الخسارة

الخسارة

16 0

الخسارة

انتهت يدي اليمنى من مسح الدماء عن درجها كما طلبت،

بينما يدي اليسرى تلف بالممسحة الأخرى حولها لتخثر الدم، وتضمن عدم انسكابه على الأرض. إلا أن نتيجة المسح لن تعجب أختي، والسبب لست أنا في المقام الأول. فلقد نسيت أن تطلب من يدي أمرًا مهمًا، أمرًا ما كنت لأنساه لو تبدلت الأدوار، أن تخفي أو تحجب أي وجود للدماء وآثاره بعالمها.

فهم ما زالوا جليين أمام الأعين جميعهم. الشمعدان الموضوع بعناية، ولون الدماء الغامق الذي اندمج مع بياض الدرج المذهب، بالإضافة إلى التبديل بين الممسحتين. فلقد استغنت يدي اليسرى عن الممسحة التي لفت بها توأمها لتقوم بوضعها داخل درج أختي دون طيها، وأمسكت بالممسحة التي مسحت بها يدي اليمنى الدماء، ووضعتها عليها.

لقد علم عقلي منذ البداية أنها ليست مثلي ولن تشبهني في حياتي، فالانتباه إلى مثل هذه الأمور هو الذي سيجعلها أقوى من حولها. وعلى العكس تمامًا، فهي لم ترد التخلص من هذا الوسخ والآثار بقدر أنها تريد أن تجرب وتتعلم كيف تلقي الأوامر. فنيتها الخفية تعرت من رداء أمرها السطحي بسبب غبائها أمام المنطق.

أنجزت نفسي الأمر المادي، وأقبلت نحو المعنوي الذي يؤرقها. فهي تجاهد وتحاول أن تخرس الشعور الذي نشرته الروح في ثنايا الأشقاء. الخوف لم يعد شعورًا، والجحيم لم يعد مصيرًا بل حقيقة بات الأشقاء على بابها، وعيني تهرب من محجرها تبحث عن باب آخر مفتوح غير الذي تم إغلاقه.

فآثار دمائي هنا أسالت الشعور والتوقعات المرعبة التي اعتاد أن يخوف عقلي وروحي بها نفسي.

استهلت خطواتي بالمشي نحو باب الغرفة بعد أن أغلقت الستارة، ومشيتها كعازف صغير في السن يرى معلمه يستعد لحرقه لعدم انتظام لحنه.

فاضطراب نفسي ليس لها وحدها، واهتزازها ليس لها، وارتجافها ليس لها وحدها.

وهذا ما عقد عليها أهم حركة الآن: أن تختار عدسة التفكير المناسبة لتضعها على عينها وترى بها ما يمكن أن يحل هذه الأزمة عندما تفتح باب الغرفة.

الروح تشوش على نفسي، وتسكب المياه على حبر خطتها. فكلماتها: يا ليتنا نحن الدم الذي أُزيل وانتهى دورنا عند هذا الحد. على الأقل لن نختفي من الوجود، وسنندمج ذراتها مع ذرات الدرج لنتزوج منه أو من المناديل ونبقى معًا. وإن فنينا لن نفنَ بأيدينا. أثقلت على نفسي كتابة رسالة المساعدة لإيصال ما تريده من عقلي.

نفسي واثقة ومتيقنة أن الفناء نهايتنا، لكنها لا تريد الفناء.. لا تريده لنفسها فقط، بل معها من سبب المتاعب كلها ودفع بي إلى هذه الحالة.

توقفت قدمي بعد أن وصلت إلى الباب، وخرج عقلي بفكرة لنفسي. ردة فعلها حينها لا يستطيع إلا من خلق هذه النفس وصفها. فأقل تقدير لها هو كفقير أوشك على الموت جوعًا، وفجأة جاء صديقه من مكان بعيد ومعه قالب من الذهب له، ينتظره أن يذهب لبيعه ويفك ضائقته. ففكرة العقل هي أكثر مما رغبت به نفسي لتخرس بكاء ونياح الروح.

أمسكت يدي اليمنى بمقبض الباب، أنزلته وشدته للأمام. خرج جسدي من الغرفة، ورمت يدي اليسرى الممسحة على الحائط المواجه للباب، وأغلقت يدي اليمنى الباب. تحركت قدماي عبر الممر، والأشقاء يناظرون إلى أي شيء يمكن أن ينطلقوا بخطتهم به حتى لو خصلة من الشعر، بعد أن رأوا أن جرح يدي اليمنى قد توقف.

ظهري كان مستقيمًا، رأسي مرفوع، صدري مفتوح، وجسدي متراخٍ حتى أحاكي سافير المعتاد.

خطوة تلي أختها بتأنٍ وبطء، حتى بلغ عددها السبعة. حينها توقفت عن الحراك، والتف جسدي وعيني إلى الباب، وتكلمت أذني مع نفسي بشأن أمر ما.

عادت قدمي أدراجها نحو باب الغرفة، وخطواتها تسقي ظمأ نفسي شرابًا لم أذقه في حياتي... أهو الماء يا ترى أم الخمر.. لا أدري.

الخطوة الأولى

الثانية

الثالثة

الرابعة

الخامسة

السادسة

والسابعة

جميعها كانت تملأ الظمأ في نفسي، حتى بقيت رشفة واحدة.

الأخيرة، والوحيدة. هي لن تملأ الظمأ.. بل ستفيض إلى الخارج.

وهذا ما يجعل العذاب والنعيم ضعفين علي، فما الذي أراه سيخبرني بما شربت: إما خمرًا سحبني نحو واقعي وأحلامي والآن سيصفعني لأسترجع وعيي للواقع الحقيقي، وإما مياه روتني وأعادت لي الشعور بالحياة من داخل فمي.

توقف جسدي عند الباب، نظرت عيني نحوه، رمت أذني نفسها نحو الأصوات من حوله، وبدأت يدي بتحريك المقبض. تفتحه، تغلقه، تفتحه، تغلقه، والابتسامة تشرق وتنير وجهي كشمس سطع إشراقها بين الغيوم والمطر أو قمر أنار ليلائه.

فلقد استجيبت لي إحدى الأمنيات التي أسررت بها وبالطريقة الأجمل، وعاد لي الأمل من جديد بعدما ظننت أنني خسرته وأن الحياة ستكمل عبوسها في وجهي كما تفعل دائمًا. فلا صوت يُصدر من الباب.

صرخ فمي بصوت عالٍ: سافون، أأصلحتِ الباب؟

أجابت، وبنبرة أعلى من نبرة سؤالي: أجل، لما؟ أهناك خطب في إصلاحي؟

سافير: لا، أبدًا. شكرًا لكِ على هذا، لكن أحضري ممسحة، فالزيت الموضوع عليه كثير، لذا قد سال معظمه على السجادة.

سافون: ولم لا تقوم بإصلاحه بالممسحة التي مسحت بها دماءك أيها الأوروبوس؟

سافير: أأنظفه بالوسخ!

سافون: لا تمتلك غيرها؟

سافير: فقط ممسحة واحدة في غرفتي، لا أدري إن كنتِ تمتلكين واحدة أنتِ.

سافون: للأسف لا أمتلك في درجي. لا تتحرك، أنا قادمة.

أتت أختي وهي تحمل إحدى المماسح البيضاء، بينما جسدي مرتكز على أطراف أصابع قدمي، وعيني تنظر إليها ولم تفارق ثانية موضع رأسها ويدها أبدًا. الممسحة بيسرها والمطرقة بيمناها، ونظراتها على يدي.

لحظتها ابتسمت واعترتها هالة من الثقة والقوة عندما أيقنت أنني لا أمسك شيئًا بيدي.

ابتسمت على إثر ابتسامتها، ومددت يدي لأمسك بالممسحة.

غير أن ما أثار حفيظتي هو ارتداؤها ملابسها النظيفة البراقة... الملابس التي تخرج بها إلى الفناء.

لم أستطع أن أجد تفسيرًا لهذا سوى أنها مستعجلة على خروجي من المنزل، فهي قدمت لي الممسحة بسرعة

وهي تقول: إني أعلم أن هناك بعض الزيت، وخططت أن أنظفه لاحقًا لأن هناك ما هو أهم. ولولا علمي بك أنك لحوح لما استجبت لك في هذا. لكن لحظة، لما أنت رامٍ

الممسحة التي عليها الدماء على الأرض؟

أمسكت يدي اليسرى بها وباشرت بمسحها بينما فمي رد عليها: شكرًا لكِ على استجابتك لهذا الطلب التافه، فأنتِ في النهاية أدرى بمصلحة هذا المنزل مني بدءًا من الآن. أما بالنسبة للممسحة، فقد تعود يدي للنزيف، فأريد أن أمسحه بها، ولا تخافي فلن توسخ السجادة.

سافون: كيف لن توسخ السجادة وستوسخ البيت إن حاولت تنظيفه من الزيت؟

سافير: لأنني سأضغط عليها وسأجعلها تلامس الزيت وهي مرغمة. على عكس وضعها هنا فهي مرتاحة ومرتخية.

سافون: أنا أعلم أنك تكذب، لكنني لن أهتم لك.

صمت فمي ولم يرغب في مواصلة مثل هذا النوع من النقاشات، فغير أن هناك الكثير من بقع الزيت التي أتعبت جسدي، وغير وقوف أختي على يميني الذي ضيق علي رؤيتي أكثر مما هي عليه، فإن نقاشها سيستهلك مني مجهودًا أكثر من هذا وهذا، الذي لا أفضله طالما يتعارض

مع خطتي.

انتهت يدي اليسرى من مهمتها ودقت بالخفاء جرس الاستعداد لتنفيذ المهمة، خطأ واحد وكل هذا سيذهب أدراج الرياح. اعتدل جسدي في وقوفه عوضًا عن ارتكازه على أطراف أصابعي.

وهمّ يستقيم.. يستقيم.. يستقيم حتى بلغ لحظة تفصله عن أن يصبح جسده عموديًا تمامًا. رمت يدي اليسرى الممسحة عليها وعلى الوجه المملوء بالزيت، وبكل ما أُتيت من قوة وجهت لها لكمة بيدي اليمنى على رأسها.

[طخ]

منظر هذه الدماء تنسال وتتسابق على الحائط هو ثاني أسوأ شعور شعرت به روحي. فما حدث بعد هذا جعل قبضتي، جسدي، الأشقاء يثبتون على حالتهم هذه.

جسدي المندفع نحو الأمام، قبضتي المتلامسة مع الحائط، والأشقاء المتأججون بنار النجاة.

عندها شذ أحد الأشقاء عن القطيع، وهو نفسه المعروف عنه عادة الشذوذ في كل لحظة صعبة.

عيني التي أبقت نظرها حيث ما كان، وشخصت نحو أختي لترى وهي... وهي... وهي... تهرب من المنزل وقد ألقت المطرقة على الأرض.

الدماء تخرج من ثغور جلدي المتوسطة والعميقة، وتنهمر على السجادة الحمراء وأطراف المطرقة. ورؤية عيني لهذا ذكرت الأشقاء بالغيوم.. عفوًا، أقصد بنقيض الغيوم.

النقيض الذي يشبه الغيوم في كل شيء والذي يستبشر الناس بمطرها، لكنه في النهاية تأتي وهي محملة بالشر والبال السيئ لهم.

وهذا الحال هو ما يحدث. فما يجب أن يكون هو الغيوم.. الغيوم التي أساسها دماؤها، لا نقيضها.

عيني لم تفك نظرها نحو الباب المغلق الذي أغلقته لحظة هروبها، فهذا كل ما كان يهمها في تلك اللحظة. أما الثلمة التي خُلقت فلم تجذبها أبدًا.

ونفسي تتلقى وتستشعر بألمين: ألم الفشل، وألم الاستنزاف.

فلقد كان توقعي حينها أن أي الخيارين سيكون لصالحي: إما أن تتعرض للكمة مني، أو تغدرها الممسحة بالزيت فيشوش رؤيتها عندما تصطدم بباب المنزل أو باب الغرفة المغلق.

حينها رسمت نفسي ابتسامة على وجنتي، ابتسامة خفيفة ومؤقتة عندما فسرت المجهول وأدركت لما المفتاح لم يكن على الدرج.

وبعد ثوانٍ قليلة اختفت الابتسامة كخيوط الدخان لتفسح المجال لأوامرها الجديدة أن تحل محل القديمة، والتي اقتضت بإخفاء أية مشاعر قد نالت وأثرت بها واستبدالها فورًا بمشاعر الاعتياد الخاصة بها.

استدار جسدي تاركًا خلفه الثلمة والمطرقة، وأمسكت يدي اليسرى بأطراف أصابعها الممسحة التي رمتها، ولفت بها قبضة يدي اليمنى، بعد أن ألقت بممسحة الزيت بجانب المطرقة.

تحركت قدماي نحو المطبخ، وخلال مشيتي هناك من كان يصدر أصواتًا تتعالى مع كل خطوة أخطوها داخل أذني.

توقفت قدماي عند منتصف الممر أو قبله بقليل، وشددت أذني على نفسها لتركز مع هذا الصوت وما هو مصدره:

:ت......ع... .. ل.

:تو..... ع.... م... ل...

:توق.... ع... م... لاي...

:لا تكسره! ربما يكون مفتوحًا.

أيعقل أنهم هم!

فُتح باب المنزل الرئيسي الثاني أمامي لأرى أشخاصًا لم أرغب في أن أعيش في نفس القرية معهم ولو للحظة... وعلمت لمن هذه الأصوات.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الأعداء يحيطون بك

المؤلف The mask
2025/10/18 مستمرة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة