أحيانا، تُجبرنا الحياة على خوض تجارب تفوق أعمارنا، فنكبر قبل أواننا، ونحمل من الإدراك ما لم يكن ينبغي لنا حمله
بت أفهم كيف تسير الأيام، وأدرك هويتي وما بوسعي تغييره
كما وعيت أخيرا على الخطأ الذي اقترفته، ذاك الذي رسم لي هذا المصير
فتحت عيوني على نور الصباح الذي اقتحم بصري بلا استئذان
معلنا بداية يوم جديد
دعكت جفني، أبحث في ذاكرتي عن هويتي، عن مكاني، وعن السبب الذي يجعلني أستمر
نظرت حولي... كنت لا أزال على الكرسي المعلق في شرفة غرفتي، مذكرتي بين يدي، وقلمي مرمي بإهمال فوق سطح الكرسي الخشبي
الذي يشبه نصف كرة، يتدلى من سقف الشرفة، مغطى ببطانية رمادية داكنة ووسادة صغيرة بلون رمادي فاتح
تأملت المشهد أمامي للحظات
الفيلا الشاهقة التي نقطنها تطل على البيوت الصغيرة المتراصة، والطرقات المزدحمة، بينما أشعة الشمس الذهبية ترسم لوحة من الدفء فوق المدينة
زفرت تنهيدة طويلة، ثم نهضت ببطء، أفرك عنقي التي أرهقها النوم في وضع غير مريح، لكنني اعتدت على ذلك، فحياتي بأكملها لم تكن مريحة يوما
جمعت مذكرتي وقلمي، وعدت إلى غرفتي، حيث وضعتهم على مكتبي الخشبي المقابل لسريري
نزعت ربطة شعري التي كانت تثبته في ذيل حصان، فانسدل على كتفي بحرية، أسود طويل، ناعم إلى حد الفوضى، حتى صار جمعه صعبا
قادني جسدي المنهك إلى الحمام، حيث استسلمت لمياه دافئة تُزيل عني أثر الليل، قبل أن تملأ رائحة الفانيليا أجواء المكان
وقفت أمام المرآة، ألف المنشفة حول جسدي، بينما قطرات الماء تنساب من شعري المبلل
نظرتُ إلى انعكاسي، وكرهت ما رأيت
كما أكرهه هو
لقد كنت صورة طبق الأصل عنه، العينان، الشعر، وحتى الجمود البارد في الملامح
ورثتُ منه قسوته وبروده، لكنني أقسمت ألا أرث أخطاءه أيضا
على عكس أخوتي... لم يرثوا منه شيئا
يشبهون أمي
و لكن أنا
كانت كل تفصيلة مني أخذت جزء منه
ارتديت تنورة زرقاء قصيرة تصل إلى منتصف فخذي، مع تيشيرت أبيض، وانتعلت حذائي الرياضي الذي يحمل اللون نفسه
سرحت شعري سريعا بمجفف الهواء، تاركة إياه مموجا بانسيابية، ثم أمسكت بحقيبتي السوداء على عجل
لقد تأخرت بالفعل... ليس يوما جيدا لذلك، فأنا على وشك الدخول إلى مدرسة لا أعرف فيها أحدا
التقطت تفاحة من الطاولة، أقضمها على عجل، فأنا لم أتناول الإفطار، فالجميع لا يزال نائما
وقفت أمام الباب، مستعدة لشيء واحد
الجري بأقصى سرعة
متمنية أن أصل إلى الثانوية في الوقت المناسب
كنت أجري بين الأزقة الضيقة والبنيان القديمة في شوارع البرازيل، أقفز مع كل درج يعترض طريقي، وكأنني في سباق غير معلن مع الزمن
ليس الأمر سيئا لهذه الدرجة
أليس كذلك؟
مجرد منعطف جديد كل دقيقة، بنايات متراصة تروي قصص الماضي، وسلالم لا تنتهي
بعد دقائق من الجري المتواصل، وصلت أخيرا إلى الطريق العام، ألهث قليلا بينما أبحث بعيني عن سيارة أجرة تقلني
نظرت يمينا... لا شيء
شمالا... لا أثر لسيارة أجرة
زفرت بضيق، تبا لحظي السيئ
ومنذ متى كان لدي حظ أصلا؟
أعدت ضبط حقيبتي على ظهري، واستعددت للجري مجددا، فأنا لا أرغب في تلقي عقوبة أخرى اليوم
سيكون ذلك كارثيا، مثل كل مرة
أنا طالبة متفوقة في الثانوية، ولا أنوي تلطيخ سمعتي بالتأخير الدائم
ركضتُ بين الأزقة الضيقة، متجاوزة البنايات القديمة والسلالم التي لا تنتهي، وكأن المدينة بأكملها تتآمر على تأخيري
"أحتاج إلى سيارة أجرة"
تمتمت وأنا أتلفت يمنة ويسرة، لكن الحظ، كما العادة، لم يكن بجانبي
عندما هممتُ بالجري مجددا، قاطعني صوت
"هل تحتاجين إلى توصيل، سندريلا؟"
التفتُ بسرعة، لأجد شابا يستند إلى دراجته النارية السوداء، ينظر إلي بابتسامة جانبية
كان هو... أيدن
لم أكن أعرفه شخصيا، لكنني سمعتهم ينادونه بهذا الاسم عندما ساعد أخي في حمل بعض الأغراض إلى منزلنا عند انتقالنا البارحة
كان يرتدي ملابس رياضية داكنة، وعلى ظهره رسم لأفعى خضراء، رمز العصابة التي تسيطر على هذه الأحياء
لاحظت الوشم بارحة عندما كان ينقل الأثاث و هو لا يرتدي قميص
كان شابا ذا بشرة سمراء، وعينين خضراوين حادتين تخترقانك بنظرة واحدة
أما شعره الأسود فقد ربطه بعصابة حمراء، مما أضفى عليه مظهرا يشبه أولئك الذين تربوا في شوارع البرازيل القاسية
"إسمي ليس ساندريلا"
نقل نظره إلي وقال، وهو يرمق ملابسي
"لكن لا زلت أراكِ سندريلا "
رفعتُ حاجبي بملامح متجهمة
هل فقط لأنني أرتدي الأزرق والأبيض أصبحتُ سندريلا؟
"ابتعد عني، فأنا متأخرة على الثانوية"
"ألا تريدين توصيلة؟"
قالها بنبرة واثقة
ترددت.... نظرتُ إلى ساعته التي رفعها أمام وجهي بتحد، ولمعت عيناه بوميض ماكر
"تبقت خمس دقائق قبل أن تُغلق الأبواب، والطريق ما زال طويلا"
كتمتُ تنهيدة... هل أريد الركوب معه؟
لا
هل لدي خيار آخر؟
أيضا لا
بضيق، رفعت حقيبتي على كتفي واستعددت للركوب خلفه
"أنت مزعج، هل تدري ذلك؟"
ضحك وقال بثقة
"أسمعها كثيرا، ودائما يكون جوابي... شكرا"
ركبتُ خلفه وأنا أتمتم بكلمات غير مفهومة، حاجباي معقودان بكره ظاهر
دائما ما كرهت أبناء هذه المنطقة، فمعظمهم منغمسون في المشاكل
وأيدن لم يكن استثناءا
"تمسكي جيدا، سندريلا"
"لن أفعل"
قلتُ بعناد، لا أنوي إعطاءه فرصة ليعتقد أنني بحاجة إليه
"كما تشائين"
وفي لحظة، انطلق بسرعة جنونية، جعلتني أشعر أنني سأطير في الهواء
تمسكتُ بصدره ، لكنني شعرت بشيء صلب تحت أصابعي
لحظة... هل هذا سكين؟ ومسدس؟
اتسعت عيناي، وزال عنادي دفعة واحدة
تجاهلتُ كبريائي، ولففتُ ذراعي حول خصره بقوة
فجأة، خفف السرعة
ارتفع صوته بنبرة ساخرة
"هل قصدتها؟"
"أيها الوغد، لقد فعلت هذا عمدا! "
"قلتُ لكِ أن تتمسكي بي، وها قد فعلتِ... كلامي يُنفّذ بطريقتي الخاصة "
أغاظني بأسلوبه المستفز، كنتُ على وشك أن أبتعد عنه، لكنه قاطعني بتهديد واضح
"إن نزعتِ يديكِ، سأزيد السرعة، ولن أضمن لكِ النجاة هذه المرة "
تبا له... هذا العاهر يعرف كيف يربح
"توقف عن مناداتي سندريلا!"
"أخبريني باسمك إذا "
"إنه..."
"لا يهمني "
قاطعني ببرود، وكأنني لا أُشكل أي أهمية له
شعرتُ بانعدام الكرامة، هل أغاظني للتو؟
تنفستُ بعمق، متجاهلة سخريته
"لم أركِ من قبل، هل أنتم جدد في الحي؟"
سأل فجأة
"وهل قلتُ لك أن تسألني؟"
لم يُجب، لكنني شعرت بابتسامته ترتسم على شفتيه
توقفت الدراجة، ونظرتُ حولي، لنكتشف أننا وصلنا بالفعل
ترجلت بسرعة، نزعتُ الخوذة من رأسي، ولاحظتُ شيئا غريبا
"أين خوذتك؟"
ابتسم بسخرية، ومرّر أصابعه بين خصلات شعره الأسود
"لا أخشى الموت، وإذا جاء، فأهلا به... أفضل أن أختار مصيري بيدي، وأموت مع زوجتي "
عقدتُ حاجبي بعدم فهم، لكنه أشار إلى دراجته، وكأنها زوجته المقصودة
"أنت ساذج... تدري ذلك؟"
ضحك مجددا، وأنا أشق طريقي بعيدا عنه، لكنه لم يتركني دون تعليق أخير
"أعلم ذلك، سندريلا "
لم ألتفت إليه، لكنني شعرتُ بابتسامة صغيرة تعتلي شفتي دون وعي
لماذا؟
لا أعلم
وصلتُ إلى صفي، وكنت محظوظة، فالأستاذ لم يأت بعد
لكن الفوضى التي تعم المكان جعلتني أتساءل إن كنتُ دخلتُ فصلا دراسيا أم ساحة قتال
بحثتُ عن مقعد شاغر حتى وجدت واحدا في آخر الصف
تقدمت نحوه، لكن قبل أن أجلس، لاحظتُ شابا أمامي يضع رأسه على الطاولة، وسماعات الأذن في أذنيه
"هاي، أنت"
ناديته بلطف، لكنه لم يرد
هل هو أصم؟
لم أستسلم، فوضعت يدي على كتفه وهززته قليلا
رفع رأسه ببطء، ونزع السماعات، لتلتقي عيني بعينين خضراوين عميقتين، تحملان لون العشب بعد المطر
تجمدتُ للحظة... حسنا
لم أكن مستعدة لهذا القدر من الوسامة
كان شعره البني الحريري يتدلى على جبهته، وفكه الحاد انقبض قبل أن تنفك عقدة حاجبيه
"أريد فقط سؤالك... هل هذا المقعد شاغر؟"
رمقني بنظرة ناعسة، وكأنه لم يستوعب سؤالي بعد، ثم استدار ليتأكد من خلوّ المقعد
أومأ بصمت
مددتُ يدي نحوه بابتسامة ودودة
"أنا أنجل فالكوني ، تشرفت بلقائك"
نقل نظراته بين وجهي ويدي الممدودة، قبل أن يمد يده أخيرا ويصافحني
"نيفيان كوستا "
جلستُ خلفه، وأخذتُ نفسا عميقا
لم يكن اليوم الأول في المدرسة سيئا كما ظننتُ... على العكس، ربما بدأ يصبح ممتعا
✰✦✦✦✦✦✦✰
كنتُ مستلقية على الأريكة... أتصفّح الإنترنت على حاسوبي المحمول بغير اكتراث
عابثة بأصابعي فوق لوحة المفاتيح وكأنني أبحث عن شيء لا أعرفه
أو لعلني فقط أقتل الوقت
إلى جانبي... كانت كايلة تلعب بدميتها، دب محشو صغير، تعضه كأنها تُفرغ فيه طاقتها الطفولية
كايلة ليست مجرد كلبة، بل كانت الحضن الذي لجأتُ إليه حينما شعرت أن العالم أضيق من أن يحتويني
لم يكن في المنزل ما يستحق الانتباه، ولا حتى صوت الأواني في المطبخ، حيث كانت أمي تجهز العشاء
لم أكن أنتظر شيئا، سوى أن ينضج الطعام ليكون العذر المناسب لكسر هذا الفراغ
سمعت صوت الباب يُفتح
لم أرفع عيني عن الشاشة، فقد عرفت مسبقا من القادم
إنه أخي، الوحيد الذي كان خارجا هذا المساء
ثم جاء صوته ليؤكد ظنوني
"أمي، أحضرت معي صديقا"
لم أكترث
لم ألقي نظرة
ظلت عيناي مسمرتين على الشاشة، حتى تسلل إلى مسامعي صوتٌ مألوف
مرحبًا
بصوت رخيم، وكأنه خرج من صفحات الذكرى دون استئذان
رفعت رأسي بحذر، وبينما كنت أواجه الحقيقة، جاء صوت أخي لورينزو ليحكم الدائرة حول دهشتي
"إنه أيدن... صديقي الجديد، وابن الحي... لقد دعوته على العشاء "
Robolline