مر عام كامل.
عام لم يقاس ببرودة الجدران، بل بعدد الجلسات التي خضتها مع الدكتور عادل.
في "الجناح الهادئ"، بعيداً عن ضجيج القانون والاتهامات، كنتُ أخوض المعركة الأهم: معركة "الدمج".
لم نعد أنا وسامر نتصارع على من يمسك المقود.
تعلمنا، عبر شهور من الألم والبكاء والمواجهة، أننا لسنا عدوين.
هو لم يكن وحشاً، كان "الطفل الغاضب" الذي لم يجد من يدافع عنه، وأنا لم أكن ضعيفاً، كنت "الطفل المتألم" الذي احتاج لمن يحمل عنه العبء.
اليوم، أقف أمام المرآة في غرفتي بالمصحة. أنظر إلى وجهي.. لا يوجد "آدم" المنكسر، ولا "سامر" الشرير.
هناك وجه واحد، بعينين هادئتين، تحملان حزناً نبيلاً وقوة هادئة.
"هل أنت جاهز؟" جاء الصوت من داخلي.
لم يعد صوتاً غريباً أو مقتحماً، صار كأنه "صدى" لأفكاري الخاصة.
لقد دمجنا الذكريات، دمجنا القوة والضعف، وأصبحنا كياناً واحداً يعرف متى يسامح ومتى يضع الحدود.
فُتح الباب، ودخل الدكتور عادل مبتسماً: "آدم، أوراق خروجك جاهزة. اللجنة الطبية قررت أنك أصبحت مؤهلاً للعودة للحياة."
"شكراً لك يا دكتور.. لولا صبرك لما كنتُ هنا اليوم."
"أنت من فعلت ذلك يا آدم. أنت من قررت أن تواجه ظلك بدلاً من الهرب منه."
خرجتُ إلى باحة المصحة الخارجية. كان الهواء منعشاً، والشمس تداعب وجهي بلطف. وعلى المقعد الخشبي عند البوابة، كان هناك شخص ينتظر.
"ياسين،" ناديتُه بصوتٍ واثق.
نهض ياسين، كان كتفه قد شفي تماماً، لكنه لا يزال يحمل ندبة صغيرة، ندبة أسميناها "وسام الوفاء".
عانقني بقوة، وشعرتُ لأول مرة منذ سنوات أنني "موجود" حقاً.
"إلى أين نذهب الآن؟" سأل ياسين وهو يفتح باب سيارته.
"إلى البيت القديم،" أجبتُه بابتسامة. "علينا أن ننظف القبو، ونزيل الصور الممزقة، ونفتح النوافذ ليدخل الضوء."
سألني ياسين بحذر وهو يقود السيارة: "وخالد؟ هل عرفتَ ما حدث له؟"
"سمعتُ أنه غادر المدينة،" قلتُ بهدوء.
"لا أشعر بالغل تجاهه.
لولاه لما عرفتُ القوة التي بداخلي، ولولاه لما عرفتُ معنى الصداقة الحقيقية التي وجدتها فيك."
وصلنا إلى البيت.
نزلتُ إلى القبو وحدي.
نظرتُ إلى المكان الذي شهد انكساري ومحاولة انتحاري.
لم تعد الرائحة خانقة. وقفتُ أمام المرآة الكبيرة التي أصلحتها إدارة البيت.
نظرتُ إلى انعكاسي، وهمستُ لنفسي وللظل الذي صار جزءاً مني:
"لقد نجونا."
لم يظهر سامر ليسخر، ولم يرتجف آدم ليخاف. فقط، ارتسمت ابتسامة هادئة على وجهي، وأدركتُ أن الرواية النفسية التي بدأت بـ "تخلي الأصدقاء" انتهت بـ "التصالح مع الذات".
أغلقتُ باب القبو خلفي، وصعدتُ نحو النور، حيث كان ياسين ينتظرني في الأعلى، وحيث كانت الحياة تنتظر أن تُعاش من جديد.. بشخصية واحدة، وقلب واحد، وحقيقة لا تقبل الانقسام.
Maro lol