كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجراً، والضوء الأزرق المنبعث من شاشة هاتفي هو الأكسجين الوحيد في الغرفة المظلمة.
"تمت القراءة".. جملة قصيرة ظهرت بجانب رسالتي الأخيرة، لكنها كانت كافية لتفتت ما تبقى من كبريائي. "ياسين"؛ الصديق الذي شاركته طفولتي، ومشاكلي، وحتى أسراري المظلمة، قرر أخيراً أنني "عبء" لا يُطاق. لم يرد، بل قام بحظري (Block).
شعرت ببرودة تسري في أطرافي، ليست برودة الشتاء، بل برودة الوحدة التي تجمد النخاع. نظرت إلى قائمة جهات الاتصال؛ كانت تبدو كمقبرة جماعية.
"سارة" رحلت منذ عام، "خالد" تذرع بالعمل واختفى، والآن "ياسين" يغلق الباب الأخير.
لماذا يرحلون؟ هل رائحة الحزن فيّ نفاذة إلى هذا الحد؟ هل خوفي الدائم وقلقي المفرط أصبحا كالفيروس الذي يهرب منه الجميع؟
نهضتُ لأشرب الماء، لكنني تعثرت بكرسي في منتصف الغرفة. غريب.. أنا لم أضع الكرسي هنا، أنا مهووس بالنظام، وكل شيء في شقتي له مكانه المقدس.
نظرت إلى المرآة في الردهة، كان وجهي شاحباً، الهالات السوداء تحت عينيّ تحكي قصة ليالٍ من الأرق، لكن عينيّ.. كان فيهما شيء غريب، لمعة حادة، نظرة لم أعهدها، نظرة شخص يخطط لشيء ما، وليس شخصاً محطماً كحالي.
فجأة، شعرت بصداع يمزق رأسي، كأن شخصاً يحاول الخروج من داخل جمجمتي مستخدماً فأساً. انقبض صدري، وأحسست بغثيان شديد.
أغمضت عيني بقوة لأطرد هذا الألم، وعندما فتحتهما.. لم أكن في الردهة.
وجدت نفسي واقفاً في الشرفة، الجو كان ممطراً والريح تلطم وجهي، وفي يدي سيجارة مشتعلة شارف جمرها على الوصول لأصابعي.
المشكلة الوحيدة؟ أنا لا أدخن.. لم ألمس سيجارة في حياتي!
رميت السيجارة بذعر، ونظرت حولي. كيف وصلت إلى هنا؟ كم مر من الوقت؟ نظرت إلى الساعة في يدي، كانت الرابعة والنصف فجراً.
لقد ضاعت من عمري ساعة ونصف كاملة لا أتذكر منها ثانية واحدة.
عدتُ إلى غرفتي مهرولاً، وجلست على السرير وأنا أرتجف. فتحت هاتفي مرة أخرى، وذهبت إلى محادثة "ياسين".
صرخت رعباً وسقط الهاتف من يدي.
لقد أُرسلت رسالة من هاتفي أثناء تلك الساعة المفقودة، رسالة لم أكتبها أنا. كانت تقول بلهجة قاسية وباردة لم أستخدمها يوماً:
"لا تظن أنك رحلت يا ياسين.. أنا من طردتك، وقريباً ستتمنى لو أنك لم تولد لتعرفني."
من الذي كتب هذه الرسالة؟ ومن هذا الذي يسكن داخلي ويتحكم في جسدي حين أغيب؟ شعرت حينها أن الوحدة لم تعد مشكلتي الوحيدة، بل إنني لست وحيداً في هذا الجسد كما كنت أظن.
Maro lol