لم أستيقظ في شقتي، ولا في قبو طفولتي، بل استيقظتُ في غرفة ذات جدران مبطنة بالجلد الأبيض، تخلو من أي زوايا حادة، حتى النافذة كانت مغطاة بشبكة حديدية لا تسمح إلا بدخول خيوط باهتة من الضوء.
لم تكن هناك أصفاد، لكن القيود كانت في "الصمت" الذي يحيط بي.
أنا الآن في "الجناح رقم 4" بمستشفى الصحة النفسية الجنائية. هنا، لا تُقاس الأيام بالساعات، بل بمواعيد الجرعات الدوائية.
دخل رجل يرتدي بذرة رسمية، خلفه الطبيب عادل الذي بدا وجهه مثقلاً بالأسف. الرجل الرسمي كان المحقق "شريف".
وضع ملفاً ضخماً على المنضدة الوحيدة المثبتة في الأرض.
"آدم مصطفى،" قال المحقق بصوت جاف.
"أمامنا قائمة طويلة: الهروب من منشأة طبية، اقتحام ملكية خاصة، التهديد بسلاح أبيض، وإشعال حريق عمداً.
صديقك خالد قدم تنازلاً عن محاولة الاعتداء، لكن الحق العام لا يزال قائماً."
نظرتُ إليه ببلادة. كانت الأدوية تجعل عقلي كأنه مغطى بطبقة من القطن. "لم أكن أنا.." همستُ.
ضحك المحقق بسخرية: "هذا ما قاله محاميك، وما يقوله الدكتور عادل هنا.
يقولون إن شخصية تُدعى (سامر) هي الفاعلة. لكن بالنسبة للقانون، البصمات هي بصمات آدم، والوجه هو وجه آدم."
التفت المحقق نحو الدكتور عادل: "دكتور، هل يمكن لهذا (السامر) أن يظهر الآن؟ نريد أن نستجوبه."
تدخل الدكتور عادل بحزم: "آدم يمر بمرحلة انهيار عصبي حاد، واستفزاز الشخصية الأخرى الآن قد يؤدي لنتائج كارثية. هو بحاجة لعلاج، لا لاستجواب."
بعد رحيلهما، بقيتُ وحدي. حاولتُ استدعاء "سامر".
شعرتُ برغبة غريبة في سماع صوته، في أن يصرخ، في أن يسخر من هذا المحقق.
لكن الصمت كان مطبقاً. سامر الذي كان يملأ رأسي ضجيجاً، اختفى تماماً.
"سامر؟ هل أنت هنا؟" ناديتُ في سري.
لا رد.
بدأ الرعب الحقيقي يتسلل إليّ.
هل قتلتُه عندما حطمتُ المرآة؟ هل أنا الآن "آدم" فقط؟ وإذا كنتُ وحدي، كيف سأدافع عن نفسي أمام هذا العالم القاسي؟ لقد كان سامر هو درعي، وبدونه أنا مجرد كائن هش بلا مخالب.
في المساء، سمحوا لي بزيارة واحدة.
كان ياسين. بدا وكأنه فقد الكثير من وزنه. جلس خلف الزجاج العازل، وأمسك بسماعة الهاتف.
"آدم.. المحامي يحاول تحويل القضية إلى (عدم مسؤولية جنائية).
نحن جميعاً شهدنا معك، حتى سارة وخالد. لقد أخبرناهم عن الحريق، وعن الرسائل."
"ياسين.." قلتُ والدموع تخنقني، "سامر صامت.. لقد رحل."
نظر إليّ ياسين بنظرة غامضة، ثم قال ببطء: "ربما هذا أفضل يا آدم.
ربما حان الوقت لتكون أنت القوي، لست بحاجة لوحش ليحميك."
عندما انتهت الزيارة، وعُدتُ إلى غرفتي، نظرتُ إلى انعكاسي في سطح منضدة الطعام المعدنية المصقولة.
لم أرَ سامر، لكنني رأيت شيئاً جعل قلبي يتوقف.
تحت جفني الأيمن، كانت هناك "كدمة" صغيرة لم تكن موجودة حين استيقظت.
كانت تبدو وكأن شخصاً ما قد ضغط بإصبعه بقوة على عيني من الداخل.
وفجأة، شعرتُ بحكة في حنجرتي، سعلتُ بقوة، فسقطت من فمي ورقة صغيرة مطوية بإحكام، كانت مخبأة تحت لساني طوال اليوم دون أن أشعر!
فتحتُ الورقة بيدي المرتجفة، كانت مكتوبة بخط صغير جداً وواضح:
"أنا لا أرحل يا آدم.. أنا فقط أختبئ من الأطباء. استمر في تمثيل دور (المسكين)، ودعهم يظنون أنهم انتصروا. سنخرج من هنا قريباً.. وبطريقتي الخاصة."
ابتلعتُ ريقي بصعوبة.
لم يرحل.
كان يراقب المحقق والطبيب وياسين، وكان ينتظر اللحظة التي ينام فيها الجميع ليعود للظهور.
والآن، أدركتُ أن "الجناح رقم 4" ليس سجناً لآدم.. بل هو "ملعب" جديد لسامر
Maro lol