانة من يدها، وأمسكت بعقلي لتزج به في سجن الأسئلة.
لماذا هي ليست هنا؟
... ل
أجب أسرع، لماذا هي ليست هنا؟
... لا
أجب أسرع، كيف لا تستطيع معرفة مكانها؟
ماذا يحدث لك؟
فكر، حلل، تذكر، افعل أي شيء.
لماذا هي ليست هنا؟
... لا أ
أجب أسرع!
لا أدري... أنا لا أدري. لا أدري لأني لا أدري.
قلت لا تدري، حسنًا. أحدث شيء البارحة؟
... لا
بل حدث، كل كبيرة وصغيرة أخبرني بها.
لم يحدث شيء.
استيقظت، وجدت فطورها اليومي أمامها، قرأت الورقة، ونامت. كل شيء طبيعي.
أيها العقل، انظر نحوي.
... نظرت
مرة أخرى.
... نظرت
مرة أخيرة، وأخبرني ماذا حدث.
... نظرت
ما بك اليوم؟
... نظرت، لقد نظرت ثلاث مرات نحوي وفقط، على غير عادتها، وهي ممسكة بالورقة.
وإذا؟
كان هناك شيء موجود عليها ومرتبط بنا. لقد كانت تخطئ كل مرة عندما تقرأ القصيدة، ولم تكن تصحح لنفسها.
تبًا لهذا وتبًا لمن حولي. أيتها العين، انظري بسرعة إلى سطح الدرج الذي على يمينكم وأخبريني ماذا تجدي.
نظرت عيني نحو سطح الدرج، ولم تجد سوى بعض ذرات الغبار التي استقرت على سطحه، والتي لم تعكر صفو اجتماعها أي حاجز. أعادت نظرها نحو نفسي وهي تقول: لقد عثرت على أحد ما تريدينه، لكنني لم أجد الآخر. فالمفتاح غير موجود على سطح الدرج.
قذفت نفسي بقلمها بعيدًا، وأمسكت بجميع خططها ومزقتهن حتى لم يعرف هذا طريق أهو البداية أم النهاية، بينما هي تقول وتعيد بكلامها، والأشقاء غير قادرين سوى على الاختباء خلف شقيقهم العقل: لقد هربت! هربت ومن أمامي هذه الأفعى اللعينة! أتظنين أنكِ ستختبئين مني؟ أقسم بنفسي لأجعلنكِ تذوقين كل ما أذقته بسببك، أقسم أن هذا الجزاء لن يكون سوى العادل لا الرحيم يا سافون، ولن تفلتي من خطتي هذه.
أمسكت يدي اليسرى بالشمعدان، ووضعت حافته الحادة على عروق يدي اليمنى، وبدأت تزيد قوتها لتمزق جزء صغير من جلدي. ولم يستطع هذا الجزء أن يصمد فتمزق لحظتها. بات الدم يتدفق من عروقي كأفعى صغيرة، ونحيلة تجري على يدي، بينما نفسي تغني وتهتف: الجرح لي والنزيف لها، ولن يهمني الشكل فأنا أمتلك الروح.
لماذا تقف على باب عالمي يا أيها الأوروبوروس، وما أنت فاعله بالشمعدان عند عروق يدك؟
صوتٌ قد صدر، غريبٌ غير مألوف، قاطع خطوات نفسي. استدار جسدي نحو اليسار، ونظرت عيني إلى مصدر الصوت.
الإزعاج وأنتِ لن تفترقا أبدًا، لكن لا بأس به هذه المرة. فأنا أردت فقط أن أترك أثري في عالمك، أثرٌ يمتد ويبقى وأن يُرى من قبل الجميع، ولم أجد أنسب من هذا الدرج الأبيض ليكون هو السجل. فعلى الأقل سيكون هناك أثرٌ يُرى لا يُشعر فقط. فلذا ها أنا أكتب اسمي، وأتجهز لأن أضع فوقه رمز النور الذي أمسك به. وانتهيت منه. وها هو الأثر قد بات عليه. لكن لحظة، من أنتِ؟ أهي التي أعرفها وشاركتني بحياتي حقًا؟ أم أنني أظن فقط؟ فأنا أراكِ لكني ما زلت لا أعرفك.
يا إلهي... يا إلهي، الأوروبوروس لم يعد يعرفني، عفوًا أقصد أخي لم يعد يعرفني. أيها الكاذب الكبير، ألا تستطيع أن تكذب كذبة مناسبة؟ أم أنك لم تعد قادرًا على الكذب؟ فالكذب أفعالٌ قبل أن يكون أقوالًا. لا أدري كيف أفتتح كلامي، لكنك قد سقطت... وأمامي أيها الطفل الضعيف. فأنت لن تستطيع أن تنتصر كما فعلت في الماضي. فما زالت خطيئة غضبك تذكرني بما فعلته بي في كل مرة أنظر بها إلى المرأة. لذا حان الوقت لأن تتبعني.
تقدمت قدمي اليسرى خطوة نحوها، وحاولت اليمنى أن تلحق بأختها، لكن صُدمت بالسلاسل التي قيدتها عندما صرخت الأخت بوجهي:
توقف، ولا تتحرك خطوة أخرى. أتريد أن تقتلني بهذا الشمعدان؟ أنت يا أيها الأوروبوروس اللعين الذي اسمك سافير، أتريد أن تتخلص مني؟ الآن أرجع الشمعدان إلى مكانه الأصلي، وارفع يديك أمامي، فالمطرقة التي بيدي لا ترحم.
تحركت قدماي نحو اليسار، وأعادت يدي الشمعدان فوق درجي، بينما هواي يغلي ويغلي ويقذف رغباته نحو نفسي، لكن الأخرى تحاول أن تكبته ليخرج في الوقت المناسب.
التفت جسدي نحوها مجددًا، وفمي فاتحٌ فاه وهو يقول: سافون أختي العزيزة، أنا لا يعقل أن أفعل هذا. لقد كنت دائمًا أخبرك بأنكِ أنتِ أعز ما أملك، أمعقول أن... أن أقتلك؟ لقد كنت أمنع أي أحد يقترب منك، كنت أوفر لك الطعام والأدوية حتى تبقي قوية، لقد تعاملت معك على أنكِ ملكة لا يجب أن يصل إليها أحد، بينما أنا أعمل طول النهار، فهل معقول أنني سأفعلها؟ وإن كان نعم، فلِمَ؟ فأنتِ الأخت الكبرى الصالحة والأب الذي يحلم به الجميع يا سافون، فلِمَ أريد أن أفعلها؟ وإن حقتي أن افعلها بسبب أنني أدمت رأسك وجرحت وجهك في الماضي، فأنا نادم عليها، لقد كانت زلة مني، ودائمًا ما أعتذر منك بسببها في كل مناسبة تُذكر بها، فصدقيني أنني آسف عليها.
لا، أنت كاذب كعادتك. تريد التخلص مني لتهرب من ما ينتظرك من دورك الجديد لهذه القرية. ستصبح مقيدًا، تُخدم الجميع، وحريتك ستُسحب، والسبب لأنك رضيت أن تستمع لهذا الشيطان وأن تقبل عرضه لك.
......
ما بك صامت؟ أجب، لِمَ؟
... لا، لم أفكر بها هكذا، صدقيني. حسنًا، كنت مجبرًا على قبول عرضه، فلم يكن لدي ما أختاره. جميع الأبواب كانت مغلقة أمامي، وبابه الوحيد الذي كان مفتوحًا. وطالما قد وصلنا إلى هنا، فأريد أن أعترف بشيء.
كذبة اخرى؟ أخبرني بها بسرعة.
ليست كذبة، اقسم بنفسي أنها ليست كذلك، لكني فعلت هذا كله لأجل... لأجلك.
من أجلي؟ لقد بعتنا، وبعت مستقبلنا وحياتنا له وتقول من أجلي.
نعم، نعم من أجلك، لذلك قبلت... أن
قبلت أن تكون الرسول الجديد من بعد لوك من أجلي؟ كذب، بل لأنك طفل أحمق، تريد السلطة والقيادة والتحكم، لكن ها أنت نادم على قرارك هذا، والورقة التي كانت معي البارحة خير دليل على كلامي كله.
الرسول الجديد... نعم، نعم حصل ذلك وقبلته، لكن كل هذا من اجلك، من أجل أن يحترمكي الناس، وينظروا اليك على انك نعمة داخل هذا البيت المبارك الذي اخرج الرسول الجديد. أما الورقة! ما بها، أو بالأصح أي ورقة تتحدثين عنها؟
أي ورقة؟ تلك التي كانت مركونة على درجي والتي أخذتها، بينما مكتوب عليها: أرجوكِ كوني معي ولا تتركيني في هذا اليوم، احذري مني فقد أؤذيكِ لأهرب. لذلك هذه الورقة جعلتني أدرك كل شيء، وأبصر شخصيتك أكثر لأقول لك يجب أن تتحمل هذه المسؤولية، وأن لا تتهرب منها أيها الأوروبوروس سافير.
عن أي ورقة تتحدثين؟ أقسم بنفسي لا أعلم عنها شيئًا.
توقف، لا أريد أعذارًا. كلمتي واحدة: لن تتهرب من هذه المسؤولية اليوم. لذا رتب ما حولك، بينما سأسبقك إلى المطبخ لأجهز لك مفاجأتك قبل أن تغادر.
حسنًا... حسنًا، سأفعل كل ما قلتِه. لكنني ما زلت غير مصدق أن شخصيتك غبية هكذا.
ماذا قلت؟
قلت ما زلت غير مصدق أن شخصيتك غريبة هكذا، إلى الحد الذي بت اخيرا مطمئنا على مستقبلك ومستقبل المنزل معك بعد ان رايتك تهزميني في أية نقاش. حتى إنني أصبحت أريد أن أعلم من أين أمتلكتي هذه الشخصية.
أتريد أن تعلم؟ إذًا أغلق الستارة ومعها جرحك هذا، واتبعني إلى المطبخ. وتذكرت أمرًا: امسح دمك هذا عن الدرج، فأنا لا أريد وجودك. اما بالنسبة للشمعدان فارجعه إلى حيث ما كان
خرجتْ من الغرفة، بينما أنا أنظر إلى مكان وقوفها. استدار جسدي نحو الدرج وبصق عليه. عاودت يدي اليسرى الامساك بالشمعدان ووسعت الجزء المشقوق من جلدي. لم يكن جرحا عميقا بل جرحاً يسهل تخثره ويفتح المجال للدم أن يتدفق منها أكثر، ليستطيع فمي أن يشرب بعضًا من قطرات الدم، أو بالأصح سبع قطرات والتي تكفيه بمهمته القادمة، قبل أن تقوم يدي اليسرى بوضع للشمعدان على باب عالمها، وتناولها للممسحتين البيضاء من داخل درجي لإغلاق هذا المجال، ومسح الدرج. بينما نفسي ما زالت تنظر حولها كيف يمكنها أن تستدرج العدو إلى أرضها عوضاً عن ذهاب إلى أرضه.
The mask