ايدن ليس غريبا

ايدن ليس غريبا

17 0

"إنه أيدن، ابن الحي وصديقي الجديد "

اتسعت عيناي حينما وقع بصري على ذلك الشاب الذي دخل بخطوات واثقة، تحفها لامبالاة مستفزة

وعلى شفتيه ابتسامة وكأنه يحمل سرا لا يخص أحدا سواه

كان يسير كأنه يملك المكان، كأنه لم يطرق، بل اقتحمه بجاذبية الفوضى التي تحيط به

ارتدى الأسود كمن يختبئ داخل ظله، قميصه وبنطاله كانا امتدادا لليل، بينما بياض حذائه بدا ضوء وحيدة في عتمته

نظرت إليه، ثم إلى أخي، كمن يزن كفتي ميزان غير متوازن، فوجدت بينهما تشابها لا يخطئه بصر، تشابها لا يليق إلا بشخصين يجسدان العناد والتهور... و التكبر و الشغب

كأنهما وجهان لعملة واحدة

أو بالأحرى... زوجا حذاء واحد، مختلفا اللون، لكنهما في النهاية يسيران إلى نفس الطريق

حملتُ حاسوبي بين يدي، أشق طريقي نحو غرفتي، هاربة من المكان الذي أصبح يضيق بأنفاسي كلما تواجد فيه ذلك المعتوه ذو الملامح الوسيمة

"أنجل، إلى أين؟ العشاء جاهز للتو"

توقفتُ عند أولى درجات السلم، ليس رغبة في البقاء، بل لأن صوت أمي جاء كخيط يشدني للخلف

لم أكترث، ولم أجد حاجة للرد، لكن حين رفعتُ عيني، التقت نظراتي بعينيه

كان ينظر إلي بدهشة، وكأنه أدرك لتوه أنّني كنت هنا طوال الوقت

"لا شهية لي "

قالتها شفتاي ببرود، بينما رفعت أمي كتفيها بغير اكتراث، ثم عادت إلى ما كانت تفعله، وكأن الأمر لا يعنينا نحن الاثنتين

أكملتُ صعودي، تاركة خلفي ضوضاء المائدة، الضحكات المتفرقة، وأصوات الملاعق التي لم أشعر يوما أنها تخصّني

خلفي، كانت كايلة تلحق بي، بوفائها المعتاد، وكأنها ترفض أن تتركني وحيدة، تفهم صمتي أكثر مما يفعل البشر

في غرفتي، جلستُ على السرير، شبكت هاتفي بالسماعات، وتركتُ الموسيقى تغرقني

لا شيء يضاهي العزلة حين تكون محاطة بألحان هادئة، حين تمتزج الأفكار بالموسيقى لتخلق عالما لا يشوبه ضجيج الواقع

كايلة تقلبت بجواري، تدفعني برأسها الصغيرة، تلتمس لمسة تداعب بها وحدتها كما أفعل مع وحدتي

مددتُ يدي إلى فروها الناعم، أمرر أناملي برفق على بطنها ورأسها، فاستسلمت للمسة الدفء التي تعرفها مني

لكن، وكما هو الحال دائما... لا يدوم الهدوء طويلا

جاء طرق خفيف على الباب، نزعتُ إحدى السماعات لأتأكد، قبل أن يتبع الطرق صوت مألوف

"هل يمكنني الدخول؟"

كان صوت أدلين... أختي الكبرى، والنور الوحيد الذي يشع وسط ظلام هذا المنزل

"نعم "

دخلت بإشراقتها المعتادة، تلك الابتسامة التي لم تهجرها يوما، رغم كل شيء

كانت عيناها البنيتان تلمعان، كنجمتين وسط عتمة سماء خاوية

جلست على حافة السرير، حيث كنت متربعة، يداعب أناملي فراء كايلة التي استلقت على ظهرها مستمتعة بكل لمسة

"ما سبب فقدان شهيتك؟ هل هناك ما يزعجك؟"

رفعتُ رأسي إليها، التقت نظراتي الخضراء الحادة بعينيها الدافئتين، لم أكن أقصد أن أبدو باردة، لكن تلك كانت طبيعتي

كما أنني لم أجد حاجة للكذب

"ليس لي شهية، هذا كل شيء"

أومأت برأسها بتفهم، قبل أن تسقط نظراتها على الأرض وكأنها تبحث عن إجابة أخرى بين شقوق البلاط

"أنجل، إذا كان هناك ما يشغل بالك، أخبريني. تعلمين أنني بئر أسرارك مهما كانت "

نظرتُ إليها قليلا، ثم اقتربتُ منها دون أن أعي، ولففتُ ذراعي حولها بعفوية

كانت رغم فارق العمر بيننا الوحيدة التي تفهمني، الوحيدة التي تمنحني ذلك الشعور النادر بالأمان

"أقسم أن لا شيء يزعجني"

ابتسمت بلطف، ثم رفعت يديها، وأبعدتني قليلا لتنظر إلي مباشرة، عيناها البنيتان تشعّان دفئا تحت رموشها المنسدلة

"إذن، لتُثبتي ذلك... عليكِ أن تأكلي معنا "

شهقتُ بخفوت، وكأنها طلبت مني ارتكاب جريمة لا تُغتفر

مشاركة الطعام مع أيدن؟!

لا... ليس هناك ما هو أسوأ من ذلك

فكرتُ لبعض الوقت في عذر يُمكنني أن أنسحب به من هذا الموقف، ولكن عبثا

لم أجد مخرجا

كنتُ على وشك اللجوء إلى الكذب، أن أدعي المرض لعلني أفلت من هذا المأزق، لكن نظرات أدلين لم تمنحني تلك الفرصة

كانت تُحدق بي بلطفها المعتاد، ذلك اللطف الذي يصبح مزعجا حين لا ترغب في مواجهته، حين يجعلك عاريا من كل حججك الواهية

لا مهرب

نهضتُ معها، وهي تمسك بذراعي، تقودني خارج الغرفة كما لو كنتُ طفلة عنيدة

وبعد دقيقة، وجدتُ نفسي تجلس على طاولة العشاء، أشاركه... وكأن القدر يسخر مني

كان جالسا على الطرف المقابل، يُلقي نحوي بين الحين والآخر نظرات لا أستطيع فك شيفرتها

نظراته كانت خليطا من العبث والخبث وربما شيء آخر أكثر غموضا، شيء لم أستطع إدراك

كانت كالفضاء، لا يمكن توقع ما يخفيه

لكنها مع ذلك... جميلة

نعم، لا يمكنني إنكار ذلك، عيناه الخضراوان الحادتان كانتا تحملان جمالا غريبا

جمالا لا ينتمي إلى عالم الأمان... بل إلى عالم الفوضى والمخاطر

لكن، كما يبدو، لم أكن الوحيدة التي تُحدق

وحين أدركتُ أن نظراتنا امتدت أكثر مما ينبغي

أن أحدا منا لم يملك الجرأة ليصرف بصره، انتبهتُ إلى غرابة الموقف وسارعتُ إلى إزاحة عيني بعيدا، مُتجاهلة ذلك الخفقان الطفيف في صدري

"إذن، من أين أنت؟"

جاء صوت أمي ليكسر حاجز الصمت

رفعتُ حاجبي بدهشة، ورفعهما معها الجميع

سؤال غبي... كيف تسأله عن موطنه وهو أحد أبناء هذا الحي؟!

سرعان ما أدركت أمي زلتها، فضحكت قائلة بتدارك

"أوبس... كان ذلك سؤالا غبيا، لكني أردتُ فقط كسر الصمت "

ساد صمتٌ آخر، وكأننا جميعًا نتساءل إن كانت تُدرك فعلا أنها لم تُحسن الاختيار

أدرتُ عيني بملل، لكن حين عادت نظراتي إليه، وجدته لا يزال يحدق بي... ولسبب لا أفهمه، كانت نظرته هذه المرة دافئة، لطيفة على نحو غريب

ما سر نظرات هذا العابر؟ وما الذي يجعله يحدق بي بهذه الطريقة؟

قطعت أمي الصمت مرة أخرى، بصوتها الذي لا يتحمّل السكوت طويلًا

"إذن، أيدن، ماذا تفعل في حياتك؟"

رفعتُ ناظري إليه مجددا، أنتظر جوابه... ترى، ما الذي يخفيه هذا الشاب ذو الابتسامة العابثة؟

꧁ pov aiden ꧂

كان من سألتني أدلين... أختها الكبرى... وقد لاحظت نظراتي التي لم تتزحزح عن أنجل، تلك النظرات التي، رغم جرأتها، لم يلتقط أحد من الحضور مغزاها الحقيقي

تبا للجميع... كل ما أردته هو أن أملأ عيني بوهج هذا الجمال المسكون بها

كيف لإسم أن يليق بصاحبه إلى هذا الحد؟ أنجل... وهي بالفعل كذلك، ملاك يتجسد في هيئة بشرية

لكن استراق النظرات هذا لم يدم طويلا، فقد قاطعتني أدلين بتلك النظرة الفاحصة، وكأنها تسألني صراحة

لماذا تحدّق بها بهذه الطريقة؟

أو ربما

كيف تجرؤ على التحديق بها أمام عائلتها بهذه الوقاحة؟

لو كان الأمر عائدا لي وحدي، لكنت الآن مستندا على كفي، أحدق بها بلا رمشة عين، أتأمل تفاصيلها بصبر النحات الذي ينحت ملامح الأبدية

وما أفعله الآن، مقارنة برغباتي الحقيقية، لا يعدو كونه قمة الاحترام! أليس كذلك؟

حسنا... لنعد إلى الواقع قليلًا

ماذا كنت أفعل هنا أصلا؟

"ماذا تدرس؟"

قطع حبل أفكاري صوت والدتها، التي تحمل من السواد ملامحها كما تحمل السماء ليلها

تساءلتُ للحظة... وحدها أنجل كانت ذات عيون خضراء بينهم، ربما ورثتها عن والدها

"أدرس لأصبح شرطيا "

ساد الصمت لثوان... ثم اتسعت أعين الجميع، كأنني نطقت بجملة لا تليق بشخص مثلي

أما أنجل، فقد رمت كوب العصير الذي كان بين يديها دون وعي، وعلامات الذهول ارتسمت بوضوح على ملامحها

ماذا؟ هل قولي بتلك الغرابة حقا؟

صحيح أنني رجل متمرد، نشأت في فوضى الشوارع وأدمنت العيش على حافة القوانين، والآن أقول إنني أطمح لأكون شرطيا؟

حسنا... أوافق، الميزان هنا مختل قليلا

"شرطي؟"

كانت هذه أول كلمة نطقتها، بصوت متحشرج بالدهشة، وكأن الفكرة ذاتها لا تستقيم في عقلها

"نعم، شرطي... مثل أبي"

رأيت كيف انعقد حاجبا أدلين في حيرة، أدركت فورا ما يجول في عقلها

كيف يمكن لابن شرطي أن يبيع المخدرات ويعيش خارج حدود القانون؟

لكن هل يهمني ما يفكرون فيه؟

بالطبع لا

أنا أجلس الآن أمام الجمال ذاته، وهذا وحده أهم من كل الأسئلة

أعدت نظراتي إليها... إلى ملامحها التي تتراقص بين الهدوء والحدة، إلى عينيها اللتين اختبأ فيهما سؤال غامض

وهي تحتسي عصير التوت ببطء، ترمقني بنظرة جانبية، وكأنها تحاول أن تفكك شيفرة تحديقي بها

لكن، من قطعت هذا السكون لم تكن أنجل... بل أفالونا

شقيقتها الصغرى

التي لم تكن تكترث كثيرا بما يجري حولها، مشغولة بهاتفها، ثم نطقت فجأة

"لقد لاحظت أنك تنظر إلى أنجل كثيرا... هل هناك مشكلة؟"

ابتسمت، وأنا ألقي نظرة خاطفة على أنجل التي بدت غير متأثرة ظاهريا، لكنها في الواقع كانت تحاول إخفاء ارتباكها

"لا شيء... كنت فقط أتساءل كيف لعائلة مثالية الجمال أن تضم فردا قبيحا بينهم... هل هي متبناة؟"

رفعت أنجل عينيها نحوي، نظرة باردة، ثم أدارت عينيها بمزيج من الممل واللامبالاة، لكنني كدت أسمع في أنفاسها المكتومة لعنةً غير منطوقة

حبيبتي... التي لم تدرك بعد أنها قد أصبحت كذلك

✰✦✦✦✦✦✦✰

بعد قضاء بعض الوقت مع عائلة صديقي، حان وقت رحيلي أخيرا

لن أقول إنني استمتعت برفقتهم، فذلك سيكون إنكارا للحقيقة، لكن لا أنكر أن جزءا كبيرا من استمتاعي كان بسببها

بسبب تلك النظرات الحادة التي كانت تلقيها علي كلما شعرت أنني أطيل النظر إليها

لم أستطع مقاومة سحر عينيها الخضراوين، اللتين كانتا تنظران إلي كأنهما تستعدان لتمزيقي إربا

هل كنت أستمتع باستفزازها؟ ربما... من يعلم؟

نهضت من مقعدي استعدادا للخروج، لكن صوت والدته أوقفني

"لورينزو، صاحب صديقك إلى الباب"

لم يكن لورينزو ليرفض طلبها، لكنه بالكاد هم بالقيام حتى قطع رنين هاتفه اللحظة

رأيته يعقد حاجبيه بامتعاض، رفع يده مشيرا بأنه مشغول، ثم أجاب بصوت جاف

"نعم، أبي "

توقفت للحظة، أراقب التوتر الذي اجتاح الجميع بمجرد ذكر اسم والده، لكنني لم أملك الوقت الكافي للتفكير في الأمر، فقد قاطع صوتها أفكاري

"أنجل، يبدو أن وقت خروجك قد حان، صاحبيه إلى الباب، فهو في النهاية ضيفنا"

هل قلت من قبل إن حظي اليوم كان جميلا على غير العادة؟

لا؟

حسنا، ها أنا أقولها الآن

رأيتها تتأفف بانزعاج قبل أن تتحرك نحو الباب بخطوات ثقيلة، وكأنها تسير إلى حتفها

تبعتها بخطوات هادئة، لكن مع ابتسامة لعوب لم تفارق وجهي، جاهزا لاستفزازها أكثر

"سندريلا، انتظري..."

قلتها بينما أتأملها من الخلف

استدارت إلي بعينيها الغاضبتين، فتابعت بمرح

"إذا، أنتِ أخت لورينزو؟"

زفرت بضيق وهي تواصل سيرها، لكنني لم أتراجع

"هل قال لكِ أحد من قبل أنكِ بشعة؟ لدرجة أنني قضيت كل الوقت أحاول اكتشاف كيف أصبحتِ الوحيدة القبيحة في عائلة جميلة؟"

لم ترد، فقط أسرعت الخطى، لكنني لم أترك لها فرصة للهروب

"أين تذهبين في هذا الوقت المتأخر؟"

أجابت ببرود دون أن تنظر إلي

"ليس لك دخل "

"إذا أخبرتني، قد أتوقف عن إزعاجك "

رمقتني بنظرة نارية، ثم أدارت وجهها مجددا، تواصل سيرها في صمت

لكنني لم أتوقف

"هل تذهبين لمقابلة رجل؟ أم أنكِ تخططين لخطبتي؟"

توقفت فجأة، تحدق بي بعدم تصديق، فتابعت بجدية مزيفة

"أعرف أن الرجال هم من يخطبون النساء، لكنني أعي تمامًا أن جمالي أوقعكِ في شباكه، ولم تستطيعي الصبر حتى أطلب يدكِ، فقررتِ التقدم بنفسك... لكن يؤسفني أن أخبركِ أنكِ لا تناسبين معاييري "

راقبت تعابير وجهها تتبدل بين الذهول والغضب، بينما كنت أضع يدي على صدري، مغمضا عيني بتأثر مصطنع

"يا لي من رجل مسكين... كيف لي أن أكون بهذا الجمال والذكاء معا؟"

لم تنتظر أكثر، تابعت سيرها محاولة الهروب مني، لكنني لحقتها سريعا، فخطواتها القصيرة لم تكن في صالحها

"كم طولكِ سندريلا؟ إصبع ونصف؟"

استدارت نحوي أخيرا، لكنها لم تكتفِ بنظرة غاضبة، بل انهالت علي بوابل من الشتائم، بعضها لم أكن أعرف أنه موجود أصلا

"تدرين أن الشتائم تُنقص من الجمال؟ وهذا ليس لصالحك، تخيلي أنكِ ستزدادين قباحة!"

"من قال هذا الهراء؟"

"أنا "

استدرت مبتسما وكأنني انتهيت من الحديث، تاركا خلفي كتلة من الصدمة، و بالتأكيد بلا زيادة في الجمال

بعد دقائق من المشي، وجدت نفسي أمام البحر

توقفت أنجل عن السير، تأملت الأمواج المتراقصة تحت ضوء القمر، استنشقت الهواء العليل، ثم جلست على الرمال

راقبتها بصمت، ثم قررت أن أشاركها لحظتها الخاصة

جلست بجانبها، وضممت ساقي إلى صدري تماما كما فعلت

للحظة، لم يكن الأمر سيئا كما ظننت

"هل تأتين إلى هنا كثيرا؟"

"كل يوم، وفي هذا الوقت"

اكتفيت بإيماءة قصيرة، بينما استمرت أعيننا تراقب البحر

لكن ما قاطع الهدوء هو رؤيتي لولاعة بين أصابعها، تخرج من جيبها علبة سجائر

شعرت بالذهول، هل هي... تدخن؟

لم أستطع منع نفسي، نزعت السيجارة من بين شفتيها قبل أن تشعلها، فتأملتني بغضب

"ماذا تفعل؟"

"أرقص؟ ماذا تظنين؟"

رغم محاولاتي لإنكار الأمر، لكن الحقيقة كانت واضحة أمامي... أنجل مدمنة سجائر

"لماذا؟"

سألتها بنبرة جادة

"ليس لك دخل "

أخذت السيجارة من يدي، أشعلتها، واستنشقت سمومها دون تردد

كنت أفكر... ما الذي أوصلها إلى هذه المرحلة؟

ما الألم الذي حملته وحدها حتى وجدت في الدخان عزاءها؟

مددت يدي، فتحت العلبة أمامي، لكنني لم آخذ واحدة جديدة، بل سحبت السيجارة التي بين أصابعها، استنشقت منها، ثم نظرت إليها

"إلى أي مدى بلغ بك الأمر لتصلي لهذا؟"

"إلى مدى لن تفهمه، إلى حدٍّ لا يمكنك تخيله"

لم أسألها المزيد، فقط تبادلنا السيجارة بصمت، أنا أستنشق وهي تستنشق، حتى بدا الأمر كأنه حوار بدون كلمات

"الحياة ليست عادلة للجميع، وقد يضطر البعض إلى التعود على البكاء وهم صغار "

كانت عيناها لا تزالان معلقتين بالبحر، لكنها حولت نظراتها إلي بعد كلماتي

استنشقت آخر نفس من السيجارة، ثم مدت لي ما تبقى منها، فأخذتها بهدوء

"احكِ لي عن أوجاعك... ربما أجد في ألمك عزاءً، وربما تجد في ألمي نسيانًا "

وهكذا، انفتحنا لبعضنا البعض. تحدثتُ عن ماضٍ مليء بالجوع والفقر والخذلان، وعن الطفولة التي لم تكن إلا سجنًا من الألم

وحكت هي عن عائلة لم تعرف الرحمة، عن أب لا يستحق هذا اللقب، عن خيانات وشتائم وجروح لم تلتئم

وفي نهاية كل شيء، كان هناك صمت

"بماذا تشعرين؟"

سألتها أخيرا

نظرت إلي مطولا قبل أن تجيب بصوت خافت

"كلما تذكرتهم، تخيلت كيف أقتلهم.... كل مرة أغضب، أرسم في ذهني طرقًا للانتقام... أصبحت أكره كل من أذاني، ولا أجد في قلبي ذرة رحمة لمن جرحني"

رغم قسوة كلماتها، وجدت نفسي أبتسم

يا لهذه الفتاة، كيف لم ألتق بها من قبل؟

لكن، للحظة، خطر لي سؤال مخيف

ماذا لو كرهتني أنا أيضا؟

"هل هذا يعني أنني يجب أن أحذر منكِ، سندريلا؟"

ضحكت لأول مرة، وكشفت لي عن غمازتين لم أنتبه لوجودهما سابقا

"لطفا، لا تضحكي مجددا، تبدين... قبيحة أكثر"

كانت الكذبة واضحة، لكنها لم تحتج إلى ردي.

نهضت، نفضت الرمال عن ثيابها، وقالت وهي تستعد للرحيل

"آمل ألا نلتقي مجددا "

راقبتها تبتعد، لكنني لم أستطع مقاومة ندائها للمرة الأخيرة

"سندريلا، ألن تتركي لي حذاءك؟"

لم تلتفت، لكنها أجابت بسخرية

"ولم أفعل وأنت تعرف بيتي؟ سأترك لك شيئا أسوأ"

"هل قال لك أحد من قبل... أنك أكثر واحدة مستفزة قابلتها؟ ومع ذلك... ما زلتِ أجمل لغز عجزت عن حله"

وبهذا، اختفت في الظلام، وتركتني مع فكرة واحدة فقط

أنجل بدأت تعجبني، وآمل ألا أقع في حبها... لأن ذلك سيكون أجمل وأسوأ شيء قد يحدث لي

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

You held my heart √

المؤلف Robolline
2025/07/25 مكتملة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة