الخسارة(4)

الخسارة(4)

17 0

تشوش سمعي حينها، ولم أستطع أن أسمع ما قاله لي ساوكي. ارتفع رأسي للأعلى قليلًا، ونظرت عيني نحوهم بكل ما تبقى من طاقتها، وهي تراهم يغادرون المنزل. كالزلازل التي تصيب الأراضي؛ تنتهي لكنها لا تترك شيئًا إلا وتدمره. عاد خدي ليلتصق بالسجادة، وجسدي أقبلت عليه ليلة حتى بات جميع الأشقاء بأن يغفوا.

جهاد نفسي في مقاومة ما يحصل لي كان ينحصر بقوة ما إن كانت يدي اليمنى قادرة على إمساك المطرقة أم لا. نفسي تأمر، تصرخ، تنادي، وتنعش، ومع هذا ما زالت روحي لا تستجيب. الخيالات همّت تجتاحني بعد أن أغلقت عيني جفنها. أبي، أمي، أتحباني؟ هل أنتم فخورون بي؟ هل أستطيع أن أقول إنني كنت خير ابن لكما؟ لما أنتم ساكتون؟ تنظرون لي فقط. لقد حان وقتي لأكون مع.. مع.. مع.. مع.. تبا، لا أستطيع أن أنطقها، لكن أرجوكم عندما أذهب اشفعوا لي، واجعلوني في أولى درجات الجحيم.. حسنًا؟ لحظة، لما تغادرون؟ انتظروا!

......................................................................

غرست روحي بعضًا من القوة التي سرقتها من هذه الخيالات، والتي تمنتها نفسي لتقوم بحركتها الأخيرة. أقبلت أسناني العلوية حتى تلامست مع جدار شفتي اليسرى.

شُدت شفتي السفلى مكانها لتصل إلى أقصى أسناني وأواخر اليسار، وتلامس الجزء غير المطبق عليه أسناني جانب وجهي الأيسر. ثلاث، اثنتان، واحدة، تُركت شفتي السفلى لتحتك مع أسناني العلوية. وبات فمي يتذوق ألذ الأطعمة في هذا العالم: دمائي. تنزف وتنزف دمائي، بينما هي تُمتص داخل حلقي وتصل إلى روحي قبل معدتي. روحي يتم إنعاشها، وآثار الحياة بدأت ترجع إليها.

الأشقاء يتحركون، عيني فتحت نظرها، أذني عاودت تمنع أي صوت يمر منها، ويدي وقدماي يرتفعان عن السجادة.

انتصب جسدي، ونفسي تشعر أنه مجرد حلم خبيث. وبلحظة مفاجئة تحركت يدي اليسرى فجأة، لم يكن أمرًا أو حالة طبيعية، بل كانت كمن أُجبرت على الحركة، ورسمت خطين متلامسين في رأس ومفتوحين للأعلى، وآخر إصبعين لي أُنزلا، والإصبع الأقصر يكاد أن يطبق عليهما. لم تنظر نفسي إلى هذا الأمر وتجاوزته حتى لا تتخلف عن تنصيبها، ولكن ماذا يحدث! جسدي متجمد بالكامل. عيني وحدها هي المتحررة تناظر، تخاطب: لا يوجد خطر حولنا، ولكن يجب أن نتحرك. ليخاطبها صوت جميل بأن: لن يصل لوك إلى هنا وأنت غير موجود، فلا تقلق. صوته جميل كان؛ صوت حازم حنون وواثق، فقد كان صوت أبي. أبي! كيف!

تحرك جسدي من جموده فجأة، ودفع نحو باب الغرفة المغلقة. بسطت يدي اليمنى أصابعها، وأمسكت اليسرى بمقبض الباب. خففت يديّ من تلقي جسدي ألم الارتداد، ونفسي وعقلي يتشاجران. أكان عقلي محقًا عندما قال إنه سمع ذلك الصوت، أم نفسي أنه مجرد خيالات وضغوط عليه؟ لا أعلم، مع أن عقلي كان واثقًا أكثر.

نظرت عيني نحو باب الغرفة، وأخبرت نفسي برأيها بأن القدر دفعهم إلى هنا من أجل أن ينتهوا من دورهم هنا. فتحت يدي اليسرى الباب، وتوجه جسدي نحو اليسار. خزانتي الجميلة، وما بداخلها أجمل بكثير. فتحت يديّ الخزانة وأخرجت منها تونيكه.. ومن غيره، تونيك أبي. ارتدى جسدي هذا التونيك القديم. الماضي هو أكثر ما يخيف الناس، والقدم أكثر ما يرعبهم، فربما القدر يريد أن يمنحني آخر فرصة لي هنا أن أنتصر على هذه القرية الفاسدة بالماضي. خرج جسدي من الغرفة وأغلقها. وبينما يدي اليمنى تفعل ذلك، تلقت عيناي آخر نظرة لها هنا، فلن يكون هناك أي عودة لهذا المكان.

تحركت قدماي نحو المطبخ، المكان الذي ربما كان يجب علي أن أذهب نحوه منذ البداية. الخطوات كانت تقل سرعتها بين كل واحدة، والحذر يرتسم بين الأشقاء كلما اقتربوا من المطبخ، حتى وصل جسدي إلى الانعطاف الذي يفصل عالم المطبخ عن عالم المنزل بأكمله. طرق جسدي باب المطبخ وفتح أمامه، ودخل ليرى ما رآه.

هناك شيء غير مألوف على الطاولة. قدمي تمشي بروية وكأنها على طريق من الزجاج المكسور، وعيني تناظر، تعاين كل ما حوله. توقفت قدمي لحظة وصولها إلى الطاولة.

طبقان، أحدهما من الجبنة والآخر من البيض، وكأس حليب. وفي المنتصف صور مرسومة لنا. صورتي عندما كان جسدي وروحي صغيرة، أبي، أمي، والأفعى اللعينة. صورتان لها بمفردها، وصورة لكل واحد منا، وصورتان ونحن معًا؛ إحداهما بأشكالنا ما قبل الحادثة، والأخرى صورة لنا بشكلنا الحالي وبشكل تخيلي لوالدينا.

مواقعنا في الصورة دقيقة جدًا، ومرعبة في ذات الوقت إلى الدرجة التي لن أصدق أنها هي من رسمت صورنا الجماعية. أنا أقف أمام والدي، وهي تقف أمام والدتي، وكل واحد على طرف الصورة. وكأننا نحن الاثنان خلفاء لهم لنعيد ما حدث في الماضي، لكن بشكل مختلف، لا بين زوج وزوجته بل بين أخ وأخته. ما زال عقلي يتذكر أقوال والدي لي عندما نعت كلًّا منهما الآخر بخطيئة ما.. فهل هي حقًا من قامت برسم هذا لتخبرني بأن الخطايا تورث، أم أنه منه؟ الشخص المشترك ما بيني وبين عمي. أيعقل أنها رسالة منه لي؟ رسالة لها علاقة بالسر الذي يعلمه عن والدتي، والذي ربما تكون قد خانته أيضًا، ونتيجة خيانتها له هو أنهم قتلوا كليهما معًا. فهو يؤمن بأن عقاب الخطيئة تورث أما الخطيئة نفسها فلا اعلم فلم يخبرني برأيه عن هذا عندما سألته.

حركت نفسي رأسها يمنة ويسرة خارجة من قفص التفكير الذي دخلته، وأخبرت يدي بأن تمسك صور أختي المرسومة بمفردها وتنطلق بتمزيقها. مزقتها يداي من المنتصف، ثم أطبقت النصفين على بعضهما ومزقتهما في المنتصف، وبقيت هكذا، بينما عقلي مشغول بسؤال واحد: لماذا خانت أختي؟ لقد خانت منذ اللحظة التي انتقمت لها، وقبل حادثة دمي رأسها. علاقتنا لم تكن قوية، بل كانت كالجبال، ظاهرة وباطنة، جذورها قوية. أخبرتها أنهم لا يريدون مصلحتنا، ومع هذا لم تصدقني. أهو تفضيل والدي لي عليها، أم لأنه السبب الذي وشّه إصبعها سبابة وصفعها بكفه على وجهها حتى نزفت؟ لقد أخطأ والدي في فعلته، لكنها هي التي دفعته إليه، فقد أخبرها مرارًا وتكرارًا أن تتعلم الطبخ أو الخياطة حتى، لكن في كل مرة كانت تتجاهل كلامه ولا ترد عليه بشيء وتعود إلى غرفتها في منزلنا القديم. أحقًا هذا الغل يكفي لأن تفعل هذا، أم أنه شماعة لشيء أقذر من هذا؟

توقفت يدي عن تمزيق الصور بعد أن أصبحوا مجرد أوراق لا يتعدى حجمها حجم الإبهام أو نصفه حتى، ونُثرت في كل مكان.

أمسكت يدي باقي الصور. أما صورنا ونحن مجتمعون معًا، قسمتها من المنتصف، ووضعت النصف الأول ومعه صورتي وصورة والدي على يميني، وعلى اليسار صورتها وصورة والدتي. وصورنا المنفردة وضعتها على يميني، وهي صورتي وصورة والدي، وعلى اليسار صورة والدتي.

وجميع الصور في الجهة اليسرى تم تمزيقها بذات الطريقة. أمي لم تكن قاسية علي، لكن الظروف من حولها تخبرني أنها هي المدانة الأولى بكل أو ربما السبب غير المباشر في كل هذا. ولحظتها انتبهت نفسي إلى أن الدماء على شفتي قد تخثرت بالكامل.

طوت يديّ الصور الباقية، ووضعتها في الجيب الموجود على مقدمة سروالي، والذي لولا تعلمي للخياطة لما استطعت أن أوجده.

مشت قدماي نحو اليسار، وأمسكت يدي اليسرى بسكين المطبخ الصغير المعلق على الخطاف الخشبي، وفتحت يدي اليمنى الدرج لتستخرج منه ممسحة متوسطة الحجم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الأعداء يحيطون بك

المؤلف The mask
2025/10/18 مستمرة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة