ثمة كره يسكنني دون سبب واضح...
كغيمة رمادية تجوب السماء دون وجهة، تثقل الهواء حولي، وتخنق أنفاسي برفق موجع
أشعر بأنني غريبة عن كل شيء، عن الأشياء التي كنت أحبها، عن الضحكات التي كانت تملأ صدري، عن نفسي التي لا أراها في المرآة كما كانت
كل شيء بات باهتا، كأن الألوان فقدت معناها، والأصوات تاهت بين الضجيج والصمت
لا حزن صريح يبرر هذا الثقل، ولا دمعة تسيل لتريحني
فقط كره صامت، ووحشة تسكنني، لا أدري متى جاءت، ولا متى سترحل
لا أدري متى بدأ هذا الكره،
كره لا يشبه الحقد، بل يشبه الغبار المتراكم على أرواحنا بعد كل خيبة
أمشي في يومي كأنني جسد بلا نفس، أرى العالم ولا أراه، أسمع الأصوات ولا تصلني،كل شيء من حولي باهت، حتى الأشياء التي كنت أحبها... صارت تمر أمامي بلا أثر
بلا نبض
أكره هذا الشعور...
أكره أنني لا أستطيع أن أحب ما كنت أحب، ولا أن أكره بصدق ما يؤذيني
كأنني تائهة في فراغ لا يملكه أحد، لا ظلال فيه ولا ضوء، لا أنا فيه ولا أحد يعرفني
الغربة ليست مكانا، بل هي شعور يسكنك حتى بين الألفة
والآن، أنا في غربتي الكاملة... مع نفسي، ضدها، داخلها
لا دموع تنقذني، ولا كلمات تشفيني، فقط هذا الثقل الذي يتشبث على صدري كصخرة مشدودة بخيط رفيع من اللاشيء
أشتاق لنفسي...
لكن لا أعرف الطريق إليها
ركضت...
كأن الطريق إلى البيت كان طريقا إلى الجحيم
كنت أسمع صراخي قبل أن أصرخ، وأشعر بالبكاء قبل أن أصل
وكلما اقتربت، شعرت أن قلبي يضيق، يضيق حتى كاد يختنق
كأن المسافة بيني وبين البيت لا تقاس بالأمتار، بل بالوجع
كأن الطريق إلى البيت صار أطول من المعتاد، كأن قدمي ترتجفان تحت ثقل الخوف، والهواء يزداد ثقلا في صدري كلما اقتربت
كان صوت الصراخ لا يزال يرن في أذني، كنداء من عالم آخر، يحمل كل نذر الخراب
قدماي تلامسان الأرض ولا تلمسانها، أنفاسي تتقطع، وقلبي... قلبي لم يكن ينبض بل كان يصرخ
"أنجل!"
صوت إيدن خلفي، يحاول اللحاق بي، يحاول أن يجذبني من حافة الهاوية، لكني كنت قد سقطت فعلا
لم أكن أسمع سوى دقات قلبي، تلك التي كانت تنذر بشيء أسوأ من الكوابيس
وصلت إلى الباب، كان مفتوحا على وسعه، كأن الفاجعة لا تحتاج لطرق...
دخلت
وصعقت
لورينزو
كان جسده ملقى على الأرض، ممددا كمن سقط من الحياة نفسها، والدم ينزف منه كشلال صغير خجل من أن يوقظ الموتى
أمي...
منهارة، تحتضنه بجنون، كأن بين ذراعيها فرصة للنجاة، تبكي بصوت يمزق القلب، تهمس باسمه، ترجوه أن يفتح عينيه، أن يرد عليها، أن يكذب ما تراه كأنها تحاول لملمته من الموت
يداها مضرجتان بالدم، وعيناها لا تريان إلا وجهه
أختي الكبرى جالسة في الزاوية ترتجف
والصغرى... تلف حول نفسها كطفلة تائهة، تنظر إلى الجدران كأنها تبحث عن مخرج من هذا الكابوس
كايلة...
كلبتنا، صغيرتنا، كانت تنبح بجنون، تدور حول الجسد والدموع، تخدش الأرض بأظافرها، لا تفهم ما يحدث، لكن قلبها يعرف أن شيئا عظيما قد انكسر
أما هو...أبي
كان واقفا هناك، كتمثال حطمه الزلزال، يداه ترتجفان، وفي إحداهما دم...
دم لورينزو
نظر إلي... بعينين لا تحملان شيئا سوى الفراغ
كأنّ ذنبه أثقل من أن يقال، وألمه أعمق من أن يغفر
تقدمت، ركضت نحو أخي، سقطت على الأرض، وضعت يدي على وجهه، برد مخيف سكن جلده
صرختها من أعماق قلبي، كأن كل آلام الدنيا تجمعت في تلك الحنجرة
احتضنت وجهه بين كفي، كانت بشرته باردة... باردة جدا
"لورينزو"
أفلتت مني كأنها زفرة العمر كله
همست، وكل شيء داخلي كان يصرخ
أحسست أن الأرض انخلعت من تحت جسدي
إيدن لحقني كأنه اقتحم ساحة الموت
وقف خلفي، لم يقل شيئا... فقط شهق حين رأى المشهد، اقترب بخطوات هادئة، خائفة، وركع بجانبي، وضع يده على كتفي
نبس بصوت مرتجف
"لست وحدك يا أنجل"
لم يقل "لنأخذه إلى المستشفى"
لم يتحدث بلغة الإسعاف ولا الوقت الذي يزاحمنا...
بل قالها كأنها صلاة، كأنها رجاء و تمني ما يفكر به لن يحدث
"لو كان الوجع ينقسم على اثنين، لأخذت نصفه عنك، ولتركته ينام"
كلماته انسكبت داخلي دفئا، رغم أن الهواء من حولي كان باردا
نظرت إليه، وأنا بين دموع لا تسقط، وصراخ لا يسمع، فقط القلب كان يصرخ، يئن، يمزق
وكأنني كدت انسى ان لورينزو بعد ان يكون اخري... هو صديقه
لكن الأبي ...
ذلك الرجل الذي أُعطي لقبا لا يستحقه، كسر اللحظة بجملة تقطر قسوة
"دعه يتعفن، لم يكن يوما ابنا يستحق الحياة"
صرخة من الداخل
انفجار لا يرى
رأيت عيون ايدن تتغيران اختفى بريق وحل مكانه بركان
تقدم، بثبات من تحركه الكرامة،
وبصوت مزلزل كالرعد، قال
"عيب على رجل تلطخ يده بدم فلذة كبده،
وتتباهى بالقسوة كأنها رجولة!"
"إنه ابني، أفعل به ما أشاء"
فكانت الضربة
قبضة إيدن ارتفعت، ليس عن عنف، بل عن وجع،
وصفعت وجه الابي
صفعة حملت كل الصراخ الذي عجزنا عن قوله، كل الوجع، كل العار
سقط الأبي أرضا و لم يكتفي ايدن...بل تابع يضرب وجهه بدون توقف ، وصرخت أمي ممزقة القلب
"كفى!"
لكن إيدن لم يرد، عاد إلي، انحنى على لورينزو،
نظر إلي، ثم قال
"إن بقي فينا شيء من الإنسانية، فلننقذه"
وهزيت رأسي، أخيرا
دموعي انهمرت، وأقدامي بدأت تتحرك، نحو الحياة، نحو الضوء الوحيد الباقي في هذا الليل الطويل...
✧✦✦✦✦✦✦✦✦✧
ركضنا نحو الباب، والريح تلسع وجهي كأنها تصفعني على غفلتي
أنفاسي تتلاحق في صدري، تتكسر كأمواج هائجة على صخور الذعر
شعرت أن قلبي قد قفز خارج ضلوعي، يسبقني في الركض، يبحث عن هواء أنظف...
عن خلاص مؤقت من هول ما رأيت
إيدن... كان يحمل لورينزو بين ذراعيه كما يحمل العمر حين ينكسر، وكأنه يحضن حياة تنزف بين يديه
لا شابا مصابا
ذراعه تحيط بظهره، ويده الأخرى تسند رأسه المائل، وصوته الخافت يرتجف في الهواء، يشق الصمت كدعاء يائس
"تماسك، لورينزو... لا تغمض عينيك، إبقى معي، أنا لن اتركك "
كلبة كايلا كانت تلهث خلفنا، تنبح بحزن لا يفسر، تركض بين أقدامنا كأنها تسأل
ما الذي يحدث؟
ولِمَ لا تجيبون؟
نظراتها كانت مذعورة، تائهة... تشبهنا تماما
أمي خرجت خلفنا، شالها سقط عن كتفيها، يتبعها كأنه يرفض تركها وحدها في هذه اللحظة
وجهها كان متورّما، عيناها محمرتان كأنها بكت أعواما، لا دقائق
كانت تهمس باسمه في انهيار
"لورينزو... لورينزو يا ولدي... اجبني "
أختي ادلين كانت تسحب افالونا من ذراعها، تحاول إخراجها من هذا المشهد، لكن افالونا كانت تقاوم
تبكي، تصرخ
"لورينزو...لولو لن يموت، صح؟ قولي لي !"
كانت تنظر إلينا بعيون تتوسل الكذب... كأن الحقيقة أكبر من قدرتها على الفهم
أنا... أنا فتحت باب السيارة بيدي المرتجفة، شعرت بالمقبض كأنه سكين، كل شيء حولي صار أداة للوجع
صرخت لإيدن
"هنا... ضعه هنا، في الخلف!"
وضعه برفق لا يشبه إلا الحب... كأنه يضع قلبه هو، لا أخي، على المقعد
جلست قربه، وضعت راحتي المرتجفتين على جبينه، حرارته تتسلل إلى أعماقي، وتزيد احتراقي
قربت وجهي من وجهه، همست له
"ابق... أرجوك، لا ترحل....لم يحن وقتك بعد ، ليس اليوم، ليس و انت لم تعش حياتك بعد... كيف تموت و انت لم ترى من الحياة سعادة؟ "
دارت عجلات السيارة على الطريق كأنها تمزق الليل
وإيدن... وجهه مشدود، يداه على المقود كأنه يمسك بالزمن، بعمر لا يريد أن يخسره
كنت أراه من المرآة... لم يتحدث، لكنه كان يحترق
وأنا؟
أنا أدعو... لا بلساني، بل بروحي
أدعو أن يعود بي الزمن، أن أكون قبل هذا المشهد، قبل هذه الدماء، قبل هذه الرعشة في قلبي
أدعو أن يبقى أخي... أن يعود ضحكه، شغبه، روحه
لكن الدعاء وقت الألم، ليس رجاء فقط... بل رجفة، وانكسار، ورجفة أخرى
وضع لورينزو على سرير الطوارئ، وجوه الأطباء كانت جامدة، ملامحهم لا تحمل طمأنينة، فقط استعجال... وقلق
الضوء الأبيض في الممرات كان قاسيا، كأنه يعري كل شيء
وجعي، خوفي، دمي الذي مازال على يدي، وأثره على قميص إيدن
كان كل شيء صاخب... أصوات الأجهزة، وقع الخطى، صراخ أمي خلف الباب المغلق، دموع أختي الكبرى وهي تحاول أن تهدئ الصغيرة، ونباح كايلا الذي بقي يتردد في رأسي، حتى بعد أن منعوها من الدخول
وقفت هناك... عاجزة
يدي كانت معلقة في الهواء، لا تعرف إن كانت تبحث عن شيء، أو فقط تحاول ألّا تسقط
عيني على الباب... كأني أراقب مصيري من ثقب الحياة
وإيدن؟
كان صامتا، واقفا بجانبي كجدار لا ينهار
لكن يده... كانت ترتجف وهو يضعها على كتفي، يحاول أن يقول شيئا، أن يعيد لي شيئا من الثبات...
لكنه لم يتكلم
فجأة، فتح الباب
خرج الطبيب، نظراته مرهقة، وصوته منخفض، كأنه يخشى أن يكسرنا أكثر
"حالته حرجة... النزيف كان قوي، ولكن انقذناه في وقت المناسب ...سنراقبه خلال الساعات اتية"
لم أسمع سوى "انقذناه"
تعلقت بها كالغريق، رددت الكلمة داخلي ألف مرة
بكيت، وابتسمت، ثم بكيت من جديد
إيدن جلس على أحد الكراسي، مسك رأسه بين يديه، ولم يقل شيئا
أنا جلست على الأرض... لم أهتم بالنظرات، لم أهتم بالبلاط البارد
فقط كنت أتنفس
أتنفس أخيرا
تقدمت أمي نحوي، وركعت، وضمتني كأنني لست أنا من تحتاجها... بل هي من تحتاج أن تطمئن
قلت لها بهمس كسير
"لن يموت؟"
فأجابت، والدموع تخنق صوتها
"لا...هو اقوى من ان تهزمه مجرد سكين"
في تلك اللحظة... لم أعد أعلم من يحضن من، ولا من يبكي لأجل من
كنا جميعنا نغرق...لكننا كنا معا
꧁ pov aiden ꧂
لم أكن أظن أن صوت صفير الأجهزة الطبية سيصبح جزءا من ذاكرتي
لكنه الآن... يسكنني
أجلس هنا، في هذا الكرسي البارد، أراقب لورينزو من خلف زجاج وهو ينام على سريره الأبيض، بين أنفاس متقطعة وأنابيب تشبك على جسده كأنها تحاول إقناعه بأن يبقى، بأن لا يرحل
عيناه مغمضتان
لكني أراه
أراه في كل لحظة كنا نضحك فيها، في كل مرة تشاجرنا فيها لأجل لا شيء، في كل مرة جلست فيها أنا وهو نخطط لمستقبل بعيد، وكأن الحياة وعد أبدي
لم يكن أخي... لكنه شيء قريب من الأخوة.... شيء ما بين القلب والروح، شيء لا يفسر
أنظر إليه، وأشعر بثقل في صدري... ثقل لا تصفه الكلمات
كيف يهان الجسد بهذا الشكل؟
كيف يسقط الإنسان ضحية غضب رجل كان يفترض أن يحمي لا أن يضرب؟
أن يحتوي لا أن يدمي؟
أريد أن أصرخ، أن أضرب الجدار، أن ألعن العالم
لكني فقط أتنفس... بصعوبة
وهي... أنجل
رأيتها تنكسر، رأيت نظرتها، دموعها، وهي تتشبث بأمل هش
لكن ما يؤلمني أكثر... أنني لا أستطيع أن أكون لها عونا وأنا محطم بهذا الشكل
اريد ان أمسح على جبين لورينزو يدي ترتجف، لكن قلبي يرتجف أكثر... و الزجاج يمنعني
" انهض يا صديقي...لازلت لم اكمل لك قصة التافهة.... التي كنت احكي عنها "
لكنه لا يرد.... فقط صوت الأجهزة يملأ المكان، كأنه الحياة الوحيدة المتبقية
أغمضت عيني
تمنيت لو كنت أنا
لو كنت أنا من نزف.... لو كان بإمكاني أن أُعيد الزمن، أن أقف بينه وبين يده تلك...
لكننا لا نملك العودة... نملك فقط الألم... والانتظار
هو هناك على السرير، كأنه تمثال من وجع، وأنفاسي تخونني
لطالما كنت أنا من يحكي النكات، وهو من يضحك كأن الدنيا لا تعرف الحزن
كنا نخطط للهرب، من الأهل، من المدرسة، من كل شيء
نحلم بحياة فيها ضوء، فيها ضحك حقيقي... لا هذه الجدران البيضاء الباردة
أنا محطم
أشعر أنني أنظر إلى شقيقي... وإن لم تجمعنا الدماء، جمعتنا الحياة
جمعتنا الأسرار، والمشاوير الطويلة، والضحكات بين الزقاق، والدموع التي كنا نخفيها تحت ضوء الشارع حين لا يرى أحد
أين ذهب كل هذا؟
أنظر إلى يديه، كم مرة ضرب بها ظهري مازحا؟
كم مرة سحبني من أفكاري وأنا غارق في التردد؟
الآن، أصابعه باردة، ساكنة، كأنها فقدت كل ذاك الدفء
في صدري حريق لا يطفأ
كأني أتنفس رمادا، لا هواء
كأن كل ما في يريد أن ينهار، أن يسقط، لكنه واقف فقط لأن أنجل تحتاجني
فقط لأن لورينزو لا يحق له أن يترك وحده في هذه اللحظة
أمسك يده، وأقول له بصوت خافت
انه افضل صديق لي... و اول صديق و اخرهم
لكنه لا يتحرك
وأنا... أنا أشعر أني أذوب من الداخل
أني أتحلل قطعة قطعة، دون أن أُظهر شيئا
فقط لأجله
فقط لأني لا أحتمل فكرة أن أفقده
ثم لمحتها...أنجل
كانت جالسة في الزاوية، ظهرها مائل قليلا، وجهها شاحب يشبه الغيوم الرمادية قبل المطر، ويديها تكتب شيئا في الهاتف، بعجلة، بتركيز، كأن العالم كله اختصر في شاشة صغيرة
تقدمت نحوها
خطوة... اثنتان... قلبي يدق وكأني داخل معركة لا أفهم سلاحها
وعندما اقتربت بما يكفي لألمح اسم المرسل...
توقف قلبي
لم أكن أعرف أن الخذلان له رائحة... لكنني شممته في تلك اللحظة
حين رأيت اسم نيفيان يلمع على شاشة هاتفها... كأنه نقش هناك خصيصا ليوقظ داخلي كل ما دفنته
كنت واقفا على حافة الانتظار، على شفا الأمل، أحمل حبا صادقا مهتزا، مبعثرا، لكنه كان حقيقيا
وكان يكفيني... كانت هي تكفيني
لكن اسم نيفيان؟
أعادني لذلك الإحساس البارد... أنني دوما كنت ظلا لرجل آخر، أنني دوما كنت الاختيار المؤقت، لا المستقر
ما أوجع أن تكون البديل... أن تنام بقلب ممتلئ بها، وتستفيق لتكتشف أنك كنت مجرد مساحة فراغ ملأتها حتى يأتي من كانت تنتظره أصلا
أنا إيدن... الولد اللي عاش يتيم العاطفة، لم اعرف معنى حنان إلا في عيونها، اللي تعلم من الشوارع كيف ينجو، ومن الكتب كيف يصمت... ومن الحب كيف يكسر
صوتي لم يخرج، كان يرتجف، رغم أنني الملام
كان شعورا بالخذلان، بالوحدة، بالأسئلة التي لا تطرح لكنها تنهش
لماذا هو؟...لماذا الآن؟
ولماذا كل ما بيننا يبدو هشا، بينما كل ما بينهم يبدو صلبا حتى من خلال شاشة هاتف؟
أردت أن أناديها، أن أواجهها، أن أصرخ
لكنني لم أقل شيئا
اكتفيت بأن أتنفس ببطء، كأن الأكسجين بات يؤلمني
وغرست بصري في الأرض، حتى لا ترى في عيني كل ما لم أقله
كان المستشفى ضيقا ... لا بسبب الجدران، بل بسبب ما يحمله الهواء من ثقل
كأن الأرواح فيه تتنفس من صدري، وكأن كل شهيق أستنشقه يحمل وجعا جديدا
لم أستطع البقاء.... أنجل لم تنتبه حتى لخروجي، أو ربما تجاهلت
لا أعلم.... لكنني علمت شيئا واحدا
إن بقيت لحظة أخرى، سينفجر شيء ما بداخلي
خرجت من المستشفى، والمطر بدأ ينسج وشاحه الرمادي فوق المدينة كنت امشي كأن الأرض تحتي تئن، كأن خطواتي ثقيلة من كل الكلام اللي اختنق في حلقي
وجهي مبلل... لا من المطر بل من دموع التي اشتاقت ان تظهر على وجهي
خطاي بطيئة، لكن قلبي يركض
أحاول أن أفلت من فكرة، من ذكرى، من اسم يومض على شاشة، من ألم لا أعرف كيف أصفه
كان الليل ثقيلا، يرش سكونه على المدينة، لكن داخلي كان يعج بعاصفة
وصلت إلى البيت، دون أن أشعر بالمسافة، كأنني كنت أهرب على قدمي من شيء يسكن داخلي
خلعت معطفي، رميت مفاتيحي على الطاولة بلامبالاة، وحدقت طويلا في الخزانة حيث تقف دراجتي... كأنها تناديني
اقتربت منها
مررت يدي على المقود، كأنني أطلب من الحديد أن ينسى عني، أن يحملني بعيدا
خرجت بها، بلا وجهة
أردت فقط أن أركض على الطرقات، أن أصيح داخلي، أن أترك الريح تصفع وجهي حتى أنسى من أكون
شغلت المحرك.... صوته دوى في قلبي قبل الشارع
انطلقت...
الشوارع كانت فارغة، إلا من أضوائها الباردة
الريح كانت تلسع وجهي، لكنها لم تكن أبرد من ما أشعر به داخلي
كنت أهرب... من المستشفى، من لورينزو، من أنجل، من اسمي، ومن أخي نيفيان الذي يبدو أنه يسكن مكانا ما في قلبها، وأنا مجرد عابر
وما كنت أعلمه حينها، أن الهروب على دراجة لا يبعدك عن الألم، بل يوصلك إليه أسرع
꧁ pov angel ꧂
كنت أجلس هناك... على الكرسي الملتصق بجدار المستشفى، وظهري كأنه يحمل كل العالم
الهدوء من حولي كان كاذبا، والضوء الأبيض فوق رأسي بدا وكأنه يفضح كل ما أخفيه
أضع رأسي على كفي، وعيناي مشدوهتان إلى الأرض، حيث لا شيء...ولا أحد
أشعر بشيء يخنقني، لا بكاء، لا صراخ، بل سكون قاتل يسكن داخلي
لورينزو هناك، خلف الجدار، بين الحياة والموت...وأنا؟
أنا جالسة، عاجزة، مكسورة... أحاول ألا أصرخ
كل الوجوه تمر أمامي بلا ملامح ، كل الأجساد تتحرك حولي بلا معنى
وإيدن...أين إيدن؟... منذ لحظات، خرج...ولم يعد.
يدي ما زالت تمسك الهاتف، بعصبية، قلبي يكتب له ألف رسالة ولا يرسلها
لكنه لم يرد...لم يظهر... لم يعد
وفجأة...رن الهاتف
كان اسم نيفيان، وقلبي قفز كما لو أن الأرض مالت بي
أجبت بسرعة، لكنني لم أتكلم
كلي آذان، وكلي خوف
وصوته...صوته لم يكن صوته
كان خافتا... مكسورا... يرتجف
" انجل "
سكت لحظة، وأنا قلبي توقف
"أنجل... فقدنا إيدن"
كأن أحدهم سحب الهواء من حولي
كأن الأرض انسحبت من تحت قدمي
"ماذا"
خرجت الكلمة من فمي وهمسا، كأنني أرفضها، كأنني أترجاها أن تكون كذبة
"كان... يسوق...و وقع حادث و... و..."
لم أسمع باقي الكلمات
رأسي انخفض، يداي ارتختا، والهاتف سقط على الأرض
وكل شيء بدا وكأنه غرق في صمت مطبق...صمت يشبه الموت
Robolline