رائحة المستشفيات لها طابع محايد، لا هي موت ولا هي حياة، مجرد برزخ من المعقمات والأرضيات اللامعة.
استيقظتُ وأنا مقيد اليدين بأسورة بلاستيكية بجلدة السرير. لم تكن قيوداً إجرامية، بل كانت "طبية" لمنعي من إيذاء نفسي مرة أخرى.
نظرتُ إلى السقف الأبيض.
شعرتُ بفراغ غريب في رأسي، كأن الضجيج الذي كان يسكن جمجمتي قد خمد قليلاً بفعل الأدوية القوية التي تضخ في وريدي.
"هل رحل؟" همستُ لنفسي.
فتح الباب ببطء. كان الطبيب "عادل" هو من دخل، وبجانبه "ياسين".
بدت على ياسين ملامح الإرهاق، كان قميصه لا يزال يحمل بقعاً سوداء من آثار حريق شقتي.
"آدم، حمد لله على سلامتك،" قال الدكتور عادل بنبرة هادئة. "لقد نجوت بمعجزة. لولا تدخل أصدقائك في الوقت المناسب، لكانت القصة انتهت بشكل مأساوي."
نظرتُ إلى ياسين بأسف، حاولتُ الكلام لكن حلقي كان جافاً كأنني بلعتُ جمراً.
سارع ياسين بتقديم كوب ماء لي، ثم قال بصوت منخفض: "لا تتحدث يا آدم.
نحن من نعتذر. لقد وجد الدكتور عادل مذكراتك وأشرطة الكاميرا التي كنت تسجلها.. لقد فهمنا الآن أنك كنت تخوض حرباً لا نعرف عنها شيئاً."
في تلك اللحظة، شعرتُ براحة لم أشعر بها منذ سنوات. الاعتراف. أن يصدقك أحد بأنك لست "شريراً"، بل "منقسماً".
بقي ياسين معي بعد رحيل الطبيب.
ساد صمت طويل، ثم قال: "آدم، سارة وخالد بالخارج، لكنهم خائفون من الدخول.
ليس منك، بل من (ذلك الآخر). الرسائل التي أرسلها كانت دقيقة جداً، لقد نبش في أسرارنا القديمة، أشياء لم نكن نعرف أنك تعرفها."
تجمدتُ مكاني. "أنا لا أعرفها يا ياسين! أقسم لك أنني لا أعرف ما الذي يملكه عنكم!"
ابتسم ياسين ابتسامة مريرة: "هذا هو المخيف في الأمر.
(سامر) يبدو وكأنه يتغذى على كل لحظة ضعف نمر بها بجانبك، يجمع المعلومات كأنه ملف استخباراتي.
لقد أخبر سارة عن مكان الرسائل التي أخفتها عن والدها، وأخبرني عن.." سكت ياسين قليلاً ثم تابع: "المهم الآن هو علاجك."
عندما غادر ياسين، بقيتُ وحدي. أغمضتُ عينيّ محاولاً استجماع قوتي، لكن فجأة، شعرتُ بحكة في كف يدي المقيدة. نظرتُ إليها، ولم أصدق ما رأيت.
على الجلد الأبيض لمعصمي، وبفعل أظافري التي يبدو أنها تحركت أثناء نومي، كانت هناك خدوش دقيقة تشكل كلمات:
"هل صدقتَهم؟"
بدأ نبضي يتسارع.
كان "سامر" يكتب على جسدي من الداخل.
"لقد عادوا لأنهم يشعرون بالذنب فقط.. غداً سيملّون من زيارة المشفى، وسيعودون لحياتهم الملونة، ويتركونك هنا في غرفتك البيضاء."
حاولتُ الصراخ، لكنني تذكرتُ كلام الطبيب: "سامر هو جزء من إرادتك المدفونة".
استجمعتُ شجاعتي وهمستُ في سري: "أنت كاذب يا سامر. أنت من أبعدهم عني لتستفرد بي.
أنت لست حامياً، أنت سجان."
ضحكة خافتة رنت في أذني، لم تكن ضحكة جنون هذه المرة، بل كانت ضحكة ثقة:
"حسناً يا آدم.. لنجرِ اختباراً صغيراً.
سأصمتُ تماماً لمدة أسبوع.
سأتركك لهم، ولنشاهد كم من الوقت سيصمد (وفاؤهم) المزعوم أمام كآبتك وأدويتك التي تجعلك كالجثة الهامدة."
اختفى الصداع تماماً. شعرتُ بوحدة حقيقية هذه المرة. "سامر" انسحب طواعية ليثبت لي وجهة نظره.
مر اليوم الأول، الثاني، الثالث.. كان الأصدقاء يأتون بانتظام. لكن في اليوم الرابع، اعتذرت سارة.
في اليوم الخامس، تأخر خالد ساعتين ثم رحل بسرعة.
في اليوم السادس، جاء ياسين وهو ينظر إلى ساعته كل خمس دقائق.
بدأ الشك يتسلل إليّ. هل كان "سامر" محقاً؟ هل أنا
مجرد "مشروع شفقة" سينتهي مفعوله قريباً؟
وفي ليلة اليوم السابع، لم يأتِ أحد. بقيتُ وحيداً مع ممرضة تدخل لتضع المحلول وتخرج بصمت.
نظرتُ إلى المرآة الصغيرة المعلقة فوق المغسلة في زاوية الغرفة.
لم تكن هناك ابتسامة ساخرة، بل كان وجهي "آدم" فقط.. وحيداً تماماً.
تمنيتُ في تلك اللحظة لو أسمع صوت "سامر".. الوحدة مع وحش أعرفه، بدت فجأة أقل رعباً من الوحدة مع فراغ لا يعرفني فيه أحد
Maro lol