ركضتُ في الأزقة الضيقة والظلام يبتلعني.
كانت أضواء الشرطة الزرقاء والحمراء تنعكس على جدران البيوت القديمة، وصوت الصافرات يمزق سكون الليل. لم أكن أركض بقدمي فقط، كنت أركض من "نفسي".
"إلى أين نذهب؟" سألتُ سامر في عقلي، وكنت لأول مرة أشعر بالرعب من فكرة أن يُقبض عليّ وأُرمى في زنزانة باردة، حيث لا يوجد سوى أنا وهو.. للأبد.
"إلى حيث بدأ كل شيء يا آدم،" جاء صوته هادئاً بشكل مستفز، كأنه يستمتع بهذه اللعبة.
"إلى البيت القديم.. إلى القبو. هناك فقط نملك الأرض، وهناك فقط سيفهمون أننا لسنا فريسة سهلة."
"لكنهم سيبحثون هناك أولاً!" صرختُ وأنا أتوارى خلف حاوية قمامة كبيرة لألتقط أنفاسي.
"دعهم يبحثون. الغابة تعرف وحشها، والبيت يعرف من سكنه في الظلام لعشرين عاماً.
ثق بي.. هذه المرة، لن نسمح لأحد بالتخلي عنا، لأننا سنكون نحن من يغلق الباب."
تحركتُ كظلال عابرة، مستخدماً طرقاً خلفية لا يعرفها سوى من قضى طفولته يهرب من أقرانه.
وعندما وصلتُ إلى البيت القديم، كان يبدو في عينيّ كأنه "وحش حجري" ينتظر عودة ابنه الضال.
تسللتُ من النافذة المكسورة في الخلف، ونزلتُ إلى القبو.
كانت رائحة العفن والغبار كما هي، والمرآة الكبيرة المغطاة بالكلمات الحمراء لا تزال تتوسط المكان.
جلستُ على الأرض الباردة، وكان جسدي يرتجف من التعب والجوع.
فجأة، أضاءت شاشة هاتفي الذي كان في جيب معطفي. رسالة من "ياسين":
"آدم، أنا أعرف أنك تسمعني.
خالد أخبرني بكل شيء.. عن السطح، وعن المشرط. أرجوك يا آدم، لا تزد الأمر سوءاً.
سلم نفسك، وسأكون معك، أقسم لك أنني لن أتركك هذه المرة."
ضحك سامر داخل رأسي، ضحكة رنت في فضاء القبو الموحش:
"أرأيت؟ يعودون دائماً بالوعود عندما يشتد الخناق.
(أقسم لك).. كلمة رخيصة تقال لتسكين الضمير.
هل ستصدقه مجدداً؟ هل ستنتظر حتى يضعوا الأصفاد في يدك ثم يرحل هو لينام في سريره الدافئ؟"
نظرتُ إلى المرآة. لم أرَ وجهي، رأيتُ ملامح سامر تتشكل فوق ملامحي بوضوح لم أره من قبل.
بدت عيناه وكأنهما تخرج زجاج المرآة.
"ماذا سنفعل الآن؟" سألتُ بيأس.
"سننهي الانقسام،" قال سامر بصوتٍ عميق.
"القبو يتسع لشخص واحد فقط.
إما أن تموت أنت وتترك لي الجسد لأعيش به بقوة، أو أقتلك وأقتل نفسي معك.
لكن العيش هكذا.. نصف إنسان ونصف وحش.. هذا هو الجحيم الحقيقي."
سمعتُ صوت سيارات تتوقف أمام البيت.
أصوات أقدام ثقيلة فوق الخشب المهترئ في الطابق العلوي. صرخ صوت أعرفه جيداً: "آدم! نحن نعرف أنك هنا! اخرج وهاتفك معك!"
كان صوت ياسين، ومعه رجال الشرطة.
أمسك سامر بقطعة زجاج مكسورة من الأرض، ونظر إلى المرآة.
"حان الوقت لنقرر يا آدم.. هل أنت مستعد لرؤية الوجه الحقيقي خلف القناع؟"
بدأ سامر يقرب الزجاجة من معصمي، بينما كانت أنوار الكشافات القوية تخترق شقوق القبو، وصوت الخطوات يقترب من باب السلم
Maro lol