حقيبة الأسرار

حقيبة الأسرار

96 0

كان هواء الفجر بارداً يلسع وجهي وأنا جالس في السيارة أمام تلك المدرسة المهجورة.

نظرتُ إلى الحقيبة الموضوعة في المقعد المجاور؛ كانت حقيبة جلدية مدرسية قديمة، من النوع الذي كنا نحمله في التسعينيات.

يدي كانت ترتجف وأنا أمدها لفتح السحاب الصدئ.

لم أجد قنابل أو أسلحة، بل وجدتُ ما هو أرعب: وجدتُ "ذاكرة مفقودة".

داخل الحقيبة كانت توجد عشرات الصور الممزقة لزملائي في الفصل الابتدائي، لكن وجوههم جميعاً كانت مشطوبة بحبر أسود غليظ.

ووسط الصور، وجدتُ دفتراً مدرسياً صغيراً، فتحته لأجد اسمي مكتوباً عليه بخط طفل: "آدم مصطفى".

لكن تحت اسمي، كان هناك توقيع آخر بخط كبير وواثق: "ملك الغابة.. سامر".

بدأتُ أقرأ الكلمات المكتوبة داخل الدفتر. لم تكن مذكرات طفل، كانت "قائمة انتقام".

أسماء معلمين، أسماء أطفال.. وبجانب كل اسم، علامة (صح) كبيرة.

تذكرتُ فجأة حادثة وقعت في الصف الخامس؛ حريق صغير نشب في غرفة المدرسين أدى إلى إلغاء الامتحانات.

في ذلك الوقت، قيل إنه ماس كهربائي، لكن الدفتر كان يقول شيئاً آخر: "اليوم أحرقتُ أوراقهم لأنهم أبكوا آدم.. سامر فعلها."

تصبب العرق من جبيني.

"سامر" لم يكن يحميني فقط، كان يرتكب الجرائم باسمي منذ أن كنت طفلاً!

فجأة، رن هاتفي. لم يكن "ياسين" ولا "خالد". كان رقماً غريباً.

أجبتُ بصوتٍ مبحوح: "أهلاً؟"

جاءني صوت امرأة عجوز، يرتجف بالخوف والدهشة: "آدم؟ هل هذا أنت يا بني؟

لقد مر وقت طويل.. لماذا اتصلت بي في وقت متأخر من الليل ولم تتحدث؟ ولماذا تركت لي هذه الرسالة الغريبة على الباب؟"

عرفتُ الصوت.. إنها "الست نادية"، جارتنا القديمة في منزل طفولتنا.

"أي رسالة يا خالة نادية؟ أنا لم أزركِ منذ سنوات!"

ردت بصوت مهتز: "الرسالة التي تقول إن (سامر عاد لينهي ما بدأه في القبو).. يا بني، لقد ظننت أنك تعالجت من تلك التخيلات بعد وفاة والديك. ما الذي تفعله؟"

أغلقتُ الخط دون رد. القبو؟ بيتنا القديم؟

شعرتُ بالصداع يهاجمني مجدداً. كان "سامر" يضغط على أعصابي بقوة. "توقف!" صرختُ في الفراغ.

"ماذا تريد من المرأة العجوز؟ وماذا يوجد في ذلك القبو؟"

خرج صوت "سامر" هذه المرة هادئاً، بارداً، وواثقاً بشكل مخيف:

"هناك يا آدم.. حيث حشرونا في الظلام لأنهم خافوا منا.

هناك سأريك لماذا تخلوا عنك جميعاً. أصدقاؤك لم يرحلوا لأنك (ممل) أو (حزين) كما تظن.. لقد رحلوا لأنهم رأوني مرة واحدة، ولم يجرؤ أحد منهم على العودة."

تجمدت الدماء في عروقي. هل هذا يعني أن نوبات غيابي عن الوعي كانت تحدث أمامهما؟ هل رأوا "الوحش" يسكنني فهربوا؟

قاد "سامر" جسدي (أو قدتُه أنا، لم أعد أعرف الفرق) نحو منزلنا القديم. كان بيتاً قديماً يكسوه الغبار والنسيان.

نزلتُ من السيارة، وتوجهتُ نحو الباب الخشبي الذي كانت ألوانه قد بهتت. كان المفتاح تحت السجادة المهترئة.. كما هو منذ سنوات.

فتحتُ الباب، وكانت رائحة الماضي الخانقة تستقبلني. توجهتُ مباشرة نحو باب القبو في نهاية الرواق.

كان الباب مقفلاً بسلسلة حديدية لم أذكر وجودها من قبل.

"افتحه يا آدم.." همس سامر في أذني.

"افتحه لتعرف أنك لست الضحية الوحيدة هنا.. أنا أيضاً ضحية ضعفك."

كسرتُ القفل بحجر كبير، ونزلتُ درجات السلم المظلمة. وعندما أشعلتُ كشاف هاتفي، سقطتُ أرضاً من هول ما رأيت.

في زاوية القبو، كانت هناك مرآة كبيرة جداً، مغطاة بكلمات مكتوبة بالدم (أو طلاء أحمر جاف):

"الغرفة تتسع لواحد فقط.. إما أنا.. أو هو."

وحول المرآة، كانت هناك صور لياسين وخالد وسارة.. ملصقة بمسامير، وعلى كل صورة منها، مكتوب تاريخ "التخلي".

لقد كان سامر يخطط لعزلي منذ سنوات، كان يقطع خيوطي مع العالم واحداً تلو الآخر، ليجبرني على البقاء معه هنا.. في الظلام

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بداخلي يعيش وحش

المؤلف Maro lol
2026/04/15 مكتملة
قائمة الفصول (21)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة