الغريب في المرآة

الغريب في المرآة

108 0

لم أنم تلك الليلة.

قضيتُ الساعات المتبقية حتى الفجر جالسًا على طرف السرير، أحدق في هاتفي كأنه قنبلة موقوتة. تلك الرسالة التي أُرسلت لياسين لم تكن مجرد كلمات؛ كانت "إعلان حرب" بصوتٍ ليس صوتي.

أنا "آدم" الهادئ، الذي يعتذر حتى لو داس أحدهم على قدمه، لا يمكنني أن أقول "ستتمنى لو أنك لم تولد".

حاولتُ استرجاع تلك الساعة المفقودة. تذكرتُ الصداع، تذكرتُ البرودة، ثم.. فراغ أسود سحيق. كأن أحدهم أطفأ أنوار عقلي ورحل بالمفاتيح.

مع أول خيوط الشمس، نهضتُ لأغسل وجهي. كنتُ أتجنب النظر في المرآة، أخاف أن أرى ذلك "الشيء" الذي لمحته بالأمس. فتحتُ صنبور الماء البارد، وغمرتُ وجهي فيه لعلّي أستفيق من هذا الكابوس. وعندما رفعتُ رأسي، تجمدتُ مكاني.

على بخار الماء المتصاعد من الجو الدافئ في الحمام، كان هناك إصبع قد رسم "ابتسامة" عريضة ساخرة على زجاج المرآة، وتحتها كتبت كلمات مبعثرة بخطٍ غريب، مائل وحاد:

"أنت ضعيف جداً يا آدم.. لولا وجودي لمزقوك إرباً."

تراجعتُ للخلف حتى اصطدم ظهري بالجدار. صرختُ بأعلى صوتي: "من أنت؟ اخرج من رأسي!".

لكن الصمت كان هو الرد الوحيد. صمتٌ ثقيل يهمس لي بأنني فقدتُ عقلي تماماً.

قررتُ أن أتصل بخالد، الصديق الذي كان يزعم دائماً أنه "سند" لي قبل أن ينسحب تدريجياً.

كنتُ أحتاج لصوت بشري يطمئنني أنني لا زلتُ حياً.

رنّ الهاتف طويلاً.. ثم أجاب بصوتٍ ناعس ومنزعج:

"آدم؟ هل تعرف كم الساعة؟ لم نعد نتحدث منذ شهور، ما الذي تريده الآن؟"

ابتلعتُ غصتي وقلتُ بصوتٍ مرتعش: "خالد.. أنا لستُ بخير، أرجوك، أحتاج للتحدث مع شخص ما.. أشياء غريبة تحدث لي".

ضحك خالد ضحكة جافة، كانت كخنجر في قلبي: "دائماً لستَ بخير يا آدم. دائماً لديك دراما ونوبات قلق. بصراحة، الجميع ابتعدوا لأننا سئمنا من كوننا (أطباءك النفسيين) مجاناً. اعتنِ بنفسك.. وداعاً".

أغلق الخط. شعرتُ حينها أن الأرض تسحبني للأسفل. التخلي ليس مجرد غياب شخص، بل هو شعور بأن قيمتك في نظر العالم "صفر".

عدتُ إلى غرفتي، وفي نوبة غضب يائسة، بدأتُ أفتش في أدراجي، في ملابسي، في كل ركن. كنتُ أبحث عن دليل. ووجدته.

في جيب معطفي الأسود، وجدتُ فاتورة من مطعم فاخر في الطرف الآخر من المدينة، بتاريخ الأمس، الساعة العاشرة مساءً. في ذلك الوقت، كنتُ أظن أنني نائم في سريري أبكي وحدة حالي!

الفاتورة كانت لشخصين.

وبجانب خانة التوقيع، كانت هناك جملة مكتوبة بخط "الظل" نفسه:

"لقد استمتعتُ بالعشاء.. بينما كنتَ أنت تبكي، كنتُ أنا أعيش."

بدأتُ أدرك الحقيقة المرة: أنا لستُ وحيداً في شقتي، ولستُ وحيداً في عقلي. هناك شخص آخر يتقاسم معي جسدي، وهو يكره ضعفي بقدر ما أكره أنا قوته.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بداخلي يعيش وحش

المؤلف Maro lol
2026/04/15 مكتملة
قائمة الفصول (21)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة