بين رفوف الكتب... و بين نبضات قلبي

بين رفوف الكتب... و بين نبضات قلبي

16 0

ها هو صباح جديد يبزغ، يحمل معه بداية يوم دراسي آخر

لكن، لا تسيئوا الفهم!

لم يكن السبب شغفي بالدراسة، فمن ذا الذي يحبها بحق؟ أيعقل أن يكون هناك كائن أحمق يعشقها؟ لا أظن ذلك

ارتديت فستانا أزرق داكنا، طويلا، تتخلله فتحة صغيرة عند ساقي، ينساب برقة على جسدي، يبرز تفاصيله بانسيابية هادئة

شعري، كما اعتاد أن يكون، متموج، ينسدل حتى آخر ظهري، يرقص مع نسمات الصباح... تماما كما سيرقص قلبي حين أراه

نيفيان

سرت الببطأ في شوارع البرازيل، لا لأنني كنت أستمتع بالمشي فحسب، بل لأنني لم أكن قد تأخرت بعد

كنت أتأمل الحي الجديد الذي انتقلنا إليه، أحفظ ملامحه، أتعرف على تضاريسه، التي تختلف عن وطني السابق

الشوارع هنا كالسلالم، تتدرج صعودا وهبوطا، على عكس شوارع بلدي، حيث كانت المنحدرات تحكم المشهد

تركنا المكسيك خلفنا، أجبرنا على الرحيل، طردنا من منزلنا على يد أبي

وانتهى بنا المطاف هنا، في أكثر الأحياء شعبية وخطورة، حيث تجارة المخدرات تزدهر، وحيث القتل ليس سوى خبر عابر يتناقله الناس بلا دهشة

ريو دي جانيرو

لكن، هل أثار ذلك في خوفا؟ هل زرع في قلبي رهبة؟

بالطبع لا

لم يكن هناك شيء جديد في الأمر، فقد عشت في أحياء تشبهه، أحياء لا تدخلها الشرطة، أحياء اختبأت فيها أسرار كثيرة، بعضها كنت شاهدة عليه، وبعضها كنت جزءا منه

كان أبي غارقا في التعاطي، بينما كان أخي غارقا في البيع

لم يكن في حياتي سوى دائرة مغلقة من الظلام، وها أنا أقف على مشارف ظلام جديد

لمحت من بعيد هيئة أيدن

كان يترجل عن دراجته النارية، فتذكرت محادثتنا بالأمس، حين أخبرته القليل عن حكايتي، ليس كل شيء بالطبع

فقط ما قد يسمعه من الآخرين، ما قد يبلغه به لورينزو أو غيره

أما الحكاية الحقيقية، الحكاية التي لا يعرفها أحد... فقد أبقيتها لي وحدي

كان أيدن يتحدث إلى شاب، ولم يثر الأمر فضولي حتى

لكن ما لفت نظري حقا كان التبادل الصامت بينهما، لم يكن صعبا علي أن أدرك ما يحدث، فقد رأيت ذلك كثيرا

بيع وشراء، صفقة صغيرة في ركن شارع مغمور

المخدرات

لم يكن في الأمر ما يدعو للدهشة، هنا، المخدرات والجرائم أشبه بتحية الصباح، يتبادلونها كما يتبادل الآخرون كلمات الوداع واللقاء

خفضتُ نظري، أسرعتُ خطاي قليلا، تمتمتُ دعاء خافتا بألا ينتبه إلي

بألا يلتفت إلي، بألا يبدأ مضايقتي كعادته...

لكن ظني خاب، كالعادة، حين تسللت إلى مسامعي تلك الكلمة التي لطالما كرهتها منه

"سندريلا!"

صوته الجهير شق صمت الصباح، لكنني لم أعره انتباها، أو على الأقل تظاهرت بذلك

من طرف عيني، رأيته يربت على كتف الشاب الذي كان معه، يودعه بنظرة مطمئنة، قبل أن يحول أنظاره إليّ، نظرة تفترسني بجرأة اعتدتها منه

قطعت تواصل النظرات فورا، وأسرعت في خطاي، وكأنني بذلك أبعث إليه برسالة واضحة

لا تلحقني!

لكن... وهل ينفع ذلك معه؟

لا

هل يستمتع بإغاظتي بكل ما أوتي من وقاحة؟

نعم (بالأخضر، تأكيدا لا شك فيه)

لا أدري كيف فعلها، لكنه كان يسير بجانبي في لحظات، وكأن الهواء حمله إلي، بخطواته الهادئة التي تناقضت تماما مع سرعتي الهاربة

حاولت التفوق عليه، لكن دون جدوى... فكل خطوة مني يقابلها خطوتان منه، وكأن قامته الطويلة قد خُلقت خصيصا لإفشال محاولاتي في تجاوزه

ابتسم بازدراء خفيف وقال بنبرة ساخرة

"إذا كنتِ تحاولين الفرار، فقد فشلتِ... وإن كنتِ تسعين لمسابقة مشي، فدعيني أوفّر عليكِ العناء، ستفشلين أيضا "

نفختُ الهواء من فمي بضيق، ليس فقط بسبب كلماته، بل بسبب وجوده نفسه

إنه كالألم في المؤخرة... وكلاهما ملعونان

عاهر

نظر إلي بنظرةٍ ماكرة، قبل أن يقول

"وتتساءلين لماذا أناديكِ سندريلا؟ ها أنتِ ترتدين الأزرق ليومين متتاليين... فقط بدرجةٍ مختلفة!"

حسنًا... لقد كان محقا

لكن اللعنة على حبي للأزرق!

"تمهلي، سندريلا... يبدو أنني سأغير لقبكِ إلى "سنفورة" بدلًا من ذلك... الأزرق يليق بكِ أكثر، لا سيّما مع طولكِ الضئيل "

بدأت أفقد صبري... وبدأت شخصيتي السابعة في الظهور، تلك الشخصية القليلة الأدب، التي لا تُطيق ثقله

"اذهب إلى الجحيم! دعني وشأني، واللعنة، ماذا تريد مني؟"

كان يرتدي ملابس رياضية زرقاء داكنة من نايك، وحذاء رياضيا أسود من نفس العلامة، وكأن وجوده كله صُمّم له

في عينيه الخضراوين لمعت شرارة العبث، كان يستمتع باستفزازي، يستلذ بإغاظتي

تبا له... وتبا لعيونه أيضا

"بالمناسبة، سندريلا... بماذا كانت تُطعمكِ والدتكِ حتى لا تنمو قامتكِ؟ أريد أن أتجنب إطعامه لأولادنا مستقبلا "

ما دخل الطعام في طولي؟ وما دخل...

انتظر... ماذا؟!

توقفت عن المشي، التفت إليه بصدمةٍ ارتسمت على ملامحي، عيناي متسعتان، وكأنني لم أسمع جيدا

لعلني أخطأت الفهم؟ لعل سمعي قد خانني؟

لكنه، وكعادته، أبى إلا أن يزيد الطين بلة

"أقصد أولادي، طبعا... يا إلهي، سندريلا، لم أكن أعلم أنكِ متحمسة لهذا الحد لتصبحي زوجتي وأما لأطفالي؟ أعلم أن هذه مجرد دهشة، لكن... هل شعرتِ ببصيص أمل، ولو للحظة؟"

يا له من ثقيل دم

حاولتُ تجاهله، تابعتُ سيري غير آبهة، لكنه لم يستسلم، بل رفع صوته فجأة، مما جعلني أنتفض فزعا

"يا إلهي! انظري إلى هذا الجمال الساحر! كيف يمكن أن تجتمع الوسامة والذكاء وكل الصفات الرائعة في شخص واحد؟! أنا عاجز عن التنفس!"

رفعتُ عيني لأرى إلى من يشير... ثم تنهدتُ بإحباط

إنه يشير إلى... مرآة

نرجسي

كنتُ أعلم ذلك منذ البداية، لكن أليس في هذا شيء من المبالغة؟

تقدم نحوها، تفحص انعكاسه بإعجاب، ثم غمز لنفسه في المرآة وضحك

"أوه، إنه أنا!"

لو دخل مسابقة ذكاء وكان هو الوحيد المشارك فيها... لاحتل المركز الثاني

كان مشغولا بنفسه، فانتهزت الفرصة، أسرعتُ في سيري، لكنه انتبه متأخرا، فلحق بي بخطوات سريعة

قلتُ دون أن أنظر إليه

"ألا تخشى على دراجتك النارية؟ تركتها في الشارع، ونحن ابتعدنا كثيرًا عن موقعها... وكما تعلم، هذا الحي كل شيءٍ إلا آمن!"

توقعتُ أن يرد بسخرية، لكنه بدلا من ذلك، عاد إلى هدوئه الغريب، وكأن ذلك الشخص الثرثار لم يكن موجودًا منذ لحظات

قال بصوت منخفض، لكنه محمل بثقة باردة

"كانت ستسرق لو كانت ملك شخصٍ آخر... لكنها ملك Guerra"

توقفت لثانية، أستوعب ما قاله

كان يقصد نفسه بـالحرب

تذكرت حديث أخي ذات يوم، حين قال لي إن الحي بأكمله يناديه بهذا اللقب

"الدراجة ستُسرق لو كانت ملكا لأي شخص آخر... لكنها ملك الحرب"

نظرت إليه، لكنه كان قد ابتعد عني بعدة خطوات، يسير بخفة، وكأن هذه الكلمات لم تحمل وزنا أبدا

تنهدت بصمت، ثم تابعتُ طريقي نحو المدرسة، محاولة أن أتجاهل وقع كلماته في عقلي

꧁ pov aiden ꧂

كنتُ أمشي بخطوات هادئة، وإبتسامة جانبية تتسلل إلى وجهي، خفيفة بالكاد ترى، لكنها كانت هناك شاهدة على أفكاري المتشابكة

لقد رحلت، ولم تعد ترى ملامحي، لكن ذلك لم يهم، فما تركته خلفها كان أكثر من مجرد ظل باهت على الطريق

كيف لهذه الغبية أن تبدأ بالتسلل إلى عالمي بهذا الشكل؟ كيف لها أن تصبح شيئا يشدني، دون أن تدرك حتى أنها تفعل ذلك؟

الأكثر من ذلك، أنها لم تستوعب بعد أنني كنت أقصدها حين أشرت إلى المرآة

لقد ظنتني نرجسيا

ولن ألومها

كيف لا أكون نرجسيا

وأنا الذي صنفتها ... دون وعي مني.... ضمن الأشياء القليلة التي تجذب انتباهي

التي تثير فضولي، التي تجعلني ألتفت؟

أنا لا أريد الاعتراف بذلك... لكنني أعرف الحقيقة جيدًا

لن تكون مجرد ذكرى عابرة

✧✦✦✦✦✦✦✧

دخلت الفصل بخطوات هادئة، لكن قلبي كان في سباق محموم، يبحث عن شيء واحد، عن شخص واحد

نيفيان

لكنه لم يكن هناك بعد

هل كنت متحمسة إلى هذا الحد؟

هل دفعني شوق خفي للحضور مبكرا لمجرد رؤيته، رغم أننا ندرس معا يوميا؟

تجاهلت ذلك الإحساس الذي تسلل إلي دون إذن، واتجهت إلى مكاني المعتاد

جلست، أخرجت هاتفي، وغصت في تصفح الإنترنت، فقط لأشغل نفسي عن الأفكار التي لا أريد مواجهتها

كان الصف شبه فارغ، ولم أعر الأمر اهتماما

فتحت الإنستغرام، وقلبت الصور بلا اكتراث... إلى أن وقعت عيناي على وجوه مألوفة

أصدقائي القدامى

من المكسيك

كرهت أن أعترف بذلك

لكن... لقد اشتقت لهم

اشتقت لحياتي السابقة، حيث كنت أعرف الجميع، وحيث كنتُ أنتمي

أما هنا... هنا كنت غريبة، دخيلة على الصف، دخيلة على الحي، دخيلة على كل شيء

لا أدري كم مضى من الوقت وأنا غارقة في أفكاري، لكني أدركت تأخره أكثر من اللازم

وأخيرا... دخل

رفرفت أنفاسي قبل قلبي وهو يخطو إلى الداخل، وكأنني أراه للمرة الأولى

هل ازداد وسامة بين ليلة وضحاها؟

كان يرتدي قميصا أبيض، وسترة رمادية، وسروالا بنفس اللون، وحذاء رياضيا يتناغم مع إطلالته

شعره المبعثر بدا وكأنه تموجات الفوضى الأنيقة، سماعاته اللاسلكية مستقرة في أذنيه، أما تعابير وجهه

مزيج بين الملل والغضب

حاولت أن أفك شفرة ملامحه، لكنها استعصت علي، وبقيت جميلة رغم ذلك

جلس أمامي، بجسده القوي الذي بدا وكأنه يحجب عني الضوء، فتح كتابا وراح يتصفحه

متجاهلا وجودي تماما

حسنا

سأتجاهله بدوري

لكن الحقيقة؟ الحقيقة أننا لا نرتبط بأي علاقة صداقة من الأساس

دقائق مرت، حتى دخل الأستاذ وبدأ الشرح

كان الجميع يدون ملاحظاته، أما أنا؟ فقد اكتفيت بالاستماع، دون أن أخط حرفا واحدا على دفتري

لاحظ ذلك

التفت إلي فجأة، عاقدا حاجبيه

"لماذا لا تكتبين أي شيء؟"

رفعت نظري إليه، التقيتُ بعينيه الخضراء الداكنة، وسرحتُ للحظة... كأنني كنت بحاجة إلى ثانية إضافية لاستيعاب كلماته

ثم ابتسمتُ بخفة، وقلتُ بثقة

"ليس قلمي من يكتب، بل عقلي... أتذكر كل شيء بمجرد أن أسمعه"

رفع حاجبه، يشكك في كلامي

منطقي، فمن يجلس في محاضرة دون أن يدون حرفا؟

"إذن... كرري ما قاله"

أوه، لقد رماني في التحدي مباشرة

نظرت إليه بثبات، وتجاهلتُ ذلك الصوت في رأسي الذي أخبرني أنني كنت أتأمله أكثر مما ينبغي

ثم كررتُ كل ما قاله الأستاذ، باختصار، لكن بدقة

كنت أريد أن أثير اهتمامه، أن يلاحظ أنني مختلفة، أنني مميزة...

لكنه استدار عني فجأة، وكأن شيئا لم يكن

عذرا؟!

هل أنت قليل الأدب، أم أن الأدب قليل فيك؟!

شعرت برغبتي في التهكم عليه، لكني اكتفيتُ بالنظر إلى دفتري، محاولة استعادة كرامتي التي ذهبت معه دون إذن

بالنسبة له

كانت مجرد محادثة عابرة

مجرد تصرف لامبالي

لكن بالنسبة لي؟ لم أهتم...

أو على الأقل، حاولتُ إقناع نفسي بذلك

مرت الدقائق بطيئة، كأن الزمن قرر أن يُعاقبني على غروري بمحاولتي لفت انتباهه

حاولتُ أن أستمع للدرس، لكن عقلي كان في مكان آخر... في عينيه، في تجاهله، في السؤال الذي لم أجد له إجابة

لماذا لا يهتم؟

أنا لست ممن يمرون دون أن يلاحظهم أحد، لطالما كنتُ محور الاهتمام، حتى عندما لا أسعى إليه

فلماذا، من بين الجميع، هو الوحيد الذي لا يبدو مكترثا؟

أدرت القلم بين أصابعي بشرود، غارقة في دوامة أفكاري، حتى تسلل صوت منخفض إلى أذني

"أنتِ مجنونة "

رفعت عيني بسرعة، ووجدته يكتب شيئا في كتابه، دون أن يلتفت إلي

لم أكن متأكدة مما إذا كنت قد سمعته حقا، أم أن عقلي بدأ يختلق الأشياء من شدة انشغاله به

لكن قبل أن أقرر، جاء صوته مرة أخرى، بالكاد مسموعا

"من يحفظ كل شيء دون أن يكتب؟ هذا ليس عقلا، بل هارد ديسك "

رغم سخريته، لم أستطع منع نفسي من الابتسام

هذا يعني أنه لم يكن يتجاهلني تمامًا، بل كان يراقبني بصمته المعتاد

تقدمت نحوه قليلا، ساندت ذقني على كفي وهمست

"وهل تهتم؟"

لم يتوقف عن التظاهر بالانشغال، لكنه قال بهدوء، دون أن ينظر إلي

"أنا فقط أراقب الظواهر الغريبة "

ضحكت بخفة، ثم تمتمت وأنا أعود إلى مكاني

" أنت غريب "

لم يرد

ولم يكن بحاجة إلى ذلك

فقط، بعد لحظات، سمعتُ أنفاسه تنساب بين الكلمات

"ربما "

✧✦✦✦✦✦✦✦✦✧

هناك شيء فيك يجذبني، ليس بوضوح الحب، ولا بسطحية الفضول

بل هو شيء بينهما تماما، مساحة رمادية بين القلب والعقل

أعجبني فيك ما لم أستطع تفسيره، ربما هي طريقة حديثك، أو لمعة عينيك حين تبتسم، أو حتى هدوؤك حين يغرق الجميع في الضجيج

لستُ متأكدا إن كنتُ أريد الاقتراب أكثر، أم أنني أكتفي بهذا الشعور العابر

لكنه شعور جميل، يشبه نسمة باردة في يوم صيفي، يشبه ضوء القمر حين يكون بدرا

بسيط، لكنه يأخذ الانتباه كله

حين ناداني الأستاذ باسمي، كنت غارقة في تأمل نيفيان، وكأن عقلي قد علق بين ملامحه، بين خطوط عينيه الحادة وانحناءات شفتيه حين يتجاهل العالم من حوله

بدا وكأنه يسكن عالما آخر، عالما لا مكان لي فيه، ومع ذلك لم أستطع التوقف عن التحديق، كأنني أبحث عن خيط خفي يصلني به، ولو بنظرة عابرة

-"أنجل، هل أنتِ بخير؟"

السؤال ذاته بدا غريبا على مسامعي، كأن إجابته تحتاج إلى تأمل

كيف أكون بخير وذاك الجالس أمامي يبعثر أفكاري دون أن ينطق بحرف؟

كيف أكون بخير وأنا أحاول قراءة تعابيره، وأبحث عن أي إشارة، أي دليل يدل على أنه يدرك حتى وجودي؟

-"أنجل، أتسمعين ما أقول؟"

تداركت نفسي سريعا، أدركت أن نظرات الأستاذ كانت تنتظر إجابة، فقلت بسرعة

"نعم... نعم، أسمعك"

لكن الجرس كان أسرع مني، يعلن نهاية اليوم الدراسي بصوت معدني بارد

كأن لا شيء يستحق الانتظار

لا فرح ولا حزن، مجرد يوم آخر ينتهي، كغيره تماما، وكأن الحياة تمضي دون أن تترك أثرا يُذكر

حملت أغراضي وغادرت المدرسة وحدي، كما أفعل دائما

ليس لأنني انطوائية، بل لأنني ببساطة لا أحبذ أن يعرف أحد تفاصيل حياتي، كأنها سر صغير أحتفظ به لنفسي، بعيدا عن متناول الغرباء

سرت في الطريق المعتاد، وسط زحام من الأصوات والوجوه التي لم تعد تلفت انتباهي

الأحياء هنا صاخبة، لكنها رغم ذلك تبدو فارغة، وكأن الضوضاء مجرد ستار يخفي الوحدة التي يشعر بها كل شخص في داخله

وأنا أمشي، مررت بالعجوز ذاته الذي كنت أراه كل يوم، ذلك الذي يقف عند زاوية الشارع، ينظف الأرض وكأنها مملكته الخاصة

كان في الخمسين من عمره، أو ربما أكثر، وجهه الشائب يحمل تجاعيد الزمن، لكن عينيه كانتا مليئتين بحياة لم أفهمها بعد

لطالما كنت أراقبه بصمت، أسترق النظرات وأحفظ ملامحه، كأنني أبحث عن قصة خلف تلك التجاعيد، عن سر يجعله مستمرا في فعل الشيء نفسه كل يوم، بنفس الوتيرة، بنفس الإصرار

كان ينظف الأرض وكأن ذلك أكثر ما يعنيه في هذا العالم، وكأن في كل ضربة مكنسة يمحو شيئا من ماضيه

لم أكن أعرف عنه الكثير، ولم أحاول الاقتراب، لكنني كنت أشعر أنني أراه بطريقة لا يراه بها أحد غيري

وحين يلتفت نحوي، أشيح بوجهي سريعا، كأنني لم أكن أراقبه منذ لحظات

لم أكن أحب التقاء العيون، لطالما شعرت أن العيون تفضح ما تحاول القلوب إخفاءه، وأنا لم أرد لأحد أن يرى ما في داخلي

واصلت المشي، أتنفس رائحة المكان، أسمع ضجيج الشارع، وأحاول ألا أفكر كثيرا

لكن شيئًا واحدا كنت متأكدة منه

أتمنى ألا أقابل إيدن هذا المساء

✧✦✦✦✦✦✦✦✦✧

دخلتُ المكتبة بخطوات هادئة... وكأنني أخشى أن أوقظ الأرواح التي تسكن الكتب

كانت الرائحة المميزة للورق القديم تعبق في الأجواء، مزيج من الحبر والزمن، تماما كما أحب

مررت أصابعي ببطء على أطراف الكتب المصطفة كجنود من الحكايا، كل واحد منها يخفي عالاً ينتظر من يكتشفه

كنت أبحث عن كتابٍ يسرقني من الواقع، يخبئني بين صفحاته بعيدا عن صخب الحياة، حينما وقعت عيناي عليه

نيفيان

كان هناك، في الزاوية البعيدة، مستندا إلى الرفوف الخشبية العتيقة

يتصفح كتابا بتركيز لم أره عليه من قبل

كانت أصابعه الطويلة تقلب الصفحات برفق، كأنه يلامس شيئا مقدسا

كيف يمكن لشخص أن يكون جزءا من الضوضاء في الخارج

ثم يتحول هنا إلى لوحة صامتة تنبض بالهدوء؟

تأملته بصمت، وكأنني أخشى أن يتحول إلى سراب إن أمعنت النظر أكثر

انعكست الإضاءة الخافتة على شعره الأسود المبعثر بعناية، وعلى ملامحه الحادة التي ازدادت سحرا مع الجدية التي تلبسته

لم يكن يدري أنني أراقبه، أنه أصبح جزءا من قصة لم يكتبها، لكنه بطلها دون أن يعلم

رفعتُ كتابا عشوائيا من الرف، لم أكن أعي عنوانه حتى، فقط لأشغل يدي التي بدأت ترتجف بخفة

لكن اللحظة لم تدم طويلا

لأن عيناه رفعتا عن الكتاب... والتقت بعيني

وفي تلك الثانية، شعرت أن المكتبة بأكملها صمتت، أن الكلمات توقفت عن التنافر

وأنني وقعت في حب كتاب جديد

لكنه لم يكن ورقيا هذه المرة

رفع رأسه ببطء، وكأن القدر قرر أن يختبر نبضات قلبي في تلك اللحظة

التقت عيناي بعينيه... يا إلهي، عيناه

كانت خضراء كغابة غارقة في الغموض، كأوراق شجر يراقصها نسيم ناعم، عميقة إلى الحد الذي يجعلني أضيع بين درجات لونها المختلفة

ظل ينظر إلي، دون استعجال، وكأنه يستمتع برؤيتي متوترة تحت سحر نظراته

ثم... ابتسم

دعنا نتحدث عن ابتسامته لطفا

ابتسامة خفيفة، جانبية، بالكاد ارتسمت على شفتيه، لكنها كانت كافية ليختل توازني الداخلي

كافية ليجعلني أنسى أين أقف، ولماذا جئت، وحتى اسمي

كانت ابتسامته من النوع الذي لا تحتاج أن يكون عريضا ليصل إلى القلب، كانت ناعمة، مريبة، لكنها تحمل سحرًا لا يمكن مقاومته

تملكني شعور غريب، كأن الزمن تباطأ، وكأن المكان أصبح أضيق، ولم يتبق فيه سوى أنا وهو وشيء غير مرئي بيننا يشتعل بهدوء

أخفضت نظري بسرعة، أهرب من أثره قبل أن أجد نفسي متورطة أكثر، لكنني كنت أعرف... أعرف أنني لن أنجو بسهولة من هذه العيون...

ولا من هذه الابتسامة

كانت يداي تحيطان بالكتاب برفق، أقلب صفحاته ببطء وكأنني أقرأ، لكن الحقيقة أنني لم أعد أرى الحروف بوضوح

منذ أن التقت عيناي بعينيه، لم يعد هناك وجود للحروف، ولا حتى للكتاب

كان كل شيء يتمحور حوله هو فقط

أخفض نظراتي سريعا إلى الغلاف بين يدي، وكأنني أبحث عن مخرج من هذا الارتباك الذي بدأ يتسلل إليّ، لكن حين رفعت عيني مجددًا، كان يتقدم

خطواته بطيئة، واثقة، وكأنها مصممة خصيصا لزيادة اضطرابي

عيناه لم تفارقاني، لكنهما في لحظة خفيفة، انخفضتا إلى الكتاب بين يدي، ثم ارتفعتا إلي من جديد، وارتسمت على وجهه تلك الابتسامة الجانبية التي بدأت أخشاها

لأنها تفقدني توازني في كل مرة

وقف أمامي، قربي حد أنني شعرت بهالة حضوره تسيطر على الهواء حولي، ثم بصوته العميق، الرخيم، قال وهو يحدق في العنوان

"شكسبير، هاا؟"

كلماته خرجت ببطء، بنبرة خفيفة من السخرية، وكأنه اكتشف سرا صغيرا عني وأراد أن يمتحنني به

شعرت بأنفاسي تتعثر، ماذا أقول؟!

لماذا فجأة أشعر أنني لا أعرف شكسبير ولا أي شيء عن الأدب؟!

هل سحره قادر على جعلي أنسى حتى أعظم الأدباء؟!

ابتلعت ريقي، وحاولت أن أبدو طبيعية، لكن صوتي خانني وهو يخرج ضعيفا

"أعني... نعم... إنه... إنه شكسبير"

لم أصدق أنني قلت تلك الجملة الغبية

رفع حاجبه وكأنه يتسلى بارتباكي، ثم انخفضت ابتسامته قليلاً وهو يقول بنبرة هادئة

"غريب... كنت أظنكِ فتاة تحب القصص المليئة بالأسرار... لا المسرحيات التراجيدية"

أخذ مني لحظات لأدرك معنى كلامه... تراجيدية هي قصص مأساوية

نظرت للكتاب بين يداي كان عن روميو و جوليت للكاتب شاكسبير

حدقت به، لا أعرف إن كان هذا تعليقا عاديا أم محاولة أخرى لجعلي أفقد صوابي أكثر

لكن شيء واحد كنت متأكدة منه

أنني وقعت في مشكلة كبيرة

واسمها نيفيان

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

You held my heart √

المؤلف Robolline
2025/07/25 مكتملة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة