وقفت بينهما، بين ظلين مختلفين...
بين نيفيان، النبيل الذي سكنني بصمته
وإيدن، العاصفة التي اقتحمت عالمي دون إذن
وبينما كنت أنظر إليهما، شعرت أن الأرض لم تعد أرضا... وكأنني أسقط من سماء لم أكن أعلم أنني فيها
لم أفهم نظرة نيفيان، لكنها كانت حادة، مشتعلة بشيء يشبه الغيرة...
أم أنني كنت أتوهم؟
"لماذا كنت تمشين مع أخي؟"
قالها بصوت بارد، لكنه يحمل في طياته توترا لم أعهده منه من قبل
أخي!... عذرا لم اعتد على الكلمة بعد
رفعت رأسي نحو إيدن ببطء، رأيته يرمش بارتباك، وكأن كلمات نيفيان صفعته بنفس القوة التي صفعني بها القدر الآن
"أخي؟"
كررها إيدن بصوت يشوبه الذهول، وهو يحدق في نيفيان كأنه يراه لأول مرة، ثم التفت إليّ بعينين تملؤهما الريبة
"أنتما تعرفان بعضكما؟"
نيفيان لم يبعد نظره عني، وكأن إجابتي تعني أكثر مما أستطيع استيعابه
شعرت بقلبي يدق بقوة، كما لو أنه يحاول اللحاق بالعالم الذي بات يتحرك بسرعة جنونية من حولي
"نعم..."
نطقتها بصعوبة، وكأنها كانت ثقيلة على لساني، مثل سر لم يكن يجب أن ينكشف
ضحك إيدن بخفة، لكنها كانت ضحكة خالية من المرح، وكأنها وسيلة لإخفاء ارتباكه
"يا له من عالم صغير... كنت أعتقد أنني الشخص الوحيد الغريب في حياتك، لكن يبدو أنك بارعة في جمع المتناقضات، أنجل "
نطق إسمي وكأنه يعاتبني...او نوعا من الغيرة
كنت أشعر أنني أقف على خيط رفيع يفصل بين جنونين مختلفين، أحدهما يراقبني بصمت غاضب، والآخر يرمقني بدهشة غير مصدقة
ووسط كل هذا... لم أعد أعلم أيهما كان الخطر الحقيقي الذي علي الهروب منه
꧁ pov aiden ꧂
كان الحب وعدا نقيا
حلما نرسمه بأطراف أصابعنا فوق زجاج نافذة ضبابية، نؤمن أنه سيبقى، نثق أنه لن يتلاشى... لكنه فعل
كنتُ أراكِ وطنا، كنتُ أراكِ نجاة، لكنني أدركتُ متأخرا أن بعض الأوطان أوهام، وبعض النجاة ليست إلا غرقا مؤجلا
الحب؟ نعم كان جميلا في بدايته، كأغنية هادئة تداعب المساء، كأن شمعة في غرفة معتمة... لكنه مثل كل شيء جميل، كان زائفا
الخيبة؟ هي كل ما تبقى
صوت الرحيل الذي لم أتوقعه، نظرات لم تعد كما كانت، كلمات فقدت دفئها، ويد لم تعد تمتد حين أسقط
الحب علمني أن أؤمن، والخيبة علمتني ألا أُفرط في الإيمان
كنت أعلم أنني لست الأفضل... لكن لم أكن أظن أنني سأخسرها بهذه الطريقة
لطالما كنت الظل في حياته
ونيفيان كان الضوء
كنت الفوضى التي تثير الاشمئزاز، وكان هو الترتيب الذي يجذب الإعجاب
كنتُ القرار الخاطئ، وكان هو المثال الصحيح
نيفيان؟ ذلك المثالي الذي ولد ليكون كل شيء لا أستطيع أن أكونه
المتفوق...الذكي... المتزن... الذي لا يخطئ أبدا
لكنني لم أهتم، لم يهمني أنني لم أكن الأفضل في الدراسة، ولا الأكثر ثقافة، ولا حتى الأكثر تهذيبا
كنتُ أعيش على طريقتي، بدون الحاجة لإثبات شيء لأحد
كنت أعتقد أنني تقبلتُ ذلك منذ زمن... تقبلت كوني النسخة المشوهة
الفوضى التي لا تقارن به
لكنني لم أتقبل أن تأخذني الحياة كقطعة خردة وتضعني في مواجهته مرة أخرى
حتى جاءت هي
أنجل... الفوضى الجميلة التي اقتحمت حياتي دون سابق إنذار
كنت أظن، ولو لمرة، أنني امتلكت شيئا لم يكن لنيفيان
شيء لا يستطيع هو سرقته
شيء لا يستطيع أن يكون أفضل مني فيه
لكن الآن... وهي تقف هناك، بيني وبينه، تتحدث معه بلغة لا أفهمها، تنظر إليه بنظرات أعرفها جيدا
كنت أحمقا
كيف لم أفكر في ذلك؟
كيف لم ألاحظ أنه يشبهها أكثر؟
الطريقة التي تنظر إليه بها... ليست كما تنظر إلي
الحديث بينهما يتدفق بسلاسة، كأنهما خيطان نسجا من ذات القماش، وكأنني الغريب هنا، الزائد
الفائض عن الحاجة
لماذا؟ لماذا يجب أن يشبهها أكثر؟
أن يكون أقرب إليها مني؟
لماذا يبدو وكأن الحياة تقرر مرة أخرى أنني لا أستحق حتى الحلم
أنه قريب منها بطريقة لا يمكنني أن أكونها؟
أنني، في النهاية، مجرد محطة مؤقتة في طريقها نحوه؟
لكن لا... لن أسمح بذلك
نيفيان قد يأخذ كل شيء مني... لكن ليس هي
أنجل، التي جاءت إلى حياتي كعاصفة، التي علمتني كيف يبدو النور وسط الظلام، التي جعلتني أؤمن أنني أستطيع أن أكون شيئا أكثر من مجرد رجل تافه يبيع المخدرات
و الأوهام
أنجل، التي كنت أظن أنها الشيء الوحيد الذي تفوقت به عليه... والآن...
حتى هذا؟ حتى هي؟
أنا لا أبكي
لم أفعلها يوما، ولم أسمح لنفسي حتى أن أفكر فيها
لكن الآن، وأنا أراها تقف هناك، بيني وبينه، والهواء يثقل من حولي كأنني أغرق، أشعر أنني على وشك الانهيار
و لكن لا
الحياة سلبت مني كل شيء، لكنني أقسم، بكل هشاشتي التي لن أعترف بها، أنها لن تأخذها مني أيضا
꧁ pov nevian꧂
ايدن... هل قدري ان اكون دائما الشخص الذي يقف في الظل؟
الجميع يراني كما يريدون أن يروني
او بالأحرى...كما جعلتهم انا يرونني
الابن المهذب... المتفوق... الذي لا يخطئ أبدًا
الجميع يظن أنني اخترت هذه الحياة، أنني أردت أن أكون الصورة المثالية التي رسمها والدي
لكنهم لا يعلمون أنني مجرد سجين... سجين في جسد شخص يبتسم بأدب
يتحدث بثقة
وينفذ الأوامر دون تردد
لكنني لم أرد هذا
لم أرد أن أكون ذلك الابن الذي يفتخر به والده أمام الجميع بينما ينظر إليه أخوه وكأنه وصمة عار
إيدن... هل كنتُ ثقيلًا عليك لهذا الحد؟
لطالما نظرتُ إليك بإعجاب، لطالما رأيتك أقوى مني، أكثر حرية، أكثر شجاعة
كنتُ أتمنى لو أنني أملك جرأتك، قدرتك على التمرد، على العيش كما تريد، على رفض القفص الذي ولدنا فيه
لقد كنت قدوتي
كنت أحاول التقرب منك، كنتُ أبحث عن أي شيء يجعلني جزءا منك
كنت على استعداد لفعل أي شيء فقط لأسمعك تناديني بأخي
دون أن يكون في صوتك نفور... دون أن أشعر أنني دخيل على حياتك
كنت على استعداد لأقدم لك كل شيء... لكن ليس هي
ليس أنجل
أنجل التي لم ترني كما يراني الجميع
التي لم ترى في وجهي صورة الابن المطيع، ولم تسمع في صوتي صدى والدي
أنجل التي جعلتني أشعر، ولو للحظة، أنني لست مجرد ظل لشخصية لم أخترها... أنني شيء أكثر من ذلك
لكن الآن... حتى هذا الشعور، يجب أن أتنازل عنه لأجلك، أليس كذلك؟ كما فعلتُ طوال حياتي؟
لا، هذه المرة لن أفعل
قد أكون قد خسرتك منذ زمن
قد أكون مجرد ذكرى باهتة في حياتك
قد أكون الأخ الذي لم ترغب به يوما... لكنني لن أخسرك لها أيضا
ولن أخسرها لك
꧁ pov angel ꧂
كيف للقدر أن يضعني بين نقيضين، بين لهيب يتمرد على كل شيء وجليد يذوب ببطء خلف قناع الاتزان؟
أقف بينهما، بين أخوين يتشابهان بقدر ما يختلفان
وكأنني رميت في عاصفة لا تعرف السكون
أحب كليهما... لكن بأي حب؟
لا أفهم، أو ربما لا أجرؤ على الفهم
أيدن... كالفوضى التي تمنح الحياة نكهتها، يضيف في عالمي ضجيجا يجعلني أشعر أنني حية
ونيفيان... كصفحة كتاب قديم، مغطى بالحكمة، يسحبني نحو هدوء يغريني بالبقاء
أحاول أن أبحث عن إجابة بين ملامحهما، في نظراتهما التي تحاصرني، لكنني أهرب، لأنني أعرف أن اختيار أحدهما يعني فقدان الآخر...
وهذا ما لا أحتمله
.....
ساد صمت ثقيل بيننا، كأن الهواء نفسه تلبد بأفكار لم يُنطق بها
لم يكن صمتا مريحا، بل كان ممتلئا بالكلمات العالقة في الحناجر
بالمشاعر التي تصطدم بجدران الصدور دون أن تجد مخرجا
نيفيان كان يعبث بحافة قبعته، يضغط عليها بأصابعه وكأنه يحاول أن يبعد شيئا ما عن رأسه
ايدن كان يحدق في الأرض، نظراته ضائعة، وكأنه يبحث عن إجابة وسط الفراغ
أما أنا، فقد كنت بينهما، أستمع إلى الصمت وهو يصرخ بيننا، كأنه يفضح كل ما نعجز عن قوله
كل واحد منا كان يغرق في أفكاره، لكن لم يجرؤ أحد على كسر هذا الجمود
ربما لأننا كنا نخشى أن تنهار أشياء كثيرة إن نطقنا بحرف واحد
وقفت أمام باب المنزل، أستجمع أنفاسي المتبعثرة بينما أستدير لألقي نظرة أخيرة عليهما
أيدن كان ينظر لي بعيون نصف مغلقة، كأنه يحاول أن يحفظ ملامحي في ذاكرته
بينما نيفيان وقف صامتا، يداه في جيوبه ونظراته تحمل شيئا لم أفهمه بعد
ابتسمتُ بخفة، لكنها لم تكن ابتسامة كاملة، كانت مجرد شبح لابتسامة
ثم رفعتُ يدي بإشارة خفيفة قبل أن أستدير وأدخل
أغلق الباب خلفي، لكنه لم يكن مجرد باب يغلق، كان شعورا غريبا يطبق على صدري، وكأنني أغلقت فصلا كاملا من شيء لم أفهمه بعد
تقدمتُ نحو غرفتي، خطواتي كانت أبطأ من المعتاد، كأنها تزن ألف سؤال لم أجد له إجابة
ألقيت بجسدي فوق السرير، حدقت في السقف طويلا، وعقلي لم يكن هنا، كان لا يزال هناك، يقف معهما تحت سماء الليل، يحاول أن يفهم لماذا شعرتُ وكأنني تركتُ جزءا مني بالخارج، بينهما
زفرتُ بصوت مسموع، أغلقتُ عيني وكأنني أحاول الهروب من أفكاري، لكن عقلي لم يرحمني
في تلك اللحظة، أدركتُ أنني لم أكن أودع مجرد لحظة عابرة... كنتُ أودع شيئا لا أعرف اسمه، لكنني شعرتُ بثقله يلتصق بروحي
كانت أفكاري تتزاحم كأمواج هائجة في رأسي، تتصادم، تتكسر، ثم تعود أقوى... حتى شعرتُ بشيء دافئ يلمس ذراعي
التفت ببطء، فوجدتُ كايلة قد جلست بجانبي، ترفع رأسها إلي بعينيها البريئتين
وكأنها تطلب مني التوقف عن الغرق في دوامة لا نهاية لها
أذناها تتحركان بخفة، وذيلها يهتز بحماس، كأنها تحاول انتشالي من أفكاري بطريقتها الخاصة
ابتسمت رغما عني، مسحتُ على رأسها، لكنها لم تكتف بذلك، بل دفعت رأسها في يدي، تطلب مزيدا من الاهتمام
"أنتِ على الأقل تعرفين ما تريدينه، هاه؟"
همستُ لها، وأنا أراقب فرحتها البسيطة بلمس يدي
لكنني أنا؟ لا أعرف ماذا أريد، لا أفهم مشاعري، لا أستطيع حتى أن أقرر ما الذي يجعل قلبي ينبض بهذه الطريقة الغريبة كلما التقيتهما معا
زفرتُ بعمق، تجاهلتُ محاولات كايلة لجري نحو اللعب، ثم التقطتُ مذكرتي من الطاولة
فتحتُ الصفحات، تأملتُ الخطوط العشوائية التي رسمتها في الأيام السابقة، ثم أمسكتُ القلم وبدأت أكتب، كأنني أحاول ترتيب ما في داخلي على الورق
لماذا أشعر أنني أقف في منتصف طريقين، وكلاهما يجذبني؟ لماذا تبدو مشاعري متشابكة، وكأنها خيوط عقدة لا يمكن حلها؟ أيدن... نيفيان... أحدهما يشبهني، والآخر يشبه شيئا كنتُ أهرب منه، لكنني في النهاية، أجدني أنجذب إليهما معا...
رفعت القلم، تأملتُ كلماتي، ثم أغلقتُ المذكرة ببطء
لا إجابات لدي، فقط مشاعر غير واضحة تزداد تشابكا مع مرور كل يوم...
نظرت لقلم الذي كنت اكتب به
"مابك يا قلمي لم تتوقف عن الكتابة يوما ..كتبت قصص لم أعشها ..سمعتها ..تخيلتها..شاهدتها.... ظننتني شاعرة كاتبة لا ابالغ لا بأس بها... كتبت الكثير... كان قلمي الاسود رفيق طفولتي"
نهضتُ من مكاني، أغلقتُ مذكرتي ببطء، ثم نظرتُ نحو الطاولة حيث وُضع التقويم
مررتُ أصابعي على صفحاته حتى توقفتُ عند اليوم السابع من مارس ...
عيد ميلادي
زفرتُ بعمق، شعرتُ بأن الهواء ثقيل فجأة، وكأن ذكرى هذا اليوم ليست سوى حمل آخر على كتفي
لم أكن من النوع الذي يحتفل، ولم أكن أنتظر الهدايا أو المفاجآت، لكن فكرة أن هذا اليوم يمر كأي يوم آخر، ربما هناك من يتذكره، جعلتني أشعر بثقل لا مفر منه
رغم أنني أقنعتُ نفسي ألف مرة أنني لا أحتاج والدي، أن غيابه لم يعد يؤلمني
إلا أن هناك لحظات... لحظات مثل هذه، تجعلني أدرك أنني كنت أكذب على نفسي
ربما لم أكن أريده في حياتي، لكنني على الأقل كنت أحتاجه في مناسبات كهذه، كنتُ أحتاج شخصًا يقول لي "عيد ميلاد سعيد" من قلبه، دون أن يكون ذلك مجرد مجاملة عابرة
تراجعتُ إلى الوراء وجلستُ على السرير، أحدق في السقف
عائلتي؟
هل يمكنني حتى أن أسميها كذلك؟
كل فرد فيها كان يسير في اتجاه مختلف، كأننا مجرد غرباء يعيشون تحت سقف واحد
لا أم، لا أب، لا منزل دافئ يملؤه الضحك والذكريات الجميلة
فقط أنا، أواجه الحياة وحدي، أقنع نفسي كل يوم أنني لا أحتاج أحدا، بينما في داخلي، هناك طفلة صغيرة لا تزال تبحث عن حضن تشعر فيه بالأمان
أغمضتُ عيني للحظة، شعرتُ بحرارة الدموع تتجمع، لكنني رفضتُ السماح لها بالانحدار
لا فائدة من البكاء، لن يغير شيئا
فتحتُ عيني، نظرتُ نحو التقويم مرة أخرى، ثم مددتُ يدي وأدرتُ الصفحة
وكأنني قررتُ أن أتجاهل هذا اليوم، كما لو أنه لم يكن موجودا منذ البداية
و كأننب أنزعه من التقويم بحد ذاته
✧✦✦✦✦✦✦✦✦✧
كان الصباح باردا
أو ربما لم يكن كذلك، لكنني شعرت به يخترق عظامي كما لو أن البرد ينبع من داخلي، لا من الجو من حولي
خطواتي كانت بطيئة، بالكاد تلامس الأرض، وكأنني كنت أخشى أن ينهار العالم كله لو وطأته بثقل حزني
عيناي بقيتا منخفضتين، تحدقان في البلاط الرمادي كأنه مرآة تعكس الفراغ الذي أشعر به داخلي
لم يكن هناك ما يستحق الرفع، لا نظري، ولا روحي
كنتُ غارقة في أفكاري، في الدوامة ذاتها التي تبتلعني كل مرة، حتى لم أعد أسمع ضجيج الطلاب من حولي، لم أعد أشعر بمرور الوقت
كنتُ مجرد ظلٍّ يتحرك بلا هدف... حتى ظهر هو، كما يفعل دائما، ليحطم عزلتي بلا أي إذن
فجأة، ومن العدم، قفز أمامي باندفاع، صوته يخترق حاجز صمتي كما يخترق الضوء ظلام غرفة مغلقة
"ما هذا يا سندريلا؟!"
تجمدتُ في مكاني، رفعت رأسي ببطء، وكأنني خرجت للتو من حلم ثقيل، والتقت عيناي بعينيه المتوهجتين الخضراء بذلك البريق الساخر الذي لم يفقده يوما
كنت على وشك سؤاله عمّا يقصده، لكنه سبقني بإيماءة درامية، وكأنه اكتشف أمرا جللا، وقال بنبرة تحمل احتقارا مصطنعا
"أنا أعلم أنكِ تحبين اللون الأزرق، لكن ألا تظنين أنكِ بالغتِ قليلا؟"
للحظة، لم أفهم..ولكنني ادركت ما كان يقصده
انا كنت ارتدي سروال ابيض مع قميص ازرق
ثم لمحت العصابة الزرقاء التي كان يضعها على رأسه، وكأنها جزء من حملة ساخرة ضدي
رمقته بنظرة جانبية، لكنه لم يتوقف، بل وضع يده على صدره وكأنه مصدوم
"أرجوكِ، قولي لي، هل هذه طريقتكِ في إعلان ولائكِ للون الأزرق؟ أم أننا أصبحنا في طائفة سرية لا أعرف عنها شيئا؟"
رغم كل شيء، رغم الحزن الذي كان يطوقني كظل لا يفارقني، وجدت نفسي أكتم ابتسامة
هذا الفتى... دائما يعرف كيف يسحبني من أعماقي، حتى لو كان ذلك بالسخرية
"هل تريد تقليدي سيد كوستا!"
"اوه سندريلا انتي من تحاولين تقليدي... انا فقط خمنت انني سأرتدي الازرق اليوم"
رغم سخريته و مزاحه... لكنني لم أكن غبية... كانت هناك لمعة مختلفة في عينيه، شيء دفن بين كلماته الساخرة، شيء يشبه التوتر
لكنه لم يكن يريدني أن أراه
وضعت يدي على خصري، رفعت حاجبا وسألته
"وهل عصابتك الزرقاء هذه جزء من الطائفة أيضا؟"
تظاهر بالصدمة، ثم أمال رأسه بتفكير مفتعل
"في الواقع، ربما علينا إنشاء طائفة فعلا... فقط تخيلي... الأعضاء يرتدون الأزرق، ويقسمون على نشر هذه العادة العظيمة!"
قهقهتُ رغما عني، وأخفضت رأسي، هززته بيأس
"أنت ميؤوس منك"
توقعت أن يرد بشيء ساخر آخر، لكنه صمت فجأة
وكأن شيئا ثقيلا عالق في حلقه، وكأنه يحاول اتخاذ قرار صعب
رأيت أصابعه تبحث في جيب معطفه، قبل أن يستخرج شيئا صغيرا، ويتردد لثوان، ثم يمد يده نحوي
كان صندوقا صغيرا... أزرق اللون
"على ذكر الطوائف السرية..."
قال بصوت أقل تهكما، بل كان يحمل نبرة أخرى، نبرة لم أسمعها منه كثيرا
"اليوم عيد ميلادك، صحيح؟"
شهقتُ بخفوت، تجمدت أنظاري على الصندوق بين يديه
لم أكن بحاجة إلى فتحه لمعرفة أن قيمته ليست فيما بداخله، بل في كونه جاء منه
في كونه تذكر، رغم أنه يتظاهر دائما بأنه لا يبالي
رفعت عيني إليه، نظرت إلى ذلك الوجه الذي اعتدت رؤيته يوميا، لكنني شعرت حينها بأنني أراه لأول مرة...
أو ربما أراه بشكل مختلف
للحظة، نسيت الحزن... نسيت العالم.... وابتسمت
اعدت نظري الى الصندوق الصغير بين يدي قلبته برفق تارة يمين و تارة شمال
وكأنني ابحث في زواياه عن اسئلة لم اجرؤ على طرحها
ترددت لوهلة ثم فتحته بأنامل مرتجفة
ليس بما فيه بل من اهداه
قلادة ذهبية تتدلى منها الماسة زرقاء تشع ببريق اسر باصراي عن جمالها
تأمل الجوهرة و عكس ضوءها على عيوني بظلال من الذكريات
انه يعلم بشغفي باللون الازرق
ذلك اللون الذي يحمل بين طياته هدوء البحر و صفاء السماء
ذلك اللون الذي كنت اهوى ارتداءه و اقسمت يوما ما على ان لا لون غيره سيأخذ قلبي
هو نفسه لون الذي أسرتني عيناه في عاشرة من عمري...و هو نفسه الذي اقسمت لا حب في قلبي من بعده
آيس
و لكن لماذا فجأة تذكرته؟ و في مثل هذا اليوم و بمثل هذه الليلة؟
الم يكن اسوء يوم مر علي هو عيد ميلادي؟...بسببه
اصبحت اكره هذا اليوم،اكره نفسي،و كرهت وفائي للوننا المفضل
و لكن هل ادرك انه هو ذاته اصبح لون باهتا في لوحتي؟
هو الذي احببته يوما و هو الذي جهل مكانته بقلبي
على سيرة ايدن ،اخذتني ذاكرتي لعالم اخر و نسيت انه كان هنا
رفعت رأسي لوهلة لأشكره ...لكن المكان كان خاليا
وكأن حضوره كان سرابا تلاشى مع نسيم الرياح
غير ان اثره بقي دلالة على انه كان موجود
سلسال و بكل تأكيد رائحته الرجولية
"أي يد اقتلعت من أجله المستحيل؟..وأي قلب اختار أن يُثقل كاهله، فقط... ليضع نورا صغيرا في عتمتي؟ "
ابتسمت بخجل...من أين له المال ليشترها؟
✧✦✦✦✦✦✦✦✦✧
دخلت الصف، لا أعلم إن كنت قد دخلت فعلا، أم أنني انسحبت من العالم إليه
او ان زمن ينسحب مني كل شيء بدا وكأنه يراقبني
بصمت
حتى الطاولة القديمة التي طالما تجاهلتها، كانت تنظر إلي هذه المرة... بشفقة ربما
جلست، تركت كتبي، وتركت معها جزءا مني
و كأنني ابحث عن هدوء وسط هذا الصخب... كأن روحي تسبقني بخطوة، وأفكاري تتأخر بألف
لم أكن أبحث عن شيء، لكنني كنت أنتظر... شيئا ما
العالم من حولي اصبح صاخبا و ازداد معه صخب افكاري غير قادرة على تحديد ما اريده
فجأة، قطعت هواجسي بصوته ناعم، كأنه خرج من بين صفحات كتاب قديم
رفعت رأسي ، كان نيفيان
بابتسامة لا تشبه أحدا،تلك الابتسامة التي لا استطيع ان افهمها تماما وكأنما كان يقرأ في تفاصيل ملامحي أكثر مما ينبغي
رفع يده ومدها لي
قطعة شوكولاتة صغيرة...مغلفة بورق لامع
تلك القطعة التي كان شكلها يضيء أكثر من كل ما حولها
لم تكن الشوكولاتة هي ما جذبني، بل تلك اللفتة نفسها، تلك الهدية الصغيرة التي تحمل شيئا أكبر بكثير من مجرد طعم حلو
وكأنها تخفي خلفها اعترافا لم يقال
نظرت إليه، ثم إلى الشوكولاتة
لم أكن أحبها، ولا زلت لا أحبها
لكنني أخذتها
أتمالك نفسي عن الابتسام
ليس لأنها تعني لي شيئا... بل فقط أخذتها بين يدي، تلك الحركات التي كانت تشير إلى شيء أكبر، شعور لا أستطيع وصفه عقلي لم يهدأ
قال بصوته المنخفض
"ظننتها قد تُحسن مزاجك اليوم"
لم أجاوبه، أو ربما لم أجد كلمات خفيفة تليق بذلك الثقل في قلبي
"شكرا، ولكنك تعرف أنني لا أحب هذه الأشياء"
رد بابتسامة خفيفة، ناعمة، كانت تحمل في طياتها سؤالا أعمق من الإجابة
"ربما... لكني أردت أن أرى ابتسامتك"
هل كان يقصد حقا أن يرى ابتسامتي؟
أم كان يحاول أن يتقرب مني بطريقة غير مباشرة؟ لم أكن متأكدة، لكنني شعرت بشيء ما يتغير في داخلي
شيء غريب، غير متوقع
ثم، دون أن يترك لي مجالا للتفكير
أخرج علبة صغيرة من جيبه ووضعها على الطاولة أمامي
العلبة انيقة كأنهاخرجت من حلم ، كان هناك شيء في علبة يلمع شيء كنت استطيع ان اشعى به حتى قبل أن أفتحه
فتحتها ببطء، وكأنني أخشى أن يخرج منها شيء لا أستطيع مواجهته
وخرج...
جوهرة خضراء تتدلى من سلسال فضي، تماما كلون عيوني
كان يشبه شيئا عميقا، يحمل في طياته الكثير من المشاعر غير المعلنة
تجمدت.... القلب توقف لحظة، ثم عاد يدق بارتباك
كيف؟ لماذا؟
أغمضت عيني لوهلة، تذكرت الأزرق... قطعة الألماس التي تركها أيدن لي بصمت
لم تكن تشبهني، بل تشبه روحي، ذاك الجوهر الأزرق الذي يسكنني ولا يراه أحد... سواه
واليوم، جوهرة خضراء... تشبهني أنا
عيوني...هدوئي...ملامحي التي لا تنتمي للضجيج
لكني لم أستطع إلا أن أفكر...
كيف عرف؟
كيف استطاع أن يلتقط تلك التفاصيل الصغيرة التي تعني لي الكثير؟
كيف لم يكن هذا مجرد هدية عابرة، بل كانت رسالة، رسالة غير معلنة بيننا؟
ماذا يعني أن تكون تلك الجوهرة خضراء، كما لو أنني في لحظة ما قد اخترت لها لونا غير الذي اعتدته؟
وهل كان هذا اختيارا عاديا، أم أنه يحمل في طياته شيئا أعمق؟
وفي تلك اللحظة، لم يكن السؤال عن الهدايا هو الأهم
بل كان السؤال عن شعوري... شعوري تجاهه
كيف أصبح كل شيء، حتى تلك الهدية البسيطة، يحمل معه تعقيدا لا أستطيع تفسيره؟
كيف أصبحت أرى في كل ما يقدمه لي... شيئا أكثر من مجرد لفتة صغيرة؟
لكن، هل يمكن أن تكون هذه الهدايا هي بداية شيء جديد؟
أم أنها فقط لحظة عابرة، تمر وتنتهي؟
وأين هو مكان أيدن في كل هذا؟
ألم يكن هو من يعرفني أكثر؟
ألم يكن هو من يملك مفاتيح قلبي؟
اختلاف بين أخوين
نعم... لكن بين أيدن ونيفيان، هناك ما هو أعمق من التشابه والاختلاف
عقلان مختلفان، ونبض واحد
على اختلافهما بين السماء و الارض الا ان ذوقهم واحد... تفكيرهم واحد
و ابسط مثال هو هذا السلسال... بينما فكر نيفيان باللون الاخضر الذي يشبه عيوني فكر ايدن باللون الازرق الذي يشبه روحي
أردت أن أبتسم... لكن شيئا بداخلي تمرد
لم أعد أعرف، هل أنا تلك التي تنتمي للهدوء الأخضر، أم لذلك العمق الأزرق؟
من منهما رآني أولا؟ ومن فهمني أكثر؟
" عيد ميلاد سعيد "
نظرت إلى نيفيان، قلت بهدوء
- "شكرا... إنه... جميل جدا "
ابتسم مجددا، ولم يجب
لكنني أنا، كنت أجيب نفسي دون صوت
كيف لجوهرتين... أن تزرعا هذا التناقض بداخلي؟ وكيف لقلب واحد... أن يتشقق بهذا الجمال
كل قطعة من قلب احب احد... و بين خط القلب اختلافهما
كنت أغرق في هذه الأفكار، حتى شعرت أنني فقدت القدرة على التنفس
ووسط كل هذا، أدركت شيئا واحدا...
في عالم مليء بالأسئلة، أصبحت أنا الشخص الذي يسعى للإجابة
وأظن أنني لن أجد الإجابة في مكان آخر سوى هنا، بين هذه الهدية، وبين تلك العيون الخضراء، التي تسألني دون أن تتكلم
ولم أعد أدري... هل أنا من وقعت بين قلبين، أم أنني كنت الوطن الذي ضاع فيهما كلاهما؟
Robolline