محاولة الخلاص

محاولة الخلاص

120 0

خرجتُ من القبو وأنا أترنح، كانت الصور المعلقة والمسامير المنغرزة في وجوه أصدقائي تطارد مخيلتي.

لم يكن "سامر" مجرد رد فعل لرحيلهم، بل كان هو "السبب" في رحيلهم.

لقد عزلني عن العالم بدم بارد، ثم جعلني أصدق أنني ضحية لوحدتي.

"يجب أن يتوقف هذا.. الآن"، همستُ لنفسي والشرر يتطاير من عينيّ.

في صباح اليوم التالي، لم أتوجه إلى العمل، بل ذهبتُ إلى حي بعيد لا يعرفني فيه أحد.

بحثتُ عن لافتة طبيب نفسي لا تربطه بي أي صلة قرابة أو معرفة. وجدتُ عيادة الدكتور "عادل"؛ رجل وقور، بشعر أبيض ونظرة ثاقبة توحي بالخبرة.

جلستُ على المقعد الجلدي، وكانت يداي ترتجفان.

قصصتُ عليه كل شيء: الفراغات الزمنية، الرسائل، السيجارة، والرسائل على المرآة.

لم أقُل اسم "سامر" في البداية، كنتُ أخشى أن يظهر في تلك اللحظة.

أصغى الدكتور عادل بهدوء، ثم قال بصوت رزين: "آدم، ما تصفه هو حالة كلاسيكية لاضطراب الهوية الانفصامي (DID).

عقلك خلق شخصية أخرى لتحمل الألم الذي لا تستطيع أنت تحمله. لكن هذه الشخصية لا تملك جسداً منفصلاً، هي أنت.. وجزء من إرادتك المدفونة."

"لكنه يهددني! إنه يدمر أصدقائي!" صرختُ بيأس.

أخرج الدكتور ورقة وقلمًا وقال: "سنبدأ بالعلاج الدوائي لتقليل التوتر، وسأحاول في الجلسات القادمة التواصل مع (سامر).

أريدك أن تبدأ بكتابة مذكرات يومية، لكن ليس عما تفعله، بل عما تشعر به تجاهه."

خرجتُ من العيادة وبيدي وصفة طبية لمجموعة من المهدئات ومضادات الذهان.

شعرتُ لأول مرة منذ أسابيع ببصيص أمل.

اشتريتُ الأدوية، وعدتُ للمنزل، وتناولتُ أول جرعة.

شعرتُ برغبة شديدة في النوم، وكأن غيوم الصداع بدأت تتلاشى.

لكن الأمل لم يدم طويلاً.

استيقظتُ في منتصف الليل على صوت تحطم زجاج. كانت الشقة غارقة في الظلام، ورائحة غريبة تملأ المكان.. رائحة "بنزين".

هرعتُ إلى الصالون، ووجدتُ التلفاز يعمل بصوتٍ عالٍ جداً، كان يعرض شريطاً مسجلاً من كاميرا المراقبة التي وضعتها سابقاً. لكن المشهد كان جديداً.

رأيتُ نفسي (سامر) وأنا أمسك بزجاجات الدواء التي اشتريتها اليوم، كنتُ أفرغها في المرحاض واحدة تلو الأخرى وأنا أضحك بهستيريا.

ثم نظرتُ إلى الكاميرا وقلتُ ببرود:

"هل ظننتَ حقاً أن بضع حبات من الكيماويات ستجعلني أختفي؟ أنا لستُ مرضاً يا آدم.. أنا الحقيقة التي ترفض أنت مواجهتها."

توقف الفيديو، وفجأة، أضاءت شاشة هاتفي. كانت هناك رسالة من "سارة"؛ الصديقة التي لم تحدثني منذ شهور.

كانت الرسالة مرعبة:

"آدم، أرجوك توقف! أنا أمام باب منزلك، لماذا أرسلت لي أنك ستنتحر؟ لماذا الشقة تفوح منها رائحة البنزين؟ افتح الباب!"

تسمرتُ في مكاني. لم أرسل شيئاً!

نظرتُ إلى يدي، كانت ملطخة بالبنزين، وفي يدي الأخرى.. كانت هناك "قداحة" (ولاعة) مشتعلة.

"سامر.. لا تفعلها!" صرختُ والدموع تنهمر.

جاءني صوته من كل ركن في الغرفة، كأنه يهمس في أذني مباشرة:

"سارة تخلت عنك يا آدم.. والآن جاءت لتلعب دور البطولة في جنازتك. دعنا ننهي المسرحية معاً.. لن يفرقنا أحد بعد اليوم."

بدأ "سامر" يسيطر على يدي، كانت القداحة تقترب من السجادة المبللة بالبنزين، بينما كانت طرقات سارة على الباب تزداد ذعراً.

كنتُ أخوض أعنف معركة في حياتي داخل جسدي الواحد، أحاول منع إصبعي من الضغط على الزناد الصغير الذي سيحرق كل شيء

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بداخلي يعيش وحش

المؤلف Maro lol
2026/04/15 مكتملة
قائمة الفصول (21)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة