:توقفوا عن منعي! لا يلومنَّ إلا نفسه هذا القاتل الكاذب.
تألم جسدي حينها عندما أمسكني ودفعني على الحائط، وكان الألم ضعف ما شعرت به، بل ثلاثة أو ستة أضعاف أو سبعة. ليس لأنه انطلق ووضع كل قوته في هذا، بل لأن جسدي كان منهكًا... مستنزف القوة وكأنني هرم يستطيع أي طفل أن يسبب لي المتاعب.
طرفا التونيك الخاص بي يعتصران ومعهما رقبتي، بينما هو يتلفظ بهذه العبارات المتكررة.
: أتريد أن تقتل هذه الجميلة الراقية أيها المجرم! أتريد أن تزيد بفعلتك عن أول مرة عندما أدمَيت رأسها، أو عندما قتلت ابن عمدة قرية سامك؟ لكن لا، فاليوم ستحصل على عقابك... العقاب الذي اخترته بلسانك، سيكون هو ما سيُريحنا منك وإلى الأبد.
لم تهتم نفسي له ولكلامه، ولم أحاول أن أفك نفسي، فنفسي تبحث عن من يقود هذا كله، لأنه يعلم من دائمًا ينتصر بالكلام وبالقوة.
بقيت أصبر وأتحمل هذا الألم وهو يزداد معي، ومع هذا فلن أنكر أن يداه كانتا كالسجن السحيق الشديد الذي يمنع أحدًا أن يتحرك بإرادته، فحتى لو كنت بكامل صحتي فسأشعر بقوته. فهو في النهاية شخص ذو تناسق بنيوي، كتلة عضلية أكثر مني، وضخامة، على عكسي أنا شخص عادي.
سمعت أذني أصوات القائد، وسعدت نفسي جدًا أنه وصل أخيرًا.
: أفسحوا الطريق أيتها التقيات. ساوة... أفلتْه... يا ساوة... أفلتْه... فحسابه سيكون معي.. وحدي فقط.
هكذا وصل مساعد العمدة وهو يلهث ووجهه محمر، بينما الجميع ينظر إليه كيف سيبدأ.
ابن عمي ساوة -السجان الخاص علي- عمتي، ابن عمتي، وأختي، واللاتي وقفن عند عتبة المنزل. وحتى أنا كنت أنتظر معهم أيضًا.
لم تترك قبضتا ساوة جسدي، بل شد عليهما، لينهره بعدها نائب العمدة قائلًا: ألم أخبرك أن تتركه يا ساوة! ألا تسمع!
وصرخت والدته بصوت يشبه الخنزير: اتركه! لا نريد أن يذهب مستقبلك بسبب شخص مثله! اتركه يا أمي.
أفلت ساوة رقبتي، بينما لم تهتم عيني سوى بالنظر إلى أختي تارة، ونحو يدي النازفة تارة أخرى.
وقف أمام جسدي نائب العمدة المدعو ساوكي عاقدًا حاجبيه، محمر وجهه تعبًا وزفرًا من الركض أو... أو الحقد علي، لا أدري. وفتح فمه بما لم يعد قادرًا على تخزينه داخله.
ساوكي: ما زلت لم أدرِ كيف آلت الأمور إلى هنا. الرسول القادم يريد أن يقتل أخته! أين بتنا في حياتنا ودنيانا! أَحيوانات بتنا؟ أو بالأصح أبت حيوان... أخبرني، أأنت حيوان؟ إن كنت كذلك فانطق، لكي نعاملك بالطريقة التي تناسبك.
لكن أتعلم أمرًا؟ هذا ليس بالجديد ولا بالدخيل في دمك. فأنت سليل الشر الذي جلب القحط إلى القرية، والذي سبق وأن حاول قتل أخيه، والذي انتقم منه الرب وأخذه بأبشع طريقة. أنسيت أم أذكرك عندما...
ساوة: أيها النائب، أعتذر عن المقاطعة، لكن أرجوك لا تتكلم عن عمي أو كيف مات والذي حصل له، بأي صيغة كانت.
ساوكي: انظر إلى هذا الإنسان الراقي، لقد أوقف كلامي عن قاتل وملعون لمجرد أنه عمه ويجب أن يحترمه.
كم أتمنى لو اختارك لوك بدلًا من هذا الحيوان القذر... انظروا أمامكم، إنه لا ينظر لي لأنه يعلم ما أراد فعله ويعلم أنه خجل من فعلته اللعينة.
فتحت فمي شفتاي وتجهزت لأن تكسر هراءهم، ونفاقهم المختبئ وراء كلماتهم، والبداية بنفاق ساوة.
نزعت عيني نظرها نحو أختي، ووجهتها نحو ساوة
وساوكي: أوهه، هناك بعض الأحداث المشوقة التي تحدث الآن.
أنت يا ساوة تدافع عن والدي، بينما الأفعى التي أحسن إليها ورباها لم تفعل. دعنا نتفق وألا نخدع بعضنا بأن قولك هذا لمصلحة ما لا محبة لوالدي. ولن أهتم لمصلحتك هذه، أتعلم لماذا؟ لأنك أنت أضعف مني بالذكاء أو حتى بالقوة، ولن تستطيع الوصول إليها إلا عن طريق شخص قد يتغلب علي، وهو ساوكي.
فما يشغل بالي حقًا هو هذه الطريقة الجديدة التي تكلمني بها يا ساوكي. أين ذهبت شعاراتك الرنانة ووعدك للعمدة، وللقرية بأنك أنت الباحث عن الحق، داحض الشر، والواقف في الحياد؟ أم أنها خدعة كي تضمن أن تكون العمدة القادم أنت، وأن تصدر الأوامر بفمك كما تريد؟
وحقيقةً، هذا وعدك لا يهمني إطلاقًا. فأنا أعلم هذا كله، وأعلم أنك تريد استفزازي لتضمن حجة لتنفيني بسببها، أو تجردني من هذا المنصب لترضي بها صديقك وعائلته الموجودة هنا.
لكن لما؟ حقًا لما تريد أن تكون معهم وأنت تعلم أن عمي هو وراء مقتل أبي، ومع هذا لم تهتم؟ القرية حسنًا، جاهلون مغيبون، ولا سلطة ولا ضرر من كرههم لي ولا لنا، لكن أنت! أنت نائب العمدة، والعمدة أيضًا لم تحققوا وراء مقتله! ولم تنصبوا له جنازة، لا له ولا لأمي! لما!
ساوكي: لأنه...
سافير: توقف! توقعت أنك تريد أن تقول هذه الحجة. حسنًا، أبي لهذا السبب. لكن أمي! أمي! لما؟ لقد كانت معكم في كل خطوة، والآن نسيتموها، وبات بداخلكم تكرهون، وتحتقرون، وتسرقون حقوق أبنائها! لذا حان الوقت لتدور العجلة، أيها السويكة!
وبعدها لم أتوقع ما حدث. صوت غريب دوى في الأرجاء وجمد الآخرين في أماكنهم. الجميع سكنوا عندما أطلق فمي صوت الألم الذي سببه لي ساوكي، والسبب قبضة ضُربت بها معدتي.
فلقد شد قبضته اليمنى وضرب بها جدار بطني،
لتسقط الممسحة عن يدي، ويخر جسدي نحو الأرضية، ولم يلبث سوى ثوانٍ لينفجر في وجهي صارخًا.
ساوكي: ألم تتعلم الأدب وأن تناديني بما يليق بي؟ لكنك معروف من أين حصلت على هذه الوقاحة والشر يا ابن المتبنى. أما بخصوص هذا الأمر فلن أتكلم به أمام شخص قاتل وكاذب مثلك. فاختك الملاك الهارب من جحيمك أنت ووالدك تعلم حقيقة ما حدث حقًا.
بسطت يدي أناملي وجعلتهما متجاورتين، وارتكزت قدماي بأطراف أصابعهما ليدفعا بها جسدي ليستقيم.
وبعد أن ارتفع جسدي عن الأرض بمقدار، تحركت قدمي اليسرى ثم اليمنى إلى منتصف جسدي وضغطتا على الأرضية ليصبح جسدي مستقيمًا مع ترنحات كثيرة.
رجع رأسي إلى الوراء، ووضعت يديَّ وفرقت أصابعهما على حيز الجدار الذي يحجبه ظهري.
أنزلت عيني نظراتها نحو أعينهم، والابتسامة تعدت لتكون واضحة بظهور أسناني الصفراء الخفيفة. عمّ الصمت وكان من صالحي ليثبت توازني وتتجمع أفكاري وقواي المتبقية، فلا أحد منهم يريد أن يتقدم بفعل أو كلمة، فالمدافع الآن هو أنا.
لم يتأخر ردي، وما كنت أرغب في إطالة خيط الصمت أكثر من هذا. دقيقة واحدة، ثم ردي غير المتوقع: لقد كانت لكمتك أقوى من ردك يا أيها السويكة...
لم أستطع أن أكمل جملتي القادمة حتى تلقيت اللكمة الثانية منه. لحظة، هذا الأمر ليس كالأولى، فقد وقفت أمام اندفاع قبضته يداي المتقاطعتان، وحمت معدتي من وحشية قبضته.
ولأن لكل حركة ثمنها، فيديّ تضررتا إلى حد أصاب نفسي أنهما كُسرتا. نظرت عيني إلى أعينهم، وشلت نظراتهم مشاعري. إنها سوداء... سوداء إلى الدرجة التي يختفي بداخلها كل شيء، وكل شخص، وكل عالم، خيرًا أم شرًا، عدا... عدا هذه البيابي العمودية البراقة.
أكملت كلامي ويديّ تعانقان بعضهما: آه... آه إن هذا لمؤلم، أكثر مما تتخيل. ألا تظن أنك هكذا ستسكتني؟ لا، لا، ولا من هذه اللحظة وحتى أموت.
واستمع إلى هذا قبل أن تكمل كلامك. قد لا أعلم ما إن كان والدي مخطئًا أم لا بأفعاله هذه، فلربما كان مظلومًا في مقصده، ولربما العكس. لكن ما أنا متأكد منه أنه كما مجدتم عمي، وهو الذي قتل والديّ وسرق مالي لأنكم تحبونه، فأنتم ستفعلون العكس مع كل من لا تحبونه.
سافون: [نح، نح] لا تذكر سيرة عمي الطيب هكذا!
ساوة: أهكذا تجازي من آواك وأطعمك أيها الناكر! على الأقل أخفِ معدنك الحقير واحترمه أمامي، أم هذا ما يجري بدمك حقًا كما قال لك نائب العمدة؟
ابتسم حينها ساوكي أمامي، وفي ابتسامته رمح يسننه ليزرعه داخلي عن طريق ثلاث كلمات بصوت منخفض غير مسموع سوى بالنطاق الذي نحن ثلاثتنا: سافير، أود أن أخبرك بأن السمكة قد صِيدت.
لم أفهم ما عناه فورًا، حتى بدأت أراجع بسرعة ما حدث، لأستوعب أنني يجب أن أتدارك الأمر بجعل الأفعى الكبيرة تكرههم أو أزعزع محبتها لهم.
نظرت عيني إلى أختي لتتأكد من تحليل عقلي للموقف، ووجدتها تخرج من عينيها شيء يسمى الدموع، وهي تبتسم لابتسامة ساوكي أمامي.
لم يجعلني أتحرك بأي حركة، فقد أمسك ساوكي بفكي وحركه أمام نظرات عينيه وهو يقول: ساوة، سافون، لا تنزعجا. فلا يهم ما قاله هذا الكاذب. فما سأقوله، والذي دائمًا أذكره، أنك تعلم أنك قاتل وكذاب يا سافير، وجميعنا نعلم هذا. ومع هذا ما زال لوك غير مقتنع بهذا ومتشبث بأن تكون خليفته هنا.
لكن حتى لو أصبحت أنت الرسول فلن تكون أهلًا لها، فلقد صبرنا عليك كثيرًا من أجل عمك، وأنت مواطن عادي ولم تنجح في دورك هذا، فتتوقع أن تنجح في هذا المنصب؟ لذا ما سأطلبه منك، وما جئتك إليه إلى هنا منذ البداية، أن تغادر هذه البلدة ولا أراك بها مرة أخرى، وإلا فضحتك الآن هنا وأمام القرية بأكملها.
The mask