مرت ثلاثة أيام منذ أن أغلق "الظل" الباب في وجه "ياسين".
لم يطرق بابي أحد بعدها، ولم يرن هاتفي.
تحولت الشقة إلى زنزانة اختيارية، وكان الصمت فيها ثقيلاً كالكفن.
كنتُ أتجنب المرايا، وأغلق الكاميرا التي اشتريتها؛ فما الفائدة من رؤية عدوي وهو يرتدي وجهي؟
لكن سؤالاً واحداً كان ينخر في عقلي كالسوس: متى بدأ كل هذا؟
إن انقسام الشخصية لا يحدث من فراغ، لابد من "صدع" قديم، زلزال حدث في طفولتي ولم ألتفت لأنقاضه.
توجهتُ إلى خزانة قديمة في زاوية الغرفة، مليئة بصناديق الكرتون التي لم أفتحها منذ وفاة والديّ في حادث السيارة قبل خمس سنوات.
كنتُ أظن أن حزني عليهما هو "الندبة" الوحيدة، لكنني اليوم أبحث عن شيء أقدم.
نبشتُ في الصور القديمة، والشهادات المدرسية، حتى وقعت يدي على "دفتر مذكرات" صغير بغلاف جلدي مهترئ. لم يكن لي، بل كان لوالدتي.
فتحتُ الصفحات بحذر، كانت تكتب عن تفاصيل يومية مملة، حتى وصلتُ إلى صفحات تعود لعامي العاشر.
"اليوم عاد آدم من المدرسة وهو يبكي.. يقول إن زملاءه يرفضون اللعب معه. يقول إنه وجد صديقاً جديداً يسمى (سامر).
سامر قوي، سامر لا يخاف، سامر يخبره كيف يأخذ حقه."
توقفت أنفاسي.
أنا لا أتذكر أي شخص باسم "سامر" في طفولتي.
قلبتُ الصفحات بسرعة والدموع تغشي عينيّ:
"أنا قلقة.. آدم يتحدث مع نفسه في الغرفة لساعات بصوت غريب.
وعندما أسأله، يقول (هذا ليس أنا، هذا سامر هو من يتحدث).
الطبيب يقول إنه مجرد (صديق خيالي) بسبب الوحدة، لكن نظرة آدم.. تلك النظرة الحادة لا تخص طفلاً في العاشرة."
أغلقتُ الدفتر بقوة. "سامر".. هل كان "الظل" موجوداً منذ ذلك الحين؟ هل كان يختبئ في أقبية عقلي طوال عشرين عاماً، ينتظر اللحظة التي يتخلى فيها الجميع عني ليخرج ويقول: "أنا هنا"؟
فجأة، شعرتُ بالبرودة المعتادة.
لكنني هذه المرة لم أقاوم. أردتُ أن أتحدث معه.
وقفتُ أمام المرآة، نظرتُ إلى عينيّ مباشرة، وقلتُ بصوتٍ ثابت: "سامر.. أعرف أنك هناك.
أعرف أنك كنت معي منذ الطفولة. لماذا عدت الآن؟"
تغيرت ملامح وجهي في المرآة ببطء مخيف.
ارتخت عضلات وجهي، ثم انقبضت لتشكل تلك الابتسامة الباردة. لم أعد أرى "آدم" الضعيف.
خرج الصوت من حنجرتي، لكنه كان عميقاً، مشحوناً بسنين من الغيظ:
"عدتُ لأنك فشلت يا آدم.
عدتُ لأنك سمحت لهم بكهرباء روحك وإطفائها متى شاؤوا.
هؤلاء الذين تسميهم (أصدقاء) كانوا ينهشونك وأنت تبتسم. أنا لم أعد.. أنا لم أرحل أصلاً، كنتُ فقط أراقبك تسقط، حتى لم يتبقَّ منك سوى الحطام.. عندها فقط، قررتُ أن أتولى القيادة."
"لكنك تدمر حياتي!" صرختُ في وجه المرآة.
ضحك "سامر" (الظل) من خلال حنجرتي، ضحكة رنت في أرجاء الشقة الفارغة:
"أي حياة؟ تلك التي يقضيها أصحابها في حظرك وتجاهلك؟ أنا لا أدمر حياتك، أنا أبني لك مملكاً من القوة حيث لا يحتاج الملك لأحد.
والآن.. ابقَ هادئاً، فهناك (ضيف) قديم تذكرته لتوّي، وعلينا أن نؤدي له واجب الزيارة."
شعرتُ بغيمة سوداء تطبق على وعيي.
حاولتُ التشبث بالواقع، لكن "سامر" كان أقوى.
آخر ما رأيته قبل أن أغيب تماماً هو يدي وهي تتناول مفاتيح السيارة بسعر مذهل.
استيقظتُ بعد ساعات، لأجد نفسي جالساً في سيارتي أمام مدرسة قديمة مهجورة في أطراف المدينة.
كانت ملابسي ملطخة بالتراب، وفي المقعد المجاور.. كانت هناك حقيبة قديمة لم أراها من قبل، تفوح منها رائحة الورق المحروق.
Maro lol