النهاية

النهاية

15 0

مرت أربع سنوات

أربع سنوات وأنا أعيش بين الأطلال، لا أنتمي لليل ولا للنهار، وكأن الزمن تجمد في تلك اللحظة التي انهار فيها كل شيء

في هذه الليلة، كما في كثير من الليالي، جلست على أرض الغرفة، ظهري مستند للحائط البارد، والسيجارة بين أصابعي ترتعش معي

أدخل الحشيش إلى رئتي ببطء، ليس لأني أبحث عن النشوة، بل لأنني أحتاج أن أختنق كي أشعر أنني ما زلت أملك شيئا أستطيع التحكّم به... حتى لو كان احتضاري

الدخان يملأ الغرفة، يتراقص في الهواء كأشباح الماضي، وأنا أحدق في لورينزو

لورينزو الذي عرفته صاخبا، متمردا، عنيدا، صار اليوم جالسا على كرسي متحرك، جسده مشلول من الخصر للأسفل، لا يقوى حتى على الإمساك بكأس الماء وحده

وجهه تغير، ملامحه هدأت، أو ربما ماتت فيه تلك النار التي كانت تحرق عينيه دوما

لكنه لا يزال ينظر إلي بذات الطريقة

بطريقة تخيفني... لأنني لا أستحقها

لأنه لا يعرف أنني انتهيت من الداخل منذ زمن

أتذكر عندما جاء أبي إلى البرازيل، حين ظهر فجأة في حياتي كمن يركض من شبح يطارده

وقتها لم أفهم... لم أعرف لم قرر أن يعود بعد كل تلك السنوات، لم اختار أن يدخل حياتي من جديد

لكن الحقيقة ظهرت

كل شيء كان كذبة

لم يكن يبحث عني، لم يكن يريد أن يعوضني عن غيابه

كان فقط يهرب من الشرطة

هرب من المكسيك لأنه تورط في أعمال قذرة... تهريب، قتل، تجارة بشر، أشياء كنت أظنها قصصا تحكى في المسلسلات فقط

لكنها كانت حياتي... كانت واقعي... وكان هو أبي

أدخل نفسا آخر من السيجارة، أغمض عيني، وأتمنى لو أن هذا الدخان يأخذني معه، يسرقني إلى مكان لا ذاكرة فيه

لكني دائمًا أعود...أعود إلى تلك الذكرى... إلى ذلك الوجه

إيدن

لم أعد أذكر صوته بوضوح، لكنني أذكر دفء يديه حين أمسك بي في المرة الأخيرة

أذكر نظرته قبل أن يسقط

كان يخاف علي أكثر من خوفه على نفسه.... كان مستعدا ليموت من أجلي

تذكرت عندما قال لي اتمنى ان اموت مع زوجتي

ومات فعلا

مات كي أبقى، وأنا بقيت كي أموت ببطء

لا أحد يعرف الحقيقة كاملة

لا أحد يعرف أنني لم أعد أنجل التي كانوا يعرفونها.... حتى لورينزو لا يعلم

بعد تعرفي على ايدن توقفت عن تعاطي المخدرات... و لكنني عدت مكتئبة و مدمنة اكثر مما كنت عليه

كل صباح أستيقظ ولا أرغب بالحياة، وكل ليلة أختنق دون أن يراني أحد

أنا مجرد ظل...

ظل يمشي، يضحك أحيانا، يتحدث كأن كل شيء طبيعي، بينما داخله خراب لا يوصف

لورينزو ما زال ينظر إلي

أشعر بنظراته تخترقني، كأنه يحاول أن يفهم ما الذي يدور في رأسي

لكن لا شيء يدور سوى الصمت.... صمت ثقيل كالموت

صمت كنت أهرب منه، حتى أدمنته

أسندت رأسي على الحائط، أطلقت زفرة طويلة، وتركت السيجارة تحترق بين أصابعي حتى وصلت لجلدي

لم أتحرك

الألم الجسدي لم يعد يخيفني، بل صار الشيء الوحيد الذي يثبت أنني ما زلت موجودة... ولو قليلا

كانت الأيام بعد موت إيدن ضبابية... كأنني كنت أمشي وسط دخان كثيف لا أرى فيه شيئا

كل شيء تغير، كل شيء تلاشى... حتى نيفيان

أولا بدأت لقاءاتنا تقل...لم أعد أراه كثيرا، ولا أسمع صوته مثل السابق

كان يغيب بالأيام، ثم يعود بنظرة غريبة، نظرة فيها حزن ما، أو ربما خيبة

كنت أعرف أن فقدان إيدن دمر جزءا منه، لكنه لم يكن مثلنا

كان دائما يكبت كل شيء داخله، لا يبوح، لا يصرخ، فقط ينسحب بصمت

وفي يوم ما... توقف عن القدوم.... واختفى

مرت شهور دون أن أسمع عنه شيئا

ثم ذات مساء، سمعت أحدهم يقول إنه أصبح شرطيا

ضحكت بمرارة

شرطي؟

أجل، كما كان إيدن يتمنى دوما

كثيرا ما قال له

" انني ادرس في جامعة لأصبح شرطيا كوالدي... و ارجوا الا اموت ايلا و انا شرطي"

ويبدو أن نيفيان قرر يحقق له الحلم

ما زلت أذكر اليوم اللي سمعت فيه إنه حصل على أعلى معدل في دفعته، وإنه كان يستطيع ان يختار أي مسار مهني، أي مستقبل يحبه...

لكنه اختار أن يصير ظلا لأخيه، أن يسير على خطاه، حتى لو كانت الطريق مؤلمة

ربما كانت تلك طريقته في الحداد

وربما... كان ذلك وعدا قطعه في قلبه

لا أدري إن كان نيفيان لا يزال يذكرني، أو إن كنت مجرد صفحة طويت من حياته

لكنه يعيش

أما أنا، فما زلت عالقة في لحظة موته

أحاول أن أتصرف كأن كل شيء على ما يرام،

لكن الحقيقة أنني فقدت كل شيء دفعة واحدة...

إيدن، نفسي، وحتى نيفيان

الحياة تمضي، كما يقولون

لكنهم لا يخبرونك أنها تمضي فوق جسدك، تطحنك تحت عجلاتها، وتتركك ممددا في زاوية، تتنفس بصعوبة، وتدّعي أنك بخير

كل واحد منا اختار حدادا خاصا به

لورينزو... أخي، وصديق إيدن الأقرب، رفيقه في المراهقة، من كانا لا يفترقان أبدا

كان أكثرنا ضحكا، أكثرنا حياة، يملأ البيت بصوته ونكاته الصاخبة، يوقظنا كل صباح بضحكة مجنونة أو قصة مختلقة لا تنتهي

لكن بعد إيدن...اختفى كل شيء... كأن شخصًا آخر يسكن جسده

لازلت اتذكر اليوم الذي فتح عينيه في المستشفى و هو يعود من الموت لينصدم بوفاة صديقه

ظننا أن لورينزو سيموت و ايدن هو الحي ... فمات أيدن وعاش هو

لم يعد يتحدث كثيرا، وإن تكلم، قال كلمات مقتضبة كأنها ثقيلة عليه

يجلس على كرسيه المتحرك ويحدق في الفراغ ، يضع السماعات في أذنيه لكنه لا يشغل شيئا، كأن صمته موسيقى لا يسمعها سواه

أحيانا أراه يبكي بصمت ، يرفع يده المرتجفة ليمسح دمعة هربت منه، ثم يبتسم بسخرية كأنها نكتة لا يفهمها سواه

أفالونا... أختي الصغيرة منذ ذلك اليوم... أصبحت تهلع من الأصوات المفاجئة، تصحو في الليل وهي تصرخ، ترتجف إذا تأخرنا عن العودة إلى المنزل ولو لدقائق، كأنها تخشى أن نفقد كما فقدناه

قال الطبيب إن لديها أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، لكننا نعلم جميعا أن الصدمة لم تكن حادثة معينة، بل كانت تلك الخسارة الثقيلة التي غيرت شكلنا جميعا

أختي الكبرى، لم تحتمل، هربت من كل شيء، من الذكريات، من البيت، منا

تزوجت بعد أشهر فقط، ثم سافرت مع زوجها إلى ألبانيا.

لا تتحدث معنا كثيرا

ولا تذكر احداث التي وقعت ابدا... كأنها تمحو وجودها من حياتها

أظن أن حدادها كان النسيان.

أمي...

هي أكثرنا تأثرا، رغم محاولاتها المستميتة في إخفاء ذلك

تبدو قوية أمامنا، تبتسم، تطهو الطعام، تنظف البيت،

لكنني أسمع بكاءها أحيانا من خلف الباب المغلق،

حين تنظف صور عائلتنا أو تنظر إلى كرسي لورينزو،

كأنها ترى فيهما مأساة و هي ترى تفكك عائلتها

لم تقل شيئا، لم تنهر، لم تصرخ، لكن دموعها تقول كل شيء

أما نيفيان... لا اعرف نفسيته

والده ايدن ... آخر من رآه كان في يوم جنازته

ومنذ ذلك اليوم، لم يره أحد

لم يتصل، لم يزر، لم يسأل.... كأنه اختفى مع ابنه، كأن موته التهمه هو أيضا

أما أنا...

فأجلس هنا، في هذه الغرفة المعتمة،

أستنشق دخان الحشيش، لا لأنه يسكرني، بل لأنه ينسيني

أنظر الى السقف و اتساءل

هل سنعود يوما كما كنا؟

هل يمكن للزمن أن يرممنا؟

أم أن ما فقدناه... كان آخر ما تبقى منا؟

وقعت عيناي على الكتاب ما زال على المكتب، لم أزحه من مكانه منذ أشهر

الغلاف مغطى بطبقة خفيفة من الغبار، لكنني لم أجرؤ على مسحه...

كأن لمسة واحدة قد تفتح كل ما حاولت إغلاقه داخلي

هذا الكتاب ليس مجرد أوراق، إنه حياتي، بكل ما فيها من تشوهات وندوب

هو جزء من مذكراتي التي نشرتها، عن كل ما مررت به، عن أيدن، عن نيفيان، عني أنا... وعننا جميعا

كتبت فيه عن الليالي التي بكيت فيها حتى الصباح، عن الأيام التي ظننت فيها أنني لن أعيش للغد

عن ذلك الشعور الثقيل حين مات أيدن... حين توقف العالم فجأة، وبقيت أنا واقفة وسط الصمت، أبحث عن نفس

أيدن... كان كل شيء. أخي، سندي، روحي... وموته كسر في داخلي جزء ما عمره ترمم

نيفيان؟

لم أعد أراه بعد موت أيدن. في البداية كان يمر بين حين وآخر، لكن شيئا فشيئا، اختفى من حياتي

ربما كان ذلك طريقه للحزن... أو للوفاء

أنظر إلى الكتاب... وأتذكر كل حرف كتبته.... كل وجع حكيته، كل لحظة صدق حاولت الإمساك بها

ربما كان هذا الكتاب طريقتي في النجاة... أو طريقتي في البوح

لكن مهما فعلت، يبقى أيدن هو الفقد الأول، والجرح الذي لم يلتئم

مات هو... وعاش لورينزو

مات الحي... وعاش الذي كنا نظن أنه سيموت

نشرت الكتاب وضعت فيه كل ما عشته،

وجعي، ذاكرتي، خيباتي، وكل الأسماء الأشخاص الذين مروا في حياتي وتركوا أثرا لا يمحى و كانوا جزءا من قلبي وعن تلك الفتاة التي كنتها ذات زمن

لم أترك شيئا، حتى اللحظات التي تمنيت أن أنساها، كتبتها كما هي... دون تزوير او تبرير

لم يكن سهلا أن أفتح أبواب الحكاية بهذا الشكل، أن أعري نفسي أمام العالم، أن أُخرج ما حاولت دفنه بداخلي

لكني فعلت...واليوم، النسخ مطبوعة، موزعة، وموجودة على رفوف المكتبات

البعض قرأه، والبعض بكى، والبعض اكتفى بالصمت بعد آخر صفحة

لكنني خائفة

بعد أسبوع فقط، يُفترض أن أكون هناك، في معرض الكتاب...أقف امام ناس لا اعرفهم... لأوقع نسخًا من هذا العمل الذي كتبته بدمعي...في تلك الصفحات التي سكبت فيها روحي و اخذت عمرا كاملا لأعرف ما اكتبه في تلك الايام القليلة

الجميع ينتظرني، يتواصلون مع دار النشر، يرسلون أسئلتهم، يتحمسون... وأنا؟ أنا أرتجف

لا أعلم إن كنت أمتلك الشجاعة للوقوف أمامهم، لأبتسم وكأنني لم أكتب عن موت إيدن، عن انهيار عائلتي، عن حزني الذي ما زال يرافقني كظل

أتردد كثيرا في الحضور.... جزء مني يريد الاختباء، يريد أن يهرب من نظرات الناس وأسئلتهم... وجزء آخر يقول إن علي أن أواجه، أن أقف هناك بشجاعتي، حتى وإن كانت خافتة

لا أعلم بعد ماذا سأفعل... لكنني أعلم أن هذا الكتاب هو اعترافي الصادق الأول

و اعترافي لأيدن انني احبه... رغم انه لم يسمعها و هو حي

✧✦✦✦✦✦✦✦✦✧

مر الأسبوع... وأنا هنا، في دار النشر، أجلس في غرفة صغيرة خلف الستار، أتنفس ببطء، أراقب أناملي المرتجفة وهي تعبث بغطاء فنجان القهوة البارد

تغيرت كثيرا... حتى القهوة التي لطالما كرهتها لم ادرك كيف اصبح احتسيها

ما زلت أرتدي معطفي وكأنني لا أنوي البقاء طويلا، أو كأنني جاهزة للهرب في أية لحظة

خارج هذه الغرفة، هناك طابور من القراء، يحملون بين أيديهم نسخا من كتابي...

وجوههم غير مألوفة، لكن ملامحهم تنبض بحياة حقيقية

هل يشعرون بما شعرت به وأنا أكتب؟

هل وصلهم الألم كما كان؟

أم أنهم فقط مفتونون بالحكاية، لا بمن نزفها؟

المحررة تنتظر إشارتي.... تبتسم لي كأنها تحاول طمأنتي، وتقول

كل شيء سيكون بخير، أنجل

أومئ برأسي، لكن صوتها يتلاشى أمام ضجيج داخلي يعيدني لكل صفحة كتبتها، لكل جرح نزفته فوق السطور

في الزاوية المقابلة، وضع مجسم كبير لغلاف الكتاب، صورتي مطبوعة عليه بلقطة عفوية قديمة... في عينيها تلك النظرة التي فقدتها منذ سنوات

أسمع تصفيقا خافتا من القاعة المجاورة.... يبدو أن المنصة أصبحت جاهزة

أسمع اسمي ينادى بصوت المذيعة

"الكاتبة أنجل فالكوني، صاحبة المذكرات التي هزت القلوب، ستكون معنا الآن"

أقوم ببطء. خطواتي الأولى ثقيلة، كأن الأرض تقاومني... ولكنني أتحرك

أقترب من الستار، أنظر من خلال الفتحة الصغيرة، أرى طاولة التوقيع، المقاعد الممتلئة، وأشخاصا يحملون وردا وعيونا لامعة بالتوقعات

أتذكر إيدن في هذه اللحظة... كان ليقف بجانبي لو كان هنا، كان ليربت على كتفي ويقول

"فخورة بيك"

ثم أتنفس، وأتقدم

لم أعد تلك الفتاة التي كانت تخشى كل شيء

حتى إن كنت لا زلت خائفة، فها أنا ذا... واقفة

أخطو نحو المنصة، قدماي تثقلان كأنني لا أملكهما، ولكنني أستمر

أرفع رأسي، وأشعر بأن عيون الجميع تلاحقني، أسمع همساتهم، الكلمات غير المعلنة التي تتراقص في الجو

أنظر إلى الطاولة أمامي، حيث وضعت مجموعة من الكتب، مغطاة بالألوان الداكنة التي لطالما كانت مصدر حزني، وأدرك أن هذا الكتاب هو كل شيء بالنسبة لي، هو جسر يعبر بي من عالم الندم إلى عالم جديد، عالم لم أكن لأتصوره لو لم أكن مضطرة لإعادة بناء نفسي من الحطام

أجلس أمام الطاولة، وألتقط أول نسخة من الكتاب

أوراقه ملساء بين يدي، ولكن قلبها ثقيل، كما لو كانت تحمل تاريخا لم يكن ليكون إلا بوجودنا جميعا، نحن الذين مررنا بالألم، بالحب، بالخسارة

أرفع عيني عن الكتاب وأبحث في الوجوه التي أمامي

بعضها مألوف، والبعض الآخر غريب، لكنني أستطيع أن أرى في عيونهم شيء ما...

سؤال، فضول، انتباه عميق

كأنهم ينتظرون مني شيئا أكبر من مجرد توقيع

ربما هم ينتظرون تفسيري، تفسير الألم الذي عشت، تفسير العلاقة التي كانت بيني وبينهم، وخاصة بيني وبين إيدن

هل يظنون أنني سأجد إجابة؟

أو أنني ما زلت أبحث عنها؟

أبدأ بالتوقيع على الكتاب الأول، وكلما رفعت يدي لأوقع، أرى صورة إيدن تطفو أمامي

ابتسامته، عينيه، كما لو أنه يراقبني الآن

هل كان يعتقد أنني سأصل إلى هنا؟

أنني سأكون قادرة على أن أكتب كل شيء عنهم، عن علاقتنا، عننا جميعا؟

ربما لو كان حيا لكان إلى جانبي الآن، يسحبني بقوة لأواجه هذا العالم

أعطي الكتاب للمشجعين الذين يصطفون، ابتسامة عابرة على وجهي وأنا أوقع لهم وأقول كلمات لا معنى لها

لكن في داخلي، كنت أتحدث مع نفسي فقط، أتحدث عن الماضي، عن الحزن الذي كنا فيه جميعا، عن كيف أن كل واحد منا، من دون استثناء، اختار طريقه في الحداد، وتقبل الحقيقة بطريقته الخاصة

الوقت يمضي، وكلما وقع توقيعي على الكتاب، شعرت بثقل أقل

ربما لم أنته من هذا الألم تماما، لكنني أبدأ في تركه هنا، في هذا المعرض، مع كل كلمة كتبتها، مع كل حرف سطرته

ربما هذه هي البداية الحقيقية للشفاء

وعندما اقتربت من آخر شخص في الطابور، وضع احد امامي كتاب اخر

رفعت عيني وأنا أبتسم للمعجب الذي قدم لي كتابه، ولكن عندما تلتقي نظراتي بنظراته، توقف الزمن للحظة

يتسارع نبض قلبي وأشعر بشيء غريب في داخلي

هناك، أمامي، يقف نيفيان

كانت هذه المرة الأولى التي أراه فيها منذ سنوات، وكل ما كنت قد خبأته في أعماقي بدأ يظهر فجأة

لا أدري كيف حدث ذلك، ولكن الابتسامة التي ارتسمت على وجهي تلاشت سريعا، وحل مكانها شعور غريب من التوتر والقلق

نيفيان كان كما هو، رغم الوقت الذي مر

عينيه حادة، وجهه لم يخف أي شيء من الماضي، كان كما لو أنه يحمل كل الذكريات التي كانت بيننا، وكل تلك اللحظات التي تبادلنا فيها الحب والكره، الألم والفرح

هو نفسه، ولكنه أصبح شخصا آخر

وكأن الزمان قد رسم على ملامحه قصته الخاصة، كما رسم هو على صفحات قلبه قصتي

أشعر بنظرات الجميع تتنقل بيننا، وكأن الجميع في المعرض قد توقفوا، وأصبحنا في مركز دائرة من الضوء

صمت رهيب

كنت أريد أن أقول شيئا، أي شيء

لكن الكلمات التي كنت قد حفظتها في داخلي لسنوات اختفت، كما لو أنني فقدت القدرة على التعبير

نيفيان يقترب مني بهدوء، وعيناه تراقبني بشكل ثابت

لم يتغير شيء في ملامحه، لكن هناك شيء في عينيه لا يمكن تجاهله

كان يراقبني وكأن الوقت لم يمض، وكأن كل شيء بيننا لم يتغير

لم أستطع تحريك يدي، لكنني أخيرا همست

"نيفيان، لم أتوقع أن أراك هنا"

نظر إلي لفترة طويلة، وكأن الكلمات التي أراد أن يقولها كانت ثقيلة جدا، لكن في النهاية اكتفى بالرد بصوت منخفض

"كنت يجب أن أكون هنا، أن أراك، أن أكون جزءا من هذا...من كل شيء"

كان في صوته شيء من الحزن، كما لو أنه كان يعتذر عن غياب طويل، وكأن الأيام التي لم نلتق فيها كانت ثقلا على قلبه

لكنه لم يكمل الحديث، بل أشار إلى الكتاب الذي وضعه أمامي

"لديك القدرة على جعل الماضي يتنفس من جديد، أنجل... لقد كتبت شيئا أكثر من مجرد كلمات، لقد كتبتي التاريخ"

قالها بصوت هادئ، ثم أضاف مبتسمًا ابتسامة ضئيلة

"مبروك على الكتاب... و على شجاعتك "

لم أتمكن من قول المزيد

كان هناك الكثير في قلبي، الكثير من الأفكار، المشاعر التي لا أستطيع التعبير عنها بكلمات

كل شيء كان معلقا في الهواء بيننا، وأنا لا أستطيع التقاطه أو تفسيره

فقط نظرت إليه، وكلما نظرت في عينيه، زادت الحيرة في قلبي

كنت أنظر إليه، وكأن نظراته تحمل كل تاريخنا معا، وكل تلك اللحظات التي مرت بيننا

كان هناك شيء في الهواء يجعل كل شيء يبدو أكثر تعقيدا من أي وقت مضى

كنت أشعر بحضور أيدن بيننا، وكأن كل كلمة نقولها الآن تكاد تكون خيانة له

"لا أعرف، نيفيان..."

همست وأنا أبتعد قليلا بنظري، وكأنني أخشى أن أقول شيئا قد يكون غير مناسب

"كلما تحدثنا، شعرت وكأننا نخون أيدن. كأننا... نعيش حياة جديدة بينما هو لا يزال هناك، في كل ذكرياتنا"

أخذ نيفيان نفسًا عميقًا، ثم نظر إلى الأرض لبرهة، وكأن الكلمات تلوح في ذهنه ولكن لم يستطع العثور عليها

كان يبدو متألما، كما لو أنه كان يعاني من نفس الشعور الذي يثقل قلبي

بعد لحظة، رفع رأسه ببطء وقال بصوت هادئ، لكن كان هناك شيء غريب في نبرته، شيء يشبه الندم أو الحيرة

"أحيانا أشعر أنني أعيش في ظل أيدن، حتى الآن...وكأننا جميعا لا يمكننا المضي قدما حقا...مثلما تركنا جزءا منا معه، ونشعر أننا خذلناه بمجرد محاولتنا أن نعيش من دون أن نكون معه"

كنت أفهم ما يقوله، ولكن الألم في داخلي كان يمنعني من التحدث

كانت تلك الكلمات تلاحقني، وكنت أشعر بأيدن يراقبنا من مكان ما، وكأنني كنت خائفة من أن ننساه بينما نواصل حياتنا

لكن هل نستطيع أن نبقى محاصرين في الماضي إلى الأبد؟

صمتنا لثوان... بينما كان صدى كلماتنا يملأ المكان، وكأن المعرض كله قد توقف عن الحركة

كان هناك شعور غريب من الوحدة، رغم أننا كنا معا في نفس المكان

كأن الزمن قد توقف في تلك اللحظة، وكأننا لا نعرف إذا كنا بحاجة للبقاء في هذا الفراغ العاطفي، أو إذا كان من الممكن أن نعيش حياة جديدة دون أن ننسى أيدن

نيفيان نظر إلي بعيون غامضة، ثم ابتسم ابتسامة حزينة

"أيدن كان يعرف أننا سنكمل الحياة بطريقة ما... لكنه أيضا كان يعلم أننا لن ننساه... ربما هذا هو الجزء الصعب، أن نستمر دون أن نشعر أننا خذلناه"

شعرت بالدموع تتجمع في عيني، ولكنني حاولت أن أخفيها بسرعة

كان حديثنا يشبه خيطا رفيعا نمر به في بحر من المشاعر المعقدة، ونحن نحاول بكل قوتنا ألا نغرق في الماضي

ورغم كل شيء، تعلمت أن الحياة تستمر، ولكن لن ننسى أيدن أبدا، لأن كل لحظة نعيشها الآن هي جزء من الذكرى التي تركها فينا

ولكن هل يمكننا أن نعيد بناء ما تهدم، ونبدأ من جديد، حيث لا يشوش الماضي على خطانا، ولا تلاحقنا الذكريات الثقيلة؟

هل يمكننا أن نكتب فصولا جديدة، تعيد لنا الأمل وتهدينا السلام؟

꧁ نلتقي في رواية اخرى ꧂

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

You held my heart √

المؤلف Robolline
2025/07/25 مكتملة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة