كان منظر الدماء وهي تلون قميص "ياسين" الأبيض كفيلاً بإحداث زلزال داخل عقلي.
ياسين، الذي اقتحم النيران لإنقاذي، وياسين الذي وقف خلف الزجاج ليدعمني، سقط الآن بنصل يدي.. نصل "سامر".
تراجع "سامر" خطوتين للخلف، وشعرتُ بقبضته على جسدي ترتخي لأول مرة منذ شهور.
كان يرتجف.
نعم، الوحش الذي لم يكن يهاب الشرطة أو المصحة، كان يرتجف أمام صرخة ألم ياسين.
"ياسين!" صرختُ بصوتي الحقيقي، وانهرتُ بجانبه على الأرض.
أمسكتُ بكتفه محاولاً إيقاف النزيف بيدي العاريتين.
كان خالد متجمداً في مكانه، يحدق فينا بعينين جاحظتين، غير قادر على تحريك عضلة واحدة.
نظر إليّ ياسين، ورغم الألم، حاول الابتسام بصعوبة: "آدم.. ارحل.. الشرطة في طريقها لهنا.. لقد اتصل خالد بهم قبل وصولك.. ارحل يا آدم.. لا تدعهم يضعوك في السجن للأبد."
"لن أتركك يا ياسين! لن أتركك تموت بسببي!" صرختُ بنحيب مرير.
وفجأة، سمعتُ صوت "سامر" في أعماق رأسي، لكنه لم يكن صوتاً قوياً أو ساخراً، كان صوتاً مهزوماً، باكياً:
"لم أكن أريد إيذاءه.. هو الوحيد الذي لم يتركنا.. لماذا وقف أمام المشرط؟ لماذا؟"
"لأنه إنسان يا سامر! لأنه يملك قلباً، وأنت لا تملك سوى الحقد!" صرختُ في عقلي.
"ارحل يا سامر.. ارحل واتركني أنقذ ما تبقى من حياتي!"
في تلك اللحظة، حدث شيء لم أتوقعه.
شعرتُ وكأن "سامر" ينكمش، كأنه ينسحب إلى أبعد زاوية في ذاكرتي، تاركاً لي السيطرة الكاملة، لكنها سيطرة مثقلة بالذنب والدم.
التفتُ إلى خالد وصرخت بوجهه: "خالد! اتصل بالإسعاف حالاً! افعل شيئاً مفيداً لمرة واحدة في حياتك!"
تحرك خالد كالممسوس وأمسك بالهاتف. وفي الخارج، بدأت أصوات السرينات تقترب، كانت أضواء الشرطة الزرقاء تملأ جدران الغرفة مجدداً، لكنني هذه المرة لم أهرب.
أمسكتُ يد ياسين وقلت له: "أنا آسف.. أنا آسف على كل شيء."
همس ياسين وهو يغلق عينيه بضعف: "أنا أعرف أنه ليس أنت.. آدم.. قاتل من أجل نفسك.. لا تترك (هو) ينتصر."
اقتحمت الشرطة الشقة.
لم أقاوم. وضعتُ يديّ خلف رأسي والدم يلطخهما.
بينما كان المسعفون يهرعون نحو ياسين، كنتُ أنظر إلى خالد الذي كان ينظر إليّ بحقد ممزوج بالخوف.
قادني الضباط نحو الخارج. وفي الرواق، لمح لمح بصر مرآة معلقة على الحائط.
نظرتُ إليها.. لم أرَ سامر.
رأيتُ آدم، بوجه متعب، وعينين منطفئتين، لكنهما "واضحتا الرؤية" لأول مرة.
"لقد فعلتها يا آدم،" جاء صوت سامر خافتاً جداً، كأنه يغرق.
"لقد هزمتني بالدموع.. وليس بالقوة. لكن الثمن كان غالياً جداً.. أليس كذلك؟"
أغمضتُ عينيّ وأنا أركب سيارة الشرطة، مدركاً أنني الآن لست هارباً من القانون فقط، بل أنا هارب من حطام نفسي التي تسببت في جرح الشخص الوحيد الذي كان يستحق أن يعيش.
Maro lol