على شفا التغير

على شفا التغير

19 0

الليل كان ساكن، إلا من همسات أفكاري المتصادمة

جلست على سريري، ظهري مسنود للجدار، ودفتر مذكراتي مفتوح فوق حجري

القلم بين أصابعي كان واقف... يتردد مثلي

عيني ما كانت على الورق، بل على طاولة صغيرة بجانبي

قلادتان

واحدة تحمل جوهرة زرقاء، تشبه لون البحر وقت الغروب

اعطاني إياها ايدن وهو يضحك كأنها مجرد هدية بسيطة، لكني كنت أعرف... أنها ما كانت بسيطة أبدا

والثانية... جوهرة خضراء، ناعمة وراقية، بنفس لون عيوني

نيفيان قدمها لي بابتسامة هادئة وكلمة مازلت أتذكرها

"شيء يشبهك"

أغمضت عيني، حاولت أفصل بين الاثنين، بس كيف؟

الأول، فوضوي، مزعج، لكنه حي... يعيش على طريقته، لا يعترف بالقوانين، ولا يخاف من شيء

والثاني، يشبه الصفحات القديمة، الهادئة، العميقة... اللي كل ما قريتها، تكتشفي طبقة جديدة من المعنى

قربت القلادتين مني، كأنهما يحملان أرواحهما

لمست الزرقاء بأطراف أصابعي، شعرت بنبض، ثم لمست الخضراء... وساد صمت غريب في قلبي

كتبت في مذكرتي

"بين روحين... أنتمي لنصفين.

أحدهما يشبهني، والآخر يسرقني "

رفعت رأسي نحو النافذة، والمطر بدأ يطرق زجاجها بخفة

"ربما ما كنت أبحث عن من يشبهني... بل عن من يوقظني "

✧✦✦✦✦✦✦✦✦✧

꧁ pov nevian ꧂

ها أنا أعود إلى ملجئي... الأريكة القديمة التي استسلمت لجسدي كما لو أنها تعرفني، وكتاب فلسفة تتقاطع أسطره مع نبض قلبي لأفهم ما أعيشه...

بل لأتنفسه ذهني لا يقرأ... بل يتسلل حيث لا يُفترض له أن يكون

البيت هادئ كأنما الزمن نسيه، والمساء يزحف برفق على جدرانه، يحمل معه رائحة القهوة التي بردت، ونفسي التي لم تهدأ

صفحة تلو الأخرى، أقرأ... أو أُوهم نفسي أنني أقرأ

لكن عيني لا تلامس الحروف بقدر ما تتبع خطى غائبة، كأن الكتاب أصبح مرآة تعكسني أكثر مما تشرحني

ثم... صوت الباب

فتحته العنيفة و دخوله اعنف تصفع الهدوء، خطواته ترتطم بالسكون كأنها تعلن أن الفوضى قد عادت

أيدن

ما من شك، أعرف إيقاعه، أعرف حتى اللهاث الخفيف في صوته حين يصعد الدرج كأن الحياة تطارده، أو كأنه هو من يطاردها بلا رحمة

لم أره، لكنني شعرت به... كأن جسده يعبر من خلالي، لا بجانبي

خطاه السريعة على السلالم تشبه رصاصا ينهمر فوق الطمأنينة، وأنا أعرف إيقاعها... أعرف أنه أيدن، وأعرف تماما ما يعنيه هذا التسرع

أعرف تلك المشية... كان في الخارج لا حاجة لي بالنظر إليه، يكفيني هذا الشعور الذي يسكنني كلما عاد...

رائحة الليل على ملابسه، أنفاسه المختلطة برائحة النيكوتين والقلق، عيناه اللتان لا تخبراني بشيء، لكنهما تقولان كل شيء

أعلم أنه كان هناك... حيث لا يحبني أن أكون، وأعلم أنه ذاهب الآن... إلى حيث لن أتبعه

باع شيئا ما... اشترى شيئا آخر، ربما الألم، وربما الخلاص... في علبة صغيرة أو لفافة دخان...

او ربما سلاح ما!

لكنه... تغير

منذ أن دخلت أنجل حياته، صار أهدأ، أقل صخبا

أقل خصاما مع ناس و اقل بيعا للمخدرات و اقل ضربا للناس

صرنا نرى ضوءا خافتا خلف جدار عينيه المظلمتين، شيئا يشبه الأمل، أو يشبه الحب... لا أدري

اسمها وحده يشعل في قلبي سؤالا لا أجرؤ على النطق به

هل يكون الحب قادرا على لمس حتى قلوب اعتادت الصقيع؟

لأنني أراه، نعم، أراه يحاول أن يكون مختلفا لأجلها

وأنا؟... أنا أقف في المنتصف، كأنني نقطة التقاء بينه وبين العالم، كنت أظنه حرا وأنا مقيد، وكنت أحسده على تمرده وأنا أتقمص الطاعة كأنها فضيلة

لكنني اليوم أراه يتكسر تحت ما كنت أظنه حرية

أنجل... هي الفاصل، هي التمرد الآخر، لكنها ليست ككل شيء في حياتنا

أنا أحب أخي، أحب ظله الذي لطالما كان يسبقني، أحب حتى طريقة رفضه لي، لأنه كان دائما عكس ما أنا عليه

لكني... لا أستطيع أن أقدم له أنجل

لأنها، دون أن تدري، جمعتني به في صمت مؤلم، وجعلتني أخشى أن أفقده مرة أخرى... لكن بطريقة جديدة

لكن... هل كان يجب أن تكون هي؟

أنجل، التي جعلت صوته يهدأ قليلا، لكنها جعلت قلبي يضطرب كثيرا

هو أخي... وقلبي يحبه أكثر مما يتحمل، لكني... لا أستطيع أن أقدم له أنجل

فهي الشيء الوحيد الذي تمنيت ألا ينافسني فيه

أخشى أن يحبها أكثر مما أحبني، وأخشى أن تحبه أكثر مما قد تراني

أكتب... لا لأقول الحقيقة، بل لأخفيها في سطور لا يقرؤها أحد، ربما لأنني لم أُخلق لأُقال، بل لأُكتم

وأنا... لا أجيد سوى ذلك

لست بارعا بالكلمات كما هو بالضياع، لكني أكتب الآن... فقط لأُبقي مشاعري بين السطور، لأنني لا أملك الجرأة لأخبره أنني... خائف من خسارته، وخائف من خسارتها أيضا

꧁ pov aiden ꧂

ركضت... كان الليل باردا، والريح تصفر في أذني كأنها تصرخ

إلى أين تمضي يا ابن كوستا ؟

أقدامي تقفز درجات السلم كأنني أهرب...

من الرجل الذي ينتظر بالخارج؟

أم من شيء أكبر؟

ربما من نفسي التي صرت لا أعرفها

وصلت إلى غرفتي، دفعت الباب بقدمي ودخلت كأنني أقتحم جريمة

الدرج الخشبي الذي أعرفه أكثر مما أعرف نفسي

فتحته بخفة المرتبك، يد مرتجفة تمتد نحو قطعة الظل المخبأة في علبة شفافة كأنه هدية قدر قذرة

الحشيش

مددت يدي نحوه، لكن أصابعي توقفت

ظلت هناك، معلقة بين الرفض والتبرير

نظرت إليه، ونظر لي ... وفي لحظة تردد، سمعت صوتي الداخلي يتمتم

هل يجب أن يكون ما أفعله صحيح؟

الوقت الذي أبيع فيه حشيش... ألا يمكنني أن أبيع فيه شيئا آخر؟

أن أتعلم؟

أن أبحث عني في صفحات كتاب، أو حتى أرسم لنفسي مستقبلا لا ينهار؟

اسئلة تافهة، اصحيح؟ ولا يمكن هو أصدق أسئلة راودتني منذ اشهر

سحبت أنفاسي كأنني أبتلع جمرة السؤال، ثم طردته مثل دخان... تجاهلت صوتي، دفنته في صمت الغرفة

كعادتي، خذلت نفسي

سحبت الكيس ووقفت، أهرب من هذا الدرج، من هذه الغرفة، من تلك الأسئلة

كأنها فخاخ موضوعة في عقلي لأتعثر بها، وأنا لا أريد السقوط... ولا أملك الشجاعة للطيران

و خرجت

نزلت الدرج بهدوء أقل مما جئت به... كل خطوة أحس بها تثقل ظهري، وكأنني أحمل الخزي لا الكيس فقط

لكن حين اقتربت من صالة البيت، رأيته

نيفيان، جالس على الأريكة القديمة غارق في كتاب فلسفة كعادته

عيناه ثابتتان

كأن الدنيا كلها لا تهمه، كأن هذا البيت، هذا المساء، هذا الألم... لا يخصه

كأن الحروف تغرس جذورها فيه، وجعلتني أخجل من الجذر الوحيد الذي أحمله بين يداي ... قطعة الحشيش التي أخفيها بين اصابعي كأنها جريمة

أخفيت الكيس وراء ظهري، بحركة غريزية... كأن الحشيش صار عيبا أمامه، لا أمام نفسي

هو لم ينتبه لي حين دخلت ، ولا حين وقفت على السلم أراقبه

ترددت

وقفت هناك لحظة... أردت أن أقول شيئا

كيف حالك؟... هل تحتاج شيء؟... هل تكرهني؟

كنت أريد ان انبس اي شيء... لكنني سكت

الكلمات جفت في حلقي، كأن بيننا لغتين لا تلتقيان

فهو يسكن الكتب... وأنا، أسكن الخطايا

الهواء بيننا كان سميكا... مثل مشاعر لا تقال

وتلك المسافة القليلة بين الأريكة والباب ... كانت أطول من كل الشوارع التي مشيتها وأنا أبيع خطاياي في لفافات صغيرة

كنت واقفا هناك، على عتبة الصالة، بين الرغبة في الحديث، وبين الخوف من أن تقال أشياء لا تُنسى

لم يرفع نيفيان رأسه، لكنه أحس بي

كأن بيننا رباطا خفيا، يشده حين أعبر، يوقظه من فكره، حتى وإن لم ينبس بكلمة

أدرت وجهي، وأكملت نزولي

صمتي كان رخيصا... مثل ما في يدي

لكنه، على الأقل، لم يكشف أنني كنت على وشك البكاء

نعم... انا كنت على وشك البكاء... انا التي دموع اشتاقت على تشبث على سطح خدودي

صوته جذب مسامعي

"متأخر الليلة..."

كان صوته هادئا، كأنه يزن الجملة بألف معنى

لم أعرف إن كان يلوم، أو فقط يلاحظ... لكنني شعرت بثقله يدخل صدري

عدت الى مكاني السابق امام الباب و نبست

"كنت مشغول "

لم أسأله كيف عرف، ولم يسألني بما

ربما لأننا نعرف.... نعرف كل شيء، لكننا لا نقوله

تقدمت خطوة، ثم خطوة أخرى، ومررت بجانبه...

ما زال يحمل كتابه، لكن أصابعه توقفت عن تقليب الصفحات

وكأن روحه، مثل روحي، تسمرت في تلك اللحظة

فجأة، تمنى جزء مني أن يرميني بسؤال...

أن يفتح فجوة نتحدث من خلالها عن كل شيء

عن أمي، عن أبي، عم أنجل الذي احبها كلانا... عن الحياة التي هربت منا منذ زمن...لكنه لم يفعل

همست وأنا أخرج من الباب

"لو كنت مكانك...لما كرهت نفسي "

لكنه لم يجب

وربما كان صمته أصدق من كل الكلمات

خرجت من المنزل بخطى متسارعة، كأنني أهرب من شيء أثقل من جسدي، أثقل من ذنوبي، أثقل من هذا العالم بأكمله

في جيبي الخلفي، كانت قطعتين الحشيش الأخيرتين، ملفوفتين بعناية، كما يلف السر في قلبٍ لا يحتمل أكثر

في الزقاق الخلفي، كان رجل ينتظرني، عيونه كعادتها... متعبة لكنها لا تعرف النوم، مشتعلة لكنها لا تضيء

أشار إلي بصمت، هز رأسه، فهمت دون أن ينطق

مددت يدي... أو كدت

وقبل أن تصل، تجمدت في الهواء، كأن شيئا غير مرئي أمسك بي

نظرت إلى القطعتين بين أصابعي...

وفجأة لم أر حشيشا... بل رأيت خيباتي، رأيت حياتي تباع مرة أخرى بثمن رخيص

تذكرت وجهها... أنجل

تلك التي اقتحمت فوضاي بصمتها، فصنعت في داخلي ضجيجا لم أسمعه من قبل

تذكرت ضحكتها، ودمعتها، وتلك النظرة التي ألقتها عليّ يوما وقالت بصوت خافت

"ليس عليك أن تعيش كأنك لا تستحق حياة أفضل "

اهتز قلبي... كأن تلك الكلمات لم تصلني حينها، لكنها الآن تشق الطريق بداخلي بلا استئذان

نظرت إلى رجل، ثم إلى القطعتين في كفي، ثم إلى السماء...

وأدركت، أنني اليوم لست مستعدا لبيع ما تبقى مني

عدت خطوة إلى الوراء، ثم قلت بهدوء غريب

"لن أبيع الأثنين... سأحتفظ بواحدة "

قطب الرجل حاجبيه، بدا عليه الضيق، حاول الاعتراض

"اما ان توافق او ان ترفض"

كان الرجل مدمن... في السابق كنت استغله لبيع القطع بأغلى ثمن

كنت أرى ان الفقراء مثلنا يستحقون من ثروة الاغنياء مثله

و كنت أعرف انه لن يعترض لأنه مدمن... و لا يتطيع صبر ليلا بدونها

أومأ برأسه وهو يمد لي المال... تبادلنا المال و السلعة

و وليت وجهي نحو النور، ومشيت

كانت خطواتي مثقلة... لكنها حرة

وضعت يدي في جيبي، أغلقت على القطعة، كأنني أغلقت على قرار

وفي قلبي، كان هناك صوت خافت يقول

ربما كانت أنجل سبب ضياعي... لكنها أيضا قد تكون طوق نجاتي

غدا...

تصل الشحنة الجديدة

كل شيء مبرمج بدقة، كأنه جزء من آلة قديمة تعمل رغم صدئها

الصفقة، الوزن، الأسماء...

كل شيء محسوب

لكن قلبي؟

من يحسب فوضاه؟

على سيرة المخدرات...

اشتقت لأنجل

هي الأخرى نوع آخر من الإدمان، لكنه لا يباع ولا يوزن... فقط يسكن القلب ويثقل الروح

لا أعرف كيف وصلت إلى شارعها

قدماي تعرفان الطريق أفضل من عقلي، وكأنهما تمردا علي وسحباني إلى حيث الألم الطفولي ينتظرني خلف زجاج نافذة مغلقة

وقفت هناك، كالمذنب المتردد بين التوبة والمعصية، أحدق إلى الأعلى، إلى تلك الشرفة التي تشبهها... مغلقة، ساكنة، ولكنها تشع بالحياة من الداخل

أخرجت هاتفي...

وقلبي كان يرن معه مع كل ثانية انتظار

ردت، بصوت مبلل بالنعاس

"ماذا تريد؟"

ابتسمت، كأن نبرة صوتها سقت روحي الجافة

"اشتقت لك"

ردت سريعا، بجفاف يشبه خناجر

"اذهب إلى الجحيم"

يا له من ترحيب!!

ضحكت، لم أكن أعلم هل أضحك على نفسي، أم على الجحيم الذي أسكنه وأنا بعيد عنها

"انظري من نافذتك"

مرت لحظة...

ثم رأيت الستارة تتحرك بخفة، كأنها أنفاسها تلامس الزجاج...

وظهرت عيناها

نظرت إلي، شهقت، ثم قالت

"أنت مجنون! ما الذي تفعله هنا؟"

قلت بهدوء يشبه العاصفة قبل أن تهب

"اخرجي"

هزت رأسها، عيناها تلتمعان

"لا، مستحيل"

ضحكت، لكن وجعي كان يطل من بين ضلوعي

"اخرجي... أو سأصعد إليك"

هي لا تعرف أنني لا أهدد... أنا فقط أُنفذ حين يشتد الحنين

وكنت قد بدأت بالفعل...

يدي على حافة الشرفة، وقلبي على كفها

هل كنت أتسلّق الجدران...أم كنت أهرب من وحدتي إليها؟

وأنا أتسلق الجدار البارد، شعرت كأني أتسلق سنواتي كلها

كل انكسار، كل صفعة، كل خيبة... كانت تتشبث بقدمي لتسحبني للأسفل

لكن فوق... كانت هي

هي، بكل صراخها، بكل رفضها، بكل عنادها... كانت الجائزة

سمعت صوتها من الأعلى

"أيدن! أنت مجنون! انزل!"

رفعت رأسي وأنا أتنفس بثقل، ابتسمت

"قلتها قبلك ألف مرة... لكنك تحبين جنوني، صح؟"

لم ترد، كانت تنظر إلي كأنها لا تصدق

كأن قلبي المتدلي من الجدار أثقل من جسدي

وصلت إلى الحافة، أمسكت بيدها رغم ترددها،

كانت يدها باردة، لكن لمستها أشعلت في داخلي نارا لا تنطفئ

جلست على الشرفة قربها، أتنفس بجنون كأنني قطعت مسافة عمر كامل للوصول إليها

هي ظلت ساكنة، متجمدة، تنظر إلي بدهشة وكأنها لا تعرف ماذا تقول

قلت أخيرا، وأنا أضع رأسي على كتفها

"كنت أستطيع أن ابقى تحت ... أستطيع ان اءهب... أستطبع ان أنسى... لكنني أتيت اليكِ"

سكتت... ثم همست بصوت متردد

"لماذا؟ لماذا دائما تكسر كل حدود المنطق من أجلي؟"

رفعت رأسي، نظرت في عينيها، وقلت

"لأني لم أعرف طعم الراحة إلا في فوضاك"

وقبل أن ترد، سمعت قلبي يهمس لي وحدي

إن كانت هذه الليلة جنونا... فليحرقني الصباح

سكنت الشرفة للحظات، لا صوت فيها سوى أنفاسي المتلاحقة، وارتجاف خفيف في أناملها

كانت تحدق بي وكأنها ترى شيئا لا يفهم، شيئا لا يفسر، شيئا يشبهني تماما

جلست بجانبها، دون أن أجرؤ على لمسها مجددا

كنت خائفا... لا منها، بل من الصمت بيننا، من المسافة التي ما زالت قائمة رغم قربنا

قالت بعد برهة بصوت خافت

"أيدن... لم أعد افهمك "

ابتسمت، ابتسامة مكسورة

"أنا بنفسي لا أفهم نفسي ، فكيف تطلبين من قلبك أن يفعل؟"

تنهّدت، وهي تزيح نظراتها بعيدا عني، كأنها تخشى أن تنظر أكثر، أن تضعف أكثر

كانت ترتجف، لا أعلم إن كان من البرد أو من وجودي القريب جدا منها

همست بصوت خافت

" أيدن ... هذا غلط... كله غلط"

ابتسمت، ابتسامة أنهكتني بالهزائم لكنها لا تزال تعرف الطريق إلى الشفاه، وقلت وأنا أمد يدي أزيح خصلة وقعت فوق عينيها

"أنا غلط، وكل حياتي غلط... لكن وجودي معك، هو الشيء الوحيد الذي أحس انه صح "

شهقت أنفاسها، ربما أرادت أن تصرخ، أو تبكي، أو تهرب، لكنها لم تفعل شيئا من ذلك... بل اكتفت بالصمت، وهذا ما كان يؤلمني أكثر من أي شيء

نظرت إلي، لمعة في عينيها بين الغضب والشفقة

"لماذا جئت؟"

نظرت إليها طويلا، ثم تمتمت

"لأني كنت على وشك بيع آخر قطعة حشيش، وتذكرتك"

قطبت حاجبيها، دهشة مريرة مرت على وجهها

"وهل أنا ذكرتك بالخطأ؟"

هززت رأسي نفيا، ونظري معلق بعينيها

"بل بالندم... بالشيء الوحيد الذي يجعلني أتردد، أفكر، أتراجع، أتمنى أن أكون مختلفا"

سكتنا.... كان الليل ثقيلا، والريح تداعب خصلاتها المبعثرة، وقلبي ينزف رغبة في البقاء، فقط لأجل هذا القرب العابر

همست

"كل ما في خراب، لكنك كنت النبتة الوحيدة التي حاولت أن تنمو في فوضاي"

قالت بصوت مشوش

"أنا لا أعلم إن كنت أستطيع حبك..."

ابتسمت، ابتسامة خذلان معتاد

"ولست أطلب ذلك... فقط، دعيني أبقى الليلة"

صمتت، لم ترد، ولم ترفض، لكنها لم تنهض

واكتفيت أنا بأن أسند رأسي إلى جدارها، كأني وجدت بيتا في زاوية قلبها، ولو مؤقتا... ولو لهذه الليلة فقط

أخرجت الحشيش من جيبي من جيبي... نعم، هو ذاته الذي قررت الاحتفاظ به، رفعته أمامها،وقد لفت بورق ناعم كهدية، قلت

"كان الاخير... كنت رح أبيعه، ولكن لم استطع... احسست أنني اريدها لكلانا "

نظرت لي، عيناها امتلأتا بشيء بين الغضب والشفقة والانكسار

قالت بصوت مبحوح

"أنت لا تحتاج مخدر، أيدن... أنت تحتاج ان تنقذ نفسك "

ضحكت، ضحكة قصيرة باهتة

"وإذا لم ارد ان انقذ نفسي ؟ اريد ان اضيع اكثر ... اضبع في هواك ؟"

وقبل أن ترد، كانت السماء ترسل أولى قطرات مطرها، تناثرت على الشرفة، باردة، حادة... ومع كل قطرة، شعرت أن الوقت يتوقف

جلست قربها، دون أن أطلب إذنا، ووضعت رأسي على كتفها، تماما كما كنت أفعل عندما كنت طفلا يبحث عن أمان لم يعرفه يوما

قلت بهدوء

"لو صرت بخير... تخيليني بدون هذا الجنون، بدون الحزن، بدون الفوضى... هل كنتي سوف تحبينني حينها؟"

طال صمتها... حتى حسبت أنها لن تجيب

ثم همست، وكأنها تسأل نفسها

"لا ادري ... يمكن الشيء الذي احببته فيك، هو نفسه الشيء الذي يأذيني فيك"

هل كنت اتوقع ان اتسلق الى شرفة فتاة؟

لا

هل ندمت؟

اللعنه لا

قاطعني صوته و هي تستجمع نفسها للتحدث

"لا اجد منطق يوضح لي لماذا انت هنا"

"انا أتيت الى الجحيم. اونسيتي عندما قلتي اذهب الى الجحيم؟"

ضحكت وكأنها إستيقظت من حلم جميل على كبوس بشري

وهو انا

"على سيرة ذلك سندريلا هل عندك ماء؟... كما تعلمين تسلق الشرفة يسبب العطش"

ضحكت... ضحكت من قلبها، تلك الضحكة التي تشبه موسيقى كرتونية خفيفة، ثم قالت لي وهي تلتف مبتعدة

"ابق مكانك، سأحضر لك الماء، يا متسلق الشرفات المحترف"

وقفت هناك، على الشرفة، وكأني تمثال حي لأسوأ قرارات الحياة

لكنني لم أقاوم... نظرت من الباب المفتوح لغرفتها، وشيء ما بداخلي قال

ادخل، يا رجل، لقد قطعت نصف المدينة وتسلقت نصف الجدار، من حقك نصف نظرة على الأقل

دخلت... على رؤوس الأصابع، وكأنني سائح في متحف خاص

أول ما لاحظته؟ الأزرق... ثم ازرق أخف... أزرق أغمق

كل شيء أزرق!!

ستائر بلون السماء، وسجادة بلون البحر، ومخدة على شكل نجمة بلون الغيوم وقت الغروب... حتى كوب الماء على الطاولة كان أزرقا!

ابتسمت تلقائيا، وهمست في نفسي

"أنا لا أناديها سندريلا عبثا... هذه الفتاة، لو سقطت في بحر، لذاب البحر من فرط الشبه"

هممت بأن أعود لموقعي على الشرفة قبل أن تعود، لكن قدمي علقت بالسجادة، وكدت أوقظ الحي كله بصوت اصطدامي، لولا أنني تماسكت

رجعت بسرعة إلى مكاني، وبمجرد أن دخلت، دخلت خلفي تحمل كوب الماء، ناولته لي وهي تضحك

"أنت هنا؟ جيد، كنت أخشى أن تكون سقطت ومتنا معًا من الضحك"

شربت رشفة، ونظرت إليها وقلت بجدية مزيفة:

"غرفتك زرقاء جدا، أنجل... شعرت وكأني دخلت أعماقك"

ضحكت مجددا، ثم قالت

"أنت غريب"

أجبتها بفخر

"وأنت جعلت للغرابة طعما حلوا... أزرق اللون!"

✧✦✦✦✦✦✦✦✦✧

꧁ pov angel ꧂

أنا جالسة في غرفتي الآن، وشمس الخافتة تطل بنورها الباهت من خلال نافذة قديمة بعد ذهاب أيدن و خروجه من نفس الشرفة

بين يدي دفتري وصلابة القلم تبث في عبرات من الأحاسيس المختلطة

أكتب عن نفسي، عن هذا الشعور الذي لا يمكن وصفه بالكلمات، عن تلك اللحظات التي مزج فيها الحب بخيبات الأمل... أو ربما هو رداءة الأيام التي تمر كالسراب في قلب صحراء الذكريات

أنظرُ الآن إلى القلادتين اللتين أهداني إيدن ونيفيان، وكل منهما تحمل لونا مختلفا

الأولى، ذات اللون الأزرق الذي أحببته، يذكرني بروح هادئة، بهدوء يتجاوز الكلمات.... بينما الثانية، الخضراء التي تلمع كعيني في لمح البصر، تعيد إلي ذكريات من طيف من العواطف التي تجوب أرجاء قلبي دون رحمة

أمسكت بهما برفق، كأني أحاول استعادة جزء من ذاتي بينهما، وأسأل نفسي

هل يمثل كل منهما جانبا من حياتي؟

أم أنهما مجرد رمزين لشيء أكبر... لحنين خفي يبحث عن مخرج؟

في تلك اللحظة، تنساب إلى عقلي أفكار متقاربة كأمواج البحر... أفكر في الأيام التي كنت أحلم فيها بأن أكون فتاة عادية، تشرق كل صباح بابتسامة منسجمة مع ضوء الشمس، ولكن الزمن سرق مني تلك البراءة، وتركني هنا بين هذين العالمين المختلفين

عالم من الصمت والرغبة، وعالم من الضجيج الذي لا يغفر

أتذكر كلمات نيفيان التي همس بها في إحدى الليالي الباردة

"ليس علينا أن نثبت للعالم شيئا، بل علينا أن نثبت لأنفسنا أننا نستحق النور"

واليوم، وأنا أتأمل هذه القلادات بين يدي، أشعر بأن كل لون يحكي قصة لا تنتهي، وكل نقرة من القلم تضفي على هذا الكتاب بعضا من وجعي وأماني المعتمة

أغمضت عيني لثانية، واستنشقتُ الهواء بعمق، ثم تابعت الكتابة بصوت داخلي خافت

"أنا لست مجرد فتاة تذوب في الأماني الباهتة، لكني أبحث عن ضوء يمحو ظلال الأيام الثقيلة، ضوء يتجلى في نظرات من أحبهم، في كلمات لم تنطق بعد.... وربما، في يوم ما، ستجمع هذه الذكريات الشظية قطعة كاملة من نفسي، وتتحول هذه القلادات إلى جسر بين الماضي والحاضر، بين القلب الذي تألم والقلب الذي ما زال ينبض بالأمل"

وهكذا، وجدت نفسي غارقة بين السطور، أكتب عن كل معاني الحب والخيبة، أستودع قلبي مع كل كلمة، وأتمنى أن ترى هذه الأحاسيس في كل لون من ألوان تلك القلادات، وأن تذكرني بأن في كل لحظة مهما اشتد فيها الظلام، يظل للروح وصية بأن تتوقّ لأمل يشرق مع الفجر

استرقت صوت الجرس وهو يخترق سكون الفجر ، يدق بعناد في زمن الكل فيه نائم... وكأنه وحده لم يتعب بعد

رفعت رأسي، لا صوت يجيب... لا أحد غيري سمعه

وضعت القلم برفق فوق مذكراتي، وكأنني أستأذن من كلماتي، ثم نهضتُ بخفة

غادرت غرفتي، أنزل الدرج بنفس القفزات المرحة التي خلفها أيدن في الليل... خطواته كانت كأنها طبعت على الخشب ضحكة

اقتربت من الباب، وابتسامة ترتسم على وجهي دون إذن... لكنني ما إن فتحته، حتى سقطت عن وجهي تلك الابتسامة كما يسقط وشاح من ريح مفاجئة

حدقت به، لم أصدق، قلبي تعثر بضربة واحدة

"أبي؟!"

قلتها بصوت يشبه الصدمة... يشبه العتاب... يشبه كل شيء ما عدا الفرح

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

You held my heart √

المؤلف Robolline
2025/07/25 مكتملة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة