الخسارة(3)

الخسارة(3)

13 0

عيني تنظر نحوه وترى مصيبة تتعقد وتكبر أمامي. والقتال على هذه الجبهة لن يكفي، والنقاش معهم فقط لن يجعلني أحسم هذا لصالحي.

خاطب فمي بصوته وحلقه وأحباله الصوتية أختي: أيتها الأفعى اللعينة، أفيقي، أفيقي ولا تكوني كأمنا آمنت عليهم وغدروا بها. يريدون التخلص مني ليستولوا على المنزل وعلى النقود.. كل ما بقي لنا من ورث والدينا. فإياكِ أن تستمتعي لهم أو تصدقيهم. هم أنفسهم غدروا بهم، وهم من سيغدرون بنا...

ساوكي: نغدر بكم، هه، لا تكن أحمق، أم أنك خفت منا لأننا جئنا لنفضحك.

سافير: تفضحني؟ أضحكتني كثيرًا يا ساوكي. أتعلم لماذا؟ لأنك إلى الآن لم تجد شيئًا واحدًا لتفضحني به. لأنني فقط ابن سينار تقول إنني يجب أن أغادر القرية؟ غريب هذا الأمر، ومن متى نقيم الأشخاص بناءً على آبائهم؟ فها أنا أكررها: لا أدافع عنه، ولربما كان ظالمًا، لكنني لن أصدقكم في أي شيء مهما كان وإلى الأبد.

حتى في حادثة قتل ابن عمدة سامك، فلم تستطيعوا أن تثبتوها وقد تمت تبرئتي منها من والده شخصيًا. وبالنسبة إلى حادثة حرق منزل صديقك... أقصد عمي القاتل، فلقد أخبرتك وأخبرت القرية كلها بالسبب حينها، لكنك أنت وجميعكم اخترتم أن تكذبوني... حتى هذه الأفعى قد صدقت هذه الرواية وما زالت مؤمنة بها. لذا اسمع جيدًا أنت ومن حولك: لا يحق لأي كان، حتى العمدة أو لوك، أن يمنعني من قبول هذا المنصب أو بقائي في هذه القرية طالما لا يوجد دليل تدينونني به، لذا حجتكم في التخلص مني لا أساس لها.أَرأيتِ أيتها الأفعى؟ يريدون أن يتفردوا بكِ! افهمي هذا!

سافون: بل أنت كاذب، والدماء على الحائط وعلى المطرقة تشهد أنك حاولت قتلي بالمطرقة.

ساوكي: القطعة الناقصة أخيرًا، الدليل مع الدماء.

تحرك جسدي بسرعة نحو موقع الحادثة وسبقت به الجميع. صرخ ساوكي وساوة عليهم أن يعيقوني من الخروج من المنزل.

وصلت إلى الموقع، وبات خلفي كلٌّ من المطرقة والجدار. توقف جسدي، وفردت يديَّ وأناملهما، بينما الجميع بلعوا بفم الحيرة. ظهرت أسناني وصوتها الدال على الانتصار أو شبيهه، وأخرجت معها دروعًا وأقواسًا.

سافير: حسنًا حسنًا، لا تخف فأنا لن اهرب من المنزل لأنني أحببت هذا الاتهام. لكنك نسيت أن الاتهام على حجج واهية ختم كذب وكسر للأرض التي تقفين عليها أنتِ وهم.

ساوكي: ماذا تقصد؟ أتريد أن تقنعنا أنك لا تفعل مثل هذه الأفعال الشريرة وأنك ملاك لا شيطان؟ أنسيت عندما أدمَيت وجه أختك أو حرقت منزل عمك؟

سافير: فعلتي لها في الماضي لا تعني أنني كررتها، فدليلي حاضر. فالمطرقة التي في الأرض تشهد، وملابسها تشهد. فكيف أكون أنا من حاولت قتلها ويدي هي التي تنزف الآن، وجسمها سليم وملابسها نظيفة؟ وحتى لو قلت إنني فعلتها بيدي اليسرى، فالقوة والدقة لن تكونا إلى الحد الذي تُضرب به الجدار ويتشقق به جلدي. ومع هذا أنا مسامح في حقي. فيا أيتها الأفعى، انظري! أفيقي مما أنتِ عليه ولا تكوني كالسمكة التي بلعت الطعم وصِيدت من بحرها على يد هذه السويكة.

ساوكي: خذ هذه أيها الوقح. خذ... وخذ... وخذ.

ساوة: توقف يا أيها نائب العمدة، سيموت على يدك.

ساوكي: لن أتوقف حتى أقتله!

ساوة: توقف أيها نائب العمدة، توقف!

أمسك ساوة ساوكي وأوقفه أن يكمل توجيه لكماته ضدي، وأزاحه نحو الوراء قليلًا، وسقط جسدي على الأرض بعد أن حمى معدتي وترك الأشقاء الباقين يتعرضون للموت.

ظهري، كتفي، يديَّ، وقدماي ما عادوا قادرين على إخفاء ما يشعرون به، وتأكدوا أنه حان الوقت لأن يصرخوا. صرخ فمي وكأن نفسي تمزقت في أرجاء جسدي، ثم انتُزعت من كل قطعة جلد واحدة تلو الأخرى.

ولم تتوقع حينها أن ترى عيني بيابيهم تريد أن تركل بؤبؤ عيني وتثبت مكانها نافورة تقذف حمرة الدماء منها، دون أن تصدر أختي صوتًا من فمها.

توقفت نفسي عن جعل عيني تتحرك نحوها، لئلا تكون ابتسامتها سهم الختام الذي سيقتلها، فهي غير مدركة بعد أن قتلي من أجل هدف نبيل. ويكفي أنه سيضمن أنها لن تعيش عذاب الدنيا وأمراضها الروحية كما عشتها أنا.

صرخ ساوة نحو عيني، وتعابير وجهه كصحراء قاحلة حمراء دون ماء يرويها أو ينبت شجر بها. حرك شفاهه وأخرج صوته باعتدال: وأنت أيها الكاذب المجرم، انتهيت وانتهت معها ألاعيبك.

ارتفع نظري نحوه، وعلامات الوجع لا تفارقه، لأعاود الكلام: ساوة، ابن قاتل أبي العزيز، أتريد أن تبقى منافقًا هكذا إلى متى؟ أخبرها أنك تريد أن تنتقم مني ومنها لما فعلته بوالدك. قلها أنت أو أختك، أو أمك، الفظوها ولا تكونوا جبناء، أم أنكم تتهمونني بأني كالشيطان وأنتم لا تنظرون نحو أنفسكم حتى!

ساوة: أيها الحقير! خذ...

ساوكي: ساوة! لا تقترب منه ولا تضع يدك عليه، وابقَ بجانبي.

ساوة: لقد أنقذك نائب العمدة مني كما أنقذنا أختك منك.

سافير: أنتم لم تنقذوا أحدًا، ولعلكم تخططون بنفيها أيضًا بسبب ما أرادت أن تفعله بي، لكني ما دمت موجودًا فلن يحدث هذا. وهذا أكبر دليل يا أفعى، هذا السويكة منع ابن صديقه كي لا يقع في المتاعب. فالحقيقة أننا لسنا مرحبًا بنا بينهم، أرجو أن تفهمي هذه الحقيقة.

ساوكي: أقسم، لولا أنني لا أريد أن أجعلك تموت وأنت مرفوع الرأس لكنت قتلتك الآن، لكن لا بأس، وقتك قد اقترب. أما عن الحقيقة فأين هي؟ لا أعلم كيف حدث هذا، لكني واثق أنك أنت السبب يا رأس الشيطان... يا خليفته في هذه القرية. لذا يا سافون، نحن نصدقك ونحترمك، ولكِ كلمتك بيننا، على عكس ما كنتِ عليه معه لا صوت لك، على الرغم أنك الكبرى. لذا أخبريني ما حدث... وباختصار: من كان يريد أن يقتل الآخر، أنتِ أم هو؟ ولماذا؟ وكيف؟

سافون: هو، هو، هو، وبيده اليمنى العارية، وأقسم بهذا بالرب، وبأمي، وبخالتي وابنتها الواقفة جنبي، وبعمي، وبك يا... يا... يا والدي. والسبب هي الورقة التي أعطيتك إياها أبي.

ساوكي: إذًا قد قامت عليك الحجة يا أيها الكاذب القاتل.

انتفضت نفسي مما سمعته من كلامها، وأمسكت برأسي وأزحته نحو اليمين ليبحث عن طرف عين لها. وإيجادها لم يكن بالصعب، فأثر بكائها الكاذب سهل علي إيجاده دون أن يكون هناك يد أو طرف ثوب يعيقه.

سافير: أبي! يدي اليمنى العارية! الحجة! الورقة! ماذا يحدث من حولي؟ أيتها الأفعى اللعينة، أتدركين ماذا قلتِ للتو! إنك...

سافون: اخرس أيها الأوروبوس، فأنا لست فتاة صغيرة. أنا أعلم ماذا قلت وماذا أقول، وأعلم كيف أعيش ومن أتبع. فلقد سئمت من معاملتك وحبسك لي داخل هذه الجدران. لذلك أنت تريدني بجانبك، أنت خائف من هذه الحقيقة التي تعريك وتعري سلطتك الوهمية علي.

وضع ساوكي قدمه اليسرى جنب جسدي وجرها نحو رأسي، وما عادت عيني ترى شيئًا سوى قدمه وما ترتديه. ومراده من هذه الحركة هو خداعها بأنه سيحميها حتى من نظرات الناس لها... أو هذا ما تعتقده نفسي.

ساوكي: أوه، هذا اللقب الذي كنت تُسمى به وأنت صغير إذًا. وحتى أكون صادقًا معك، فهو يليق بك. يليق أن تبقى صغيرًا أمام الجميع باسمك وهويتك وذاتك. وحتى لا أخرج عن الموضوع أكثر، أيها الأوروبوس، برهن للكبار أمثالنا كيف استطعت فعلها بيدك العارية.

سافير: كبار! أأنتم كبار! بل أنتم أصغر من أصغر أثر لدمي على هذا الحائط. وكلامي لك خاصة أيها السويكة، فلا أحد كبار غير هذه الأفعى ال...

أزاح ساوكي قدمه اليسرى، وبكل قوة رُزق بها ركل رأسي، حتى سُمع لعظام رأسي صوت فرقعة. مال كتفي، ولميله سقط جسدي للمرة الثالثة، فكل ما تراه عيني ألوان غامقة تجتاح كل ما حولي.

تلفظ وهو يقول: أجبني، كيف فعلتها بيدك العارية، أم أنك استعنت بشيطان والدك، ههه.

سمعت أذني كلماتها، وسمعت ما هو أصعب منها أصوات ضحكاتهم. الخنزير يبتسم، والماعز يبتسم، حتى الأفعى تبتسم. نفسي تريد أن تفيق عقلي ليواصل رسالتها نحو عيني وتنظر نحو الأفعى، فرسالتي الأخيرة قد تكون هنا. الأشقاء يضعفون ولا يستطيعون أن يكملوا هذا القتال.

أمسكت نفسي بلساني وشفتي وقطعت السلاسل التي تزحف نحوهم لتقيدهم لتخرج كلماتي الأخيرة نحو الجمي: سانير، أبي لن يكون مثل السويكة.

رفع ساوكي قدمه اليمنى وأنزلها على ظهري، وألحق بعدها باليسرى. والألم هنا اختلف عما قبله، فكل الأشقاء شعروا به، والسجادة الحمراء، والجدار، والمطرقة، حتى إلا واحدة الأفعى لم تشعر ولم تهتم بي.

نظر ساوكي إلى ساوة وسأله: أهكذا يكفي؟ أظنه أنه لن يستطيع أن يأتي لتولي منصبه.

ساوة: يكفي أيها نائب العمدة، أبي لن ينسى هذا الموقف منك.

ساوكي: ما رأيك يا ابنتي، أهكذا يكفي أم أقتله أمامك؟

سافون: يكفي يا أبي، يكفي، فأنا لا أريد أن يحاسبك الرب على القتل، وخاصة شخص مثله.

ساوكي: إذًا أريد منكم جميعًا أن تغادروا الآن، وأنا وساوة سنبقى لأمر ما. ساوة، اذهب نحو مقدمة الباب وابقَ هناك.

الجميع: حسنًا، حسنًا.

ساوكي: سافير، أود أن أحييك. أحييك فعلًا على فعلتك هذه. اكتشفت الموضوع ببساطة وسرعة، لكن أتدري لما جعلتك تعلم، أو بمعنى آخر أن أخبرك بهذه الكلمات؟ كي تشهد على الخيانة. يا للزمن، وكأنه يُعاد أمامي. خيانة عمك لأبيك وقتله له ولأمك، والآن نفس الأمر المشترك: الخيانة. إنها السلاح الذي يؤلم أكثر من الموت نفسه.

والمفاجأة ليست هنا، بل إن أختك كانت ملكًا لنا منذ البداية... بداية استقلالكما بمنزلكما هذا عوضًا عن بيت العم، ونهاية بمحاولتها استفزازك لتقتلها، والتي نجحت في ذلك. لذا أتذكر مالك؟ المخبأ في البيت القديم، والذي عشت كل أيامك تجمع به، قد فُضح سره ومكانه، وقبل أن تفعل أي شيء، قد بات هذا المال في منزلي. أما عن بيت جدك فنبشرك، قد تم قتله وبيته كُتب باسم عمك. وأخيرًا هذا المنزل سنأخذه عنوة من أختك بعد أن قررت أنها ستعيش في بيت عمها. لذا أرجوك ابقَ على قيد الحياة من أجلي... كي نراك تعاني أكثر وأكثر. ونهاية، لك أمانة من عمك... خذها الآن لهذه القبضة منه.

طخ.

ساوكي: هيا يا ساوة.

ساوة: هيا يا عمي.. عمي الحقيقي. إني أراك مبتسمًا، فهل أخبرته بالسر؟

ساوكي: بالطبع، فآخر مسمار في نعشه دُق، وأخيرًا من بعد محاولاتنا الكثيرة. وقبل أن أغادر أخيرًا، أود أن أخبرك: حتى لو حاولت أن تشتكي للعمدة لن تفز، فهناك ورقة قد كُتب عليك بها الإعدام.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الأعداء يحيطون بك

المؤلف The mask
2025/10/18 مستمرة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة