كانت السماء رمادية قاتمة، محملة بوعد المطر الذي بدأ يتساقط بخفة، وكأنها تحاول تهدئتي قبل أن أخرج من يوما دراسيا آخر
تأففت بصوت مسموع، أحدق في البوابة السوداء الكبيرة، أشعر بثقل الساعات القادمة وكأنها جبال فوق كتفي
ولكن عزائي الوحيد؟ إنه آخر يوم في الأسبوع، وأخيرا سأتحرر لبعض الوقت من هذا الروتين الممل
وقفت عند المدخل، أراقب القطرات وهي تلامس الأرض، تتشكل في برك صغيرة تعكس ضوء المصابيح
كنت على وشك أن أترك المطر يحتضنني
أن أستسلم لتلك البرودة التي شعرت أنها تعبر عني بطريقة ما، ولكن فجأة، وجدت ظلا يغطي رأسي
التفت ببطء، لأجد نيفيان واقفا بجانبي، يحمل مظلته السوداء فوقي، نظراته هادئة كعادتها، ولكن في عينيه تلك اللمعة العابثة التي لا تفارقه
لم يتحدث مباشرة، فقط رفع حاجبه وكأنه يسألني بصمت عن سبب شرودي
"هل تخططين للوقوف تحت المطر طوال اليوم؟ أم أنك تحاولين كتابة مشهد درامي في حياتك؟"
قال بصوته العميق، بنبرة ساخرة ولكنها دافئة بشكل غريب
رغم أنني كنت مستاءة من اليوم، لم أستطع منع ابتسامة صغيرة من التسلل إلى شفتي
"ربما كنت أنتظر أن تأتي الرياح وتحملني بعيدا عن هنا"
"أوه ، كم هو مؤسف، ولكن الرياح لا تعمل حسب رغباتك.... لحسن حظك، أنا أفعل"
قال وهو يميل المظلة قليلا ليغطي جزءا أكبر مني، وكأن تلك الكلمات خرجت منه بعفوية، دون أن يدرك أثرها علي
تجاهلت نبضة قلب تسارعت بطريقة غير مفهومة، ونظرت للأمام، متظاهرة بأنني لم ألحظ شيئا
"حسنا، بما أنك هنا، ربما عليك أن تكون فارسي النبيل وترافقني إلى الخارج ، قبل أن أقرر الهرب فعلا"
"هذا سيكون ممتعا، ولكنني أخشى أنني سأكون الشريك المثالي لجريمة اختفاء طالبة"
ضحكت بخفة، وبدأنا بالسير نحو الخارج، بينما المطر يتساقط من حولنا، والمظلة تجمعنا في مساحة صغيرة من الجفاف، لكنها في الحقيقة لم تكن إلا غطاء لدوامة أخرى من المشاعر التي لم أكن مستعدة للاعتراف بها بعد
"لم تحكِ لي يوما عن حياتك"
نظر إلي للحظات
وكأن كلماتي حملته إلى مكان بعيد، ثم ضحك بخفة، ضحكة لم تكن خالية من ثقل الذكريات، وقال وهو يشيح بنظره نحو المدينة
"قصتي أعقد مما تظنين يا أميرة"
كان صوته يحمل نبرة دفينة من الحنين، وكأنه يعرف أن بعض الحكايات لا تروى بسهولة
نظرت إليه، أتأمل ملامحه تحت ضوء القمر، كيف انعكست الأضواء على عينيه العميقتين
كيف كان الليل يحتضن سكونه بطريقة لم أكن أفهمها تمامًا
"وما العيب في التعقيد؟ أليس هو ما يجعل القصص تستحق أن تروى؟"
همست، وكأنني أحاول أن أخترق جدرانه الحجرية
نظر إلي من جديد، وهذه المرة، كان هناك شيء مختلف في عينيه، شيء أشبه بالانكسار، أو ربما بحر من الأسرار التي لم يسمح لأحد بالغرق فيها
"بعض القصص لا تُحكى، أنجل... لأنها ليست مجرد كلمات، بل جروح عميقة ترفض أن تفتح من جديد"
ساد الصمت بيننا للحظات، لكنه لم يكن صمتا مزعجا، بل كان صمتا يحمل ألف حكاية غير مكتملة
ألف شعور لم يقل
وألف سؤال لم أجرؤ على طرحه
مددت يدي بخفة ووضعتها على يده، لم أكن بحاجة لكلمات، أردت فقط أن أخبره بأنني هنا
بأنني أراه، حتى وإن لم يكن مستعدا لأن يسمعني صوته
نظر إلى يدي فوق يده، ثم ابتسم
ابتسامة صغيرة... لكنها كانت كافية لأشعر أنني، ولو للحظة، لمست جزءا من عالمه المخفي
✧✦✦✦✦✦✦✦✦✧
كانت ليلة هادئة، النسيم البارد يتسلل بين خصلات شعري، يحمل معه رائحة المطر
جلست على شرفتي، أُسند ظهري إلى كرسي المعلق وأحمل دفتري في حجري، قلمي ينساب فوق الصفحات، يسكب مشاعري كما لو أن الورق وحده قادر على استيعابها
نيفيان...
كتبت اسمه، ثم توقفت، أتأمل الحروف كأنها تحمل وزنا أثقل مما تبدو عليه
لماذا أنت مختلف؟
لماذا حين أراك، يتباطأ العالم من حولي، يصبح أكثر سكينة، كأن الضجيج يختفي فقط ليمنحك المساحة؟
لا أدري إن كنت نعمة أم لعنة كتبت علي، لكني أدري أني أبحث عنك، حتى دون وعي مني، حتى حين أخبر نفسي أن لا حاجة لي بك
مضى شهر على معرفتي بك... لا أدري إن كنت خيرا حل بحياتي أم شرا يتربص بي، لكني أدري أنني لم أعد كما كنت
أسمع نداء الصلاة الآن، وأشعر بثقل في روحي، وكأن شيئا داخلي لم يعد قادرًا على المواصلة
لم أفقد الإيمان، لكن قلبي فقد شغف الحياة، فقد شغف أن يكون كما كان
وحين تحدثت إليك، أدركت أنني لم أكن بحاجة إلى نصيحة، ولا إلى موعظة
كنت فقط بحاجة إلى شخص يفهمني، وكان قدري أن أجدك أنت
فكتبتك على الورق، نقشتك بين السطور، حولت مشاعري إليك إلى كلمات تهترئ مع الزمن، لكنها تأبى أن تمحى
نسخت مشاعري لتصبح كتابات على ورق مهتري
أغمضت عيني للحظة، محاولة أن أسمع صوت أفكاري، لكن فجأة، صوت حاد اخترق السكون
"أيها الوغد! كم مرة علي أن أقول لك ألا تتسكع في هذه الأماكن؟!"
رفعت رأسي بسرعة، قلبي قفز في صدري، نظرت من الشرفة لأرى المشهد الذي جعل الدم يتجمد في عروقي
هناك، على الرصيف المقابل، كان ايدن واقفا، ويد رجل ترتفع في الهواء قبل أن تهوي بقوة على وجهه
صفعة قوية
صوتها كان كافيا ليجعل جسدي يقشعر
لم يتحرك أيدن، لم يرد... فقط وقف هناك، وكأن الألم لم يعد يعني له شيئا
حدقت في الرجل الذي كان أمامه، كان يرتدي زي الشرطة، جسده مشدود
نظراته مليئة بالغضب والسلطة، وكأنه اعتاد السيطرة على كل شيء حوله، حتى البشر
ولكن... هذا الشرطي لم يكن غريبا عني
أدركت الحقيقة في لحظة صادمة
إنه والده
أيدن لم يكن فقط الفتى المستهتر الذي يرسم الضحكات الساخرة على شفتيه طوال الوقت
لم يكن مجرد شاب يختبئ خلف طيشه... كان يحمل حربا... حربا لم يكن أحد يراها
تماما كإسمه... ينادونه الحرب
شعرت بشيء ثقيل يستقر في صدري
للحظة، لم أعد أعرف أيهما كان أكثر حزنا
أيدن الذي وقف صامتا يتلقى الضربات
أم الشرطي الذي كانت ملامحه تقول أكثر مما تقوله كلماته الغاضبة
لم أدري متى سقط القلم من يدي، ولم أدري متى تحول نيفيان من فكرة في دفتري
إلى فكرة بعيدة تماما عن رأسي
تجمدت في مكاني، عيناي معلقتان بالمشهد أمامي
المطر بدأ يتساقط بخفة، وكأنه يحاول أن يزيل قسوة اللحظة، لكنه لم يستطع
كان الشرطي يواصل توبيخه، صوته منخفض لكنه يحمل من الغضب ما يكفي لإشعال الظلمة رغم اننا لازلنا في المساء
"أنت عار علي! إلى متى ستظل تتصرف بهذه الطريقة؟!"
أيدن لم يتحرك، لم يظهر أي رد فعل، فقط رفع رأسه أخيرا، نظر إلى الرجل أمامه بعينين باردتين، لكنني كنت أرى ما وراء تلك البرودة
ألم... غضب... واستسلام
أدار وجهه إلى الجانب للحظة، ومرر لسانه على شفتيه الجافتين كما لو كان يختبر طعم الدم الذي خلفته الصفعة
ثم ابتسم
ابتسامة صغيرة، مستهترة، لكنها كانت محطمة
"ماذا كنت تتوقع يا أبي؟ أن أصبح ضابطا مثلك؟ أن أقف مستقيما وأؤدي التحية أمامك؟ أم أنك كنت تأمل أن أكون مجرد نسخة أخرى منك؟... لا تقلق سيتولى اخي كل هذا... الهذا تكرهني؟ لأنني سبب في وفاة والدتي؟"
لمعت عينا الشرطي للحظة، وكأن كلماته أصابته أكثر من أي لكمة قد يتلقاها
لم يقل شيئا، لكنه شد على قبضته بقوة حتى كادت عروقه تنفجر
ثم، دون سابق إنذار، استدار ومشى بعيدا، خطاه ثقيلة، كأن الأرض بالكاد تتحمله
ظل أيدن واقفا في مكانه، رأسه مرفوع لكني كنت أرى الحقيقة... كان مكسورا
شعرت برغبة غريبة في النزول إليه، أن أخبره أنني رأيت كل شيء، أنني... افهمه
لكنني لم أتحرك
للحظة، رفع رأسه إلى الأعلى، عيونه تائهة في المطر، ثم وقعت نظراته علي...احسست انه كره نفسه للحظة ولكنه فقط إستدار يمشي
يده في جيبه، مشيته غير مبالية... أو هكذا أراد أن تبدو
بقيت في مكاني، جسدي مشدود، شعرت وكأن جزءا مني كان يراقبه منذ وقت طويل
لكنه الآن فقط أدرك كم كان هذا الفتى وحيدا
منذ متى كان لأيدن اخ؟
ولكن كل ما اردته اناذاك... هو ملاحقته
كنت أعلم أنني لا يجب أن أبحث عنه
لم يكن لي شأن بما يفعله، لم يكن لي حق أن أتدخل في حياته
لكنه كان أمامي الآن، والفضول قتلني ببطء
وقفت هناك، على بعد خطوات من الشاطئ، أنظر إليه وهو يجلس على الصخور، ظهره لي، وسيجارة مشتعلة بين أصابعه، ليس تبغا... أعرف تلك الرائحة جيدا
كان البحر هادئا بشكل مخيف، وكأنه يعكس صمته
الدخان يتطاير من فمه ببطء، يختلط مع هواء البحر البارد، بينما نظراته مثبتة على الأفق البعيد
للحظة، لم يكن أيدن المزعج، المستهتر، المغرور... كان شخصا آخر، شخصا ضائعا
"أنت تعلم أن هذا لن يحل مشاكلك، صحيح؟"
لم يلتفت إلي، فقط ضحك بخفة، ضحكة خاوية من أي شعور، ثم قال بصوت هادئ
"ومن قال إنني أبحث عن حل؟... و ايضا انظر من يتحدث... اكثر واحدة ادمانا للمخدرات"
لم أعلم إن كان يتحدث إلي أم إلى نفسه، لكنني اقتربت أكثر وجلست بجانبه دون استئذان
لم أنظر إليه مباشرة، فقط أخرجت من جيبي قطعة شوكولاتة ووضعتها على الصخور بيننا
"لا تقل إنك لا تحبها، كل شخص لديه نقطة ضعف"
ظل صامتا للحظات...و انا لم اتعود بعد على صمته
اين هو ايدن المستفز الذي اذا رأني دعاني بزوجته!!
او سندريلا مثلا
خطفت السيجارة منه أستنشق منها بعده
لم يجادلني و لم يتحدث كثيرا...فقط أخذ الشوكولاتة ونظر إليها وكأنه يراها لأول مرة في حياته
"هذا أغبى شيء قد يفعل شخص ما من أجلي"
ابتسمت، نظرت إلى البحر و أنا استنشق مرة اخرى ، ثم قلت بهدوء
"ربما... لكنه أفضل من لا شيء"
لم يرد، فقط فتح غلاف الشوكولاتة وأخذ قضمة صغيرة، وكأنه يستكشف طعمها
جلسنا هناك طويلا، لم أكن بحاجة إلى كلامه، ولم يكن بحاجة إلى أسئلتي
كان الصمت كافيا
نظرت إليه وهو يتناول آخر قطعة من الشوكولاتة، ثم أخرج سيجارة أخرى، أشعلها وسحب نفسا عميقا
نفث الدخان ببطء وكأنه يطرد كل ما بداخله
كنت أراقبه بصمت، ثم مدها نحوي دون أن ينظر إلي
"جربي"
ترددت لوهلة، كانت السجارة القديمة لازالت بين اصابعني لكنني كنت فضولية... أو ربما أردت أن أفهمه أكثر
رميت السجارة قديمة أخذت السيجارة الجديدة منه وسحبت نفسا صغيرا، شعرت بمرارة الدخان تحرق حلقي، فحاولت كتم سعالي حتى لا يسخر مني
"ليس سيئا، صحيح؟"
قال بابتسامة جانبية، ثم استعاد السيجارة مني وأخذ منها نفسا آخر
"لا أعلم... ربما فقط أحتاج إلى وقت للاعتياد عليه... على الرغم انني مدمنة و معتادة عليه... و لكن لا اسعل "
"هذا لأنها مصنوعة من اجود انواع التبغ و الحشيش... ابيع العادية و اترك الحادة و تأثير قوي لنفسي"
"ايدن... نحن نجلس بنفس المكان الذي حكيت فيه عن قصتي... الا تعتقد انه دورك لتحكي؟"
كان يراقب أمواج البحر وهي تتكسر على الصخور، ثم فجأة قال بصوت هادئ لكنه مثقل بشيء ما
"أتعلمين لماذا يكرهني والدي؟"
نظرت إليه باهتمام، لم أجب، فقط انتظرته ليكمل
"لأنه يعتقد أنني قتلت أمي"
كلماته كانت كالصفعة، شعرت أن الهواء تجمد من حولي، لكنه تابع بنفس النبرة الهادئة
"كنت طفلا صغيرا، وكانت تأخذني معها في كل مكان.... في ذلك اليوم، كنت أبكي وأصرخ لأجل لعبة، فقررت أن تأخذني معها للخروج.... كنا في السيارة، وكانت تحاول تهدئتي، ثم... ثم وقع الحادث"
ابتلعت ريقي بصعوبة، لم أكن أعرف ماذا أقول
كان أيدن دائما يبدو شخصا بلا مشاعر، بلا هموم، لكنه الآن كان مجرد طفل يحمل ذنبا لم يكن له يد فيه
"أنت تعلم أن هذا ليس خطأك، صحيح؟"
ضحك بسخرية، ثم ألقى بعقب السيجارة بعيدا
"انا اعلم... ولكن من سيعلم ابي بهذا... بالنسبة له، كنت السبب.... منذ ذلك اليوم، لم يعد ينظر إلي بنفس الطريقة، لم يعد يراني ابنه، فقط حمل ثقيل يتمنى لو لم يكن موجودا... ماتت أمي و مات معها حياتي و حناني"
خفضت نظري إلى الأرض، كنت أشعر بثقل كلماته، لكنه لم ينته بعد
"ثم هناك أخي، الذكي، المثالي، المتعلم.... أفضل في كل شيء... يتحدث بأدب على عكسي...أغلب كلماتي هي شتائم و حديث الشوارع ... وأنا؟ مجرد تاجر مخدرات في شوارع ريو دي جانيرو"
نظرت إليه، إلى هذا الشخص الذي يحمل وزر الذنب والخذلان والوحدة
لم يكن مجرد أيدن المستهتر، بل كان شخصا يبحث عن مكان له في هذا العالم القاسي
"أنت لست مجرد تاجر مخدرات... أيدن"
نظر إلي... في عيني مباشرة، لأول مرة منذ بدأ الحديث
رأيت في عينيه شيئا مختلفا، شيء لم أستطع تفسيره
"وأنتِ، أنجل، لماذا تهتمين لأمري؟"
انها اول مرة يناديني بإسمي... حتى انني ظننت انه لا يعرفه اصلا
لم أكن أعرف الجواب، أو ربما كنت أعرفه لكنني لم أكن مستعدة لقوله
لذا، فقط ابتسمت بخفة وأخذت السيجارة منه، سحبت نفسا آخر، هذه المرة بدون سعال، ونظرت نحو البحر
"لأنك تستحق أن يهتم لأمرك أحد، حتى لو كنت آخر من يصدق ذلك"
قاطع كلامي و كأنه يخشى من اهتمام شخص به
"هل تعرفين ما هو أخطر من ريو دي جانيرو؟"
كنت مستندة إلى الجدار الصخري، أراقب الأمواج وهي تتكسر تحت ضوء القمر، بينما الدخان المتصاعد من السيجارة بين أصابعي يختلط مع رذاذ البحر
التفت إليه ببطء، كانت عيناه نصف مغمضتين، ليس فقط بسبب تأثير المخدر
بل بسبب ثقل الأفكار التي يحملها
"لا..."
همست، وكأنني أخشى أن يبتلعني الجواب
ابتسم بسخرية، نفث الدخان من فمه ببطء، وكأنه يبعثر ماضيه في الهواء، ثم قال بصوت هادئ لكنه يحمل داخله صخبا لا يسمعه أحد سواي
"روبولين "
شعرت بقشعريرة خفيفة، ربما بسبب الريح الباردة، أو ربما بسبب الطريقة التي لفظ بها الاسم
وكأنه يحمل بين حروفه جرحا قديما لم يلتئم
"حي"
تابع وهو يميل برأسه إلى الخلف، ينظر للسماء كأنه يبحث عن نجمة لمعت يوما هناك وسقطت
"هناك، لا تولد لتعيش، بل تولد لتنجو...الفوضى ليست خيارا، بل قانون... الشوارع ليست طرقا، بل مسرحا لحرب لا تنتهي"
صمت للحظات، وكأن ذكرياته كانت تعتصره، ثم ضحك بخفة، ضحكة خاوية من الفرح، قبل أن يضيف
"هناك لا تحتاج إلى أن تكون سيئا كي تموت... مجرد وجودك هو سبب كاف ليكرهك أحدهم"
تأملت ملامحه، كيف يجمع وجهه بين قسوة الحياة وبراءة ضائعة، كيف يبدو كمن يحمل العالم فوق كتفيه، لكنه يتظاهر بأنه يرقص على أنغامه
"ومع ذلك، أنت تحب روبولين..."
قلتها، ليس كاستنتاج، بل كحقيقة شعرت بها في نبرة صوته، في نظرته التي لمست شيئا لا أفهمه بعد
على الرغم انه لا ينتمي الى روبولين... انا اعرف الحي جيدا
و من منا لا يعرفه!... عبر اجيال و قرون لم يدخل غريبا الى الحي... فقط أباء و أجداد و أبناء من نفس عائلة في روبولين من تعيش فيه
نظر إلي نظرة طويلة، ثم ابتسم... ابتسامة لم تكن حزينة، لكنها لم تكن سعيدة أيضا
"روبولين ليس مكانا تحبه... إنه مكان يحبك كما أنت... حتى لو كنت مكسورا"
نفثت آخر أنفاسي من السيجارة، أراقب الدخان يتلاشى في الهواء، وأدركت حينها
ربما لم يكن روبولين هو الذي أحبه، بل الطريقة التي جعله يشعر بها، وكأنه حتى في قلب الفوضى
ما زال هناك مكان لشخص مثله
✧✦✦✦✦✦✦✦✦✧
كان الهواء مشبعا برائحة المطر الخفيف، يتراقص ببرود
بينما كنت انا وأيدن نخطو بين الأزقة كأننا طفلان هاربان من قيود العالم
كانت ضحكته تهتز بيننا، تتناثر كأغنية قديمة ترفض أن تنسى، وكنت أضحك معه بلا سبب واضح، كأننا في هدنة مؤقتة مع الحياة
ببساطة تأثير المخدرات اللعينه
"هل رأيت الرجل العجوز عندما مررنا؟ كاد يبتلع لحيته من الدهشة!"
قالها أيدن وهو يميل برأسه ضاحكا، وعيناه تلمعان بوميض نادر، وددت لو ألتقطه وأخبئه في جيبي للأيام الرمادية
"أقسم أن تعابيره ستطاردني في أحلامي!"
قلت وأنا أحاول استجماع أنفاسي، لكنني انفجرت ضحكا مجددا عندما بدأ أيدن بتقليد وجهه المتجمد
ليس الرجل من اضحكني و ليس دهشة العجوز برائحة الحشيش التي تفوح منا
ما اضحكني هو لاشيء... فقط كنت اريد مشاركة ايدن في الضحك... لعله يتخطى ما بداخله من صراعات
كانت الضحكات بيننا خفيفة، ناعمة، كأننا نسينا لوهلة أننا في هذا العالم الفوضوي
لكن حين اقتربنا من المنزل، انكمش ضوء السعادة تدريجيا، وشيء غير مرئي في الهواء جعل خطواتي تتباطأ
وهناك، على عتبة المنزل، كان يقف
نيفيان
صامدا، بوجه لا يحمل أي انفعال، كأن الليل نفسه قد توقف عند قدميه، وعيناه الباردتان تتفحصاننا بصمت
شعرت بوخزة غريبة في قلبي، لم أفهم معناها، لكنني أيقنت أن هذا اللقاء لم يكن عاديا
التفت إلى أيدن بارتباك، معتقدة أنه لا يعرفه، لكن قبل أن أنبس بحرف، قطع الصمت صوت لم أكن مستعدة لسماعه
"أخي؟"
حبست أنفاسي، شعرت وكأن الزمن التهمني للحظة
التفت إلى أيدن، متوقعة أن أرى صدمة على وجهه، لكنه لم يكن متفاجئا
بل اكتفى بتنهيدة ثقيلة، وكأن هذا المشهد كان مكتوبا في ذاكرته منذ زمن طويل
"نيفيان..."
تمتم باسمه بهدوء، دون أي ارتباك، دون أي انفعال
في تلك اللحظة، شعرت كأن الأرض قد سحبت من تحت قدمي
نيفيان وأيدن... شقيقان؟ كيف؟ متى؟ لماذا لم يخبرني أحد؟!
تاهت الأسئلة في رأسي، لكن أكثر ما أقلقني
هو أنني كنت على وشك الوقوع في دوامة حب شاقيقان لا أعرف كيف أخرج منها
Robolline