كان الهواء البارد يلفح وجه "سامر" وهو يتحرك بخفة في الشوارع الجانبية المحيطة بالمشفى.
لم يكن يركض، بل كان يمشي بخطوات واثقة، كصياد يعرف أن طريدته لا تملك مكاناً للهرب.
داخل عقلي، كنتُ أصرخ، كنتُ أحاول استعادة السيطرة، لكنني كنتُ كمن يشاهد فيلماً مرعباً من وراء زجاج سميك؛ أرى وأسمع، لكنني لا أملك حركة واحدة.
وصلنا إلى بناية "خالد". كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل.
صعد "سامر" الدرج بهدوء، مستمتعاً بصوت أنفاسه المنتظمة.
أخرج من جيبه مفتاحاً.. لقد سرقه من معطف خالد أثناء زيارته الأخيرة لي في المستشفى.
انفتح الباب دون صوت.
كانت الشقة تفوح منها رائحة القهوة والتبغ.
كان خالد جالساً في الصالة، ظهره للباب، وأمامه شاشة حاسوبه.
"خالد.. ألم تسمع عن آداب استقبال الضيوف؟" خرج الصوت من حنجرتي، لكنه كان عميقاً، ساخراً، وبارداً كالمعدن.
قفز خالد من مقعده وكأن صاعقة ضربته.
دار حول نفسه ليراني واقفاً هناك، بملابس المشفى الرقيقة وعينين تشعان بجموح مخيف.
"آدم؟ كيف.. كيف خرجت؟ وكيف دخلت إلى هنا؟"
ضحك سامر، وخطا خطوة نحو الداخل، وأغلق الباب خلفه بالمفتاح.
"آدم نائم الآن.. لقد تعب من تمثيل دور الصديق الساذج الذي يصدق اعتذاراتك الباردة.
أنا هنا لأتحدث معك عن (السطح).. هل تذكره يا خالد؟"
شحب وجه خالد حتى صار بلون الكفن، وتراجعت قدماه لتصطدما بالمكتب.
"لا أعرف عما تتحدث.. كان حادثاً.. كنا أطفالاً.."
"حادثاً؟" صرخ سامر وهو يندفع نحوه بسرعة البرق، ممسكاً بياقة قميصه بقوة هائلة.
"لقد دفعتَه لأنك كنت تغار من درجاته، من حب المعلمين له.
دفعتَه لتثبت أنك الأقوى، لكنك لم تقتله.. بل خلقتني أنا! أنا الوجع الذي نسيتموه في القبو، أنا الكسر الذي لم يلتئم."
"أنا آسف.. أنا بقيت بجانبه طوال هذه السنوات لأكفر عن ذنبي!" قال خالد وصوته يتهدج بالبكاء.
"كاذب!" صرخ سامر. "بقيت بجانبه لتراقب جنونه، لتطمئن أن سره مدفون معه.
والآن، عندما بدأ (آدم) ينهار، قررت الرحيل لتتركه يموت وحيداً."
في تلك اللحظة، شعرتُ بصورة "السطح" تكتمل في ذاكرتي.
رأيتُ يد خالد وهي تدفعني، ورأيتُ الفراغ، ثم رأيتُ وجهاً صغيراً غاضباً يظهر في عقلي ليقول لي: "لا تخف.. سأتحمل الألم بدلاً منك".
كان ذلك وجه سامر الأول.
رفع سامر يده، ورأيتُ في قبضته "مشرطاً" طبياً كان قد سرقه من غرفة الغيارات في المشفى.
"سامر.. لا!" صرختُ بداخلي بكل ما أوتيت من قوة.
"إذا قتلته، ستقتلني معه! سأقضي بقية عمري في السجن!"
توقف سامر للحظة.
المشرط كان على بعد مليمترات من عنق خالد المرتجف.
"ألا تريد حقك يا آدم؟ ألا تريد أن تراه يتألم كما تألمنا؟" سألني سامر في عقلي.
"ليس هكذا.. لستُ قاتلاً يا سامر.. أرجوك."
اهتز جسدي بعنف.
كانت المعركة على السيطرة في ذروتها.
فجأة، انطفأت القوة في يدي، وسقط المشرط على الأرض.
انهرتُ على ركبتي وأنا ألهث، وعاد صوتي الطبيعي، صوت آدم المنكسر:
"خالد.. ارحل.. اخرج من هنا واتصل بالشرطة.. لا أستطيع السيطرة عليه لفترة طويلة."
نظر خالد إليّ برعب، وبدلاً من مساعدتي، هرب نحو الباب، فتحه وخرج يركض في الرواق وهو يصرخ طلباً للمساعدة.
بقيتُ وحدي على الأرض، أبكي بصمت.
"لقد أضعنا الفرصة يا جبان،" همس سامر بخيبة أمل مريرة. "الآن، سيعتبرك العالم كله مجرماً هارباً.. وليس مجرد مريض."
سمعتُ أصوات سرينة الشرطة تقترب من بعيد. لقد بدأت المطاردة الكبرى
Maro lol