بين الكتب و المطاردات... كان قلبي هو المسرحية

بين الكتب و المطاردات... كان قلبي هو المسرحية

17 0

هناك شيء فيك يجذبني، ليس بوضوح الحب، ولا بسطحية الفضول

بل هو شيء بينهما تمامًا، مساحة رمادية بين القلب والعقل

أعجبني فيك ما لم أستطع تفسيره، ربما هي طريقة حديثك، أو لمعة عينيك حين تبتسم، أو حتى هدوؤك حين يغرق الجميع في الضجيج

لستُ متأكدا إن كنتُ أريد الاقتراب أكثر، أم أنني أكتفي بهذا الشعور العابر

لكنه شعور جميل، يشبه نسمة باردة في يوم صيفي، يشبه ضوء القمر حين يكون بدرًا

بسيط... لكنه يأخذ الانتباه كله

كانت المكتبة هادئة إلا من صوت الصفحات التي تتقلب بهدوء، وكأنها تهمس بأسرار خفية لمن يجيد الإصغاء. جلستُ على الأرض بجانبه، ضامّة ساقي إلى صدري، مسندة رأسي برفق إلى رف الكتب خلفي، بينما كان هو يجلس بالطريقة ذاتها

وكأننا طفلان صغيران نختبئ في زاوية هذا العالم الصاخب

أمامنا، على الأرض، تناثرت بعض الكتب التي اخترناها عشوائيا

لكنها لم تكن عشوائية حقا، بل كأنها اختارتنا بطريقة ما

كنتُ أعبث بأطراف صفحات كتاب بين يدي، بينما هو يتأمل الغلاف الذي كان يحمل عنوانًا قديمًا لكنه

خالد

"لماذا نحب الكتب القديمة؟"

سألته، وأنا أتابع عينيه الخضراوين وهما تتنقلان بين الكلمات المكتوبة على الصفحات الصفراء

لم يرفع عينيه فورا، بل ظلّ يتأمل السطور كأنه يحاول انتقاء الكلمات الصحيحة من بينها، ثم قال بصوت خافت

وكأنه يخشى أن تسرق المكتبة كلماته

"لأنها تشبهنا... تملك طبقات من المعاني، لا تكشف نفسها للكل، فقط لمن يتأنى في قراءتها "

ابتسمتُ، ثم نظرتُ إلى الكتب المتراكمة أمامنا، وكأنني أراها من منظور مختلف تماما

لامستُ الغلاف الجلدي لكتاب قديم وقلت

"إذا كانت الكتب تشبهنا، فماذا يقول هذا الكتاب عني؟"

نظر إلي أخيرا، تلك النظرة التي تترك أثرا لا تمحوه الأيام، ثم مد يده ليأخذ الكتاب من بين يدي، قلب صفحاته بلطف قبل أن يجيب

"أعتقد أنكِ تشبهين قصة لم يكتبها أحد بعد... غامضة، غير متوقعة، وفي كل صفحة هناك معنى جديد"

شعرتُ بشيء دافئ يسري في داخلي، ربما كان إعجابًا بطريقة تفكيره

أو ربما كان شيئا آخر لا أجرؤ على تسميته

مددتُ يدي وسحبتُ كتابا آخر، فتحته في صفحة عشوائية وقرأت بصوت خافت

"كل شخص يعيش قصتين، واحدة يرويها للعالم، وأخرى يخفيها بداخله"

نظرتُ إليه، فوجدتُه يبتسم بخفة، وكأنه فهم ما لم أقله

ثم قال بصوت هادئ، لكنه عميق كعادته

"المهم هو أن نجد من يقرأ القصتين معا... ولا يهرب من الثانية"

في تلك اللحظة، أدركتُ أن بعض الحوارات ليست مجرد كلمات...

بل أبواب تُفتح نحو أماكن لم نزُرها من قبل، حتى داخل أنفسنا

رن إشعار في هاتفي... ترددت يدي للحظات قبل أن تلمسه

وكأنني أخشى أن يسرقني الواقع من اللحظة التي أعيشها الآن

كنت غارقة في وجوده، في هدوء المكتبة، في السكون الذي لا يقطعه سوى همس الصفحات

لكن الفضول كان أقوى من ترددي

بلمسة خفيفة، انفتح الإشعار... كان إشعار متابعة على إنستغرام

أيدن

شعرت بقلبي يتباطأ للحظة، كما لو أنه يحاول استيعاب الاسم قبل أن يسمح لنفسه بالخفقان مجددا

رفعت بصري نحوه دون أن يدرك، كان مستغرقا في كتابه، وكأنه لم يبعث بشيء، وكأن شيئا لم يتغير

"من قال إن الذئب لا يطرق الباب؟ أحيانا، يدخل بهدوء دون أن يحدث صوتا "

ابتسمت بخفة، ثم أعدت النظر إلى الهاتف، لأجد إشعارا آخر... رسالة منه

"ساندريلا... هل تحاولين اخافة الناس بصورك؟"

كانت رسالته الأولى، وكأن حضوره لا يكتمل إلا بمزيج من العبث والاستفزاز

رفعت حاجبي بدهشة، ثم عدت للنظر إلى الصورة التي نشرتها آخر مرة على إنستغرام

لم تكن مخيفة...

أو على الأقل، لم أكن أراها كذلك

"وهل أنت من الناس؟"

أرسلت له بسرعة، وكأنني أحاول استعادة زمام الأمور

لم يمر وقت طويل قبل أن يظهر إشعار آخر

"أنا حالة خاصة، يُفترض أن تُراعى"

زفرت ضاحكة، وأردتُ تجاهله، لكن أصابعي خانتني

"حالة تحتاج إلى علاج "

هذه المرة، تأخر رده قليلا، وكأنني أخيرا جعلته يفكر للحظة قبل أن يبعث باستفزاز آخر

وبعد دقيقة، وصلتني رسالته الجديدة

"وربما طبيبة ماهرة مثلك يمكنها علاجي؟"

توقفتُ للحظة، أتأمل كلماته. أيدن... هل هو مجرد مزاح، أم أن خلف تهكمه شيء آخر؟

"أعالجك بشتيمة أخرى على ما يبدو!"

رأى رسالتي في نفس الثانية قبل ان يكتب

"لا شكرا... أفضل ان اكون مريض"

هل قلت من قبل ان مزاح ايدن يعجبني؟

لم اقل؟

اذا ها انا اقول الان

كنت أتصفح الهاتف بين يداي، محاولة التظاهر بأنني لا أنتبه لوجوده بجانبي

لكن الحقيقة أنني كنت أشعر بكل حركة يقوم بها، حتى أنفاسه الهادئة بدت وكأنها تملأ الصمت بيننا

كنت في إنستغرام، وعلى الرغم من أنني كنت أبحث عن أي شيء يشغلني، إلا أن أصابعي تحركت تلقائيا نحو حساب أيدن

كأنها كانت تعرف طريقها دون أن أوجهها

ظهرت صوره أمامي واحدة تلو الأخرى، كل واحدة تحمل جزءا من شخصيته المتمردة

في صورة، كان يستند إلى دراجته النارية، ينظر إلى الكاميرا بنظرة واثقة وكأن العالم بأسره ملك له

في أخرى، كان يضحك مع أصدقاء لم أتعرف عليهم، لكن ضحكته كانت واضحة، حقيقية، وكأنها جاءت من أعماقه

لا أدري لماذا كنت أتمعن في كل تفصيلة، في طريقة وقوفه، في تلك الابتسامة الجانبية التي يزين بها أغلب صوره، في الطريقة التي يبدو فيها وكأنه يعيش الحياة دون أن يسمح لها بأن تثقله

نسيت للحظة أن نيفيان لا يزال بجانبي، مستندًا على رف الكتب، وعيناه مسمرة على الصفحات أمامه

لكن فجأة، تحرك قليلًا، ونظر إلي بطرف عينه

"ماذا تفعلين؟"

سأل بصوت هادئ، دون أن يرفع رأسه بالكامل

أغلقت الهاتف بسرعة، وكأنني ارتكبت جريمة

"لا شيء"

رفع حاجبه بشك، ثم عاد لعالمه داخل الكتاب، بينما بقيتُ أنا مع عالمي الذي أصبح أكثر تعقيدًا مما توقعت

✧✦✦✦✦✦✦✦✦✧

كانت ليلة هادئة، أو هذا ما اعتقدته عندما خرجت من المكتبة بعد أن ودعت نيفيان

كانت خطواتي خفيفة، وعقلي لا يزال مشوشا بالكلمات التي تبادلناها عن الكتب والحياة والمعاني المختبئة بين السطور

كنت أشعر بنوع من السلام الداخلي، وكأنني خرجت للتو من عالم آخر مليء بالحروف والسكون

لكن، وكما هي العادة، السلام لا يدوم طويلا في حياتي

فور أن انعطفت نحو الشارع المؤدي إلى المنزل، لمحت من بعيد مشهدا جعلني أتوقف في مكاني، أحدق وكأنني أحتاج إلى لحظة لاستيعاب ما تراه عيناي

أخي... وأيدن... ثملان

لم يكن المشهد بحد ذاته هو الصدمة، بل الطريقة التي كانا يسيران بها، متشابكي الأذرع وكأنهما فرسان عائدان من معركة عظيمة

أو بالأحرى شخصان بالكاد يستطيعان الوقوف على أقدامهما

كان أخي يضحك بصوت عال، ويده تتدلى فوق عنق أيدن وكأنه يحاول منعه من السقوط، بينما أيدن، بعينين نصف مغلقتين، يشير بعشوائية إلى السماء قائلا بصوت مشوش

"هل سبق وأن فكرت أن النجوم مجرد ثقوب في السماء؟... أنا أعتقد أن أحدًا قام بثقبها فقط لنرى النور"

رد عليه أخي و هو يحاول فتح عيونه

" و العضلة النائمة... لم تستيقظ بعد؟! "

ضحك ايدن بصوت عالي و هو يوافقه

"المحيط الهادئ... متى يصبح غاضب؟"

حدقت فيهما بصدمة قبل أن أتمتم

"يا إلهي، لقد فقدتما عقولكما بالكامل."

رفع أخي رأسه بصعوبة، وكأنه للتو أدرك وجودي، ثم ابتسم ابتسامة واسعة قائلا

"أنجل! تعالي، أيدن أصبح زوج اختي ، والآن نحن عائلة!"

أيدن، الذي بالكاد كان يستطيع الوقوف، نظر إلي وضحك بخفة قبل أن يقول

"وأنت ستكونين زوجتي إذن... مرحبًا أيتها السنفورة"

تدحرجت عيناي بملل

"رائع، هذا بالضبط ما كنت بحاجة إليه... زوج ثاني ثمل"

حاولت أن أسحب أخي من جانبه، لكن أيدن تمسك به وكأنه كنز لا يمكن التخلي عنه

"لااا، إنه زوج زوجتي الآن، لن أتركه!"

عقدت حاجباي بعدم فهم

زوج زوجتي!! ما هذا الخلط

"زوج زوجتي؟!"

"اقصد زوجي... اقصد زوجنا... اوه انا فعلا لا أستطيع قول كلمة صحيحة"

قال ذلك و هو يحك منطقة بين عينيه

وضعت يدي على وجهي بإحباط، ثم همست

"لماذا أنا العاقلة الوحيدة هنا؟"

نظر إلي أيدن للحظة، ثم ابتسم بمكر وهو يميل برأسه نحوي قائلاً

"لا تكوني جادة هكذا، ساندريلا... الحياة تحتاج إلى بعض الجنون... أحيانًا"

أخذت نفسا عميقا، قبل أن أمسك بأخي من جهة، وأيدن من الجهة الأخرى، وأنا أجر الاثنين نحو المنزل كأنني المربية الوحيدة في هذا الحي الفوضوي

يا إلهي... متى أصبحت جليسة سكارى؟

بينما كنت أجر أيدن ولورينزو كأنني أم مسكينة

لمحت من بعيد شرطيا يقف مستديرا

في تلك اللحظة، شعرت أن القدر قرر التلاعب بي هذه الليلة

أيدن، الذي بالكاد يستطيع التركيز، مال نحوي وهو يهمس بصوت بالكاد يكون همسا

"لورينزو... إنهم الشرطة، ونحن نحمل المخدرات وثملان تمامًا... ماذا نفعل؟"

لورينزو، الذي كان أكثر استمتاعا باللحظة من قلقه على مستقبلنا، مال بدوره نحو أيدن وهمس بنفس طريقته الذكية

"بسيطة، نمثّل أننا معاقين"

حدقت بهما بصدمة، ثم همست بغضب

"أقسم بالله أنكم لا تحتاجون للتمثيل، أنتم معاقون فعلًا!"

ولكن قبل أن أتمكن من إنهاء جملتي، كانا قد بدأ بتنفيذ الخطة العبقرية

لورينزو فجأة جعل رأسه يتمايل يمينا ويسارا وكأن رقبته لم تعد تعمل

بينما أيدن بدأ يعرج بطريقة مبالغ فيها، واضعا يده على قلبه كأنه بطل رواية درامية يحتضر

أما أنا؟ كنتُ هناك فقط، أتساءل في صمت

كيف تحولت حياتي إلى مسرحية كوميدية رديئة؟

بينما كنتُ أراقب هذين الأحمقين وهما يستعدّان لأداء أسوأ تمثيلية في تاريخ البشرية، التفت إلي أيدن بسرعة وهمس

"ساندريلا، مثلي معنا!"

تجمدتُ في مكاني، وقلتُ بارتباك

"ماذا؟ أمثل ماذا؟"

لكن قبل أن أحصل على إجابة، استدار الشرطي ببطء نحونا

للحظة، شعرتُ وكأنني في أحد مشاهد الأفلام حيث يدور الشرير ببطء، والموسيقى المشؤومة تُعزف في الخلفية

لورينزو، الذي كان مستعدا بشكل غريب، بدأ فجأة يهز رأسه بعشوائية، ويرفع يده إلى الهواء وكأنه يطارد فراشة خيالية، ثم قال بصوت طفولي

"بابا! أريد آيس كريم!!"

أما أيدن، فبدأ يتمايل يمينا ويسارا كأنه شجرة تضربها الرياح العاتية، وغمغم بنبرة غريبة

"النجوم... النجوم قريبة جدا اليوم... أستطيع لمسها!"

أما أنا، فقد كنتُ لا أزال واقفة هناك، أرمش بعدم استيعاب، قبل أن يدفعني أيدن بمرفقه ويهمس

"تحركي! افعلي أي شيء غريب!"

وبسبب التوتر، لم أجد سوى أن أرفع يدي وأبدأ بالتصفيق بشكل بطيء وكأني أشاهد عرضا مسرحيا سيئا

الشرطي نظر إلينا للحظات، ثم زفر بضجر وقال

"أوه لا... ليس مرة أخرى..."

ثم استدار وعاد إلى سيارته وكأن الأمر لم يعد يستحق عناء المواجهة

أيدن انفجر ضاحكا وهو يصفق للورينزو قائلا

"يا رجل، كنت رائعا! كنتُ سأصدقك أنا نفسي!"

أما أنا، فقد بقيتُ أتنفس بعمق، أحاول استيعاب ما حدث، قبل أن ألتفت إلى أيدن وأضربه على ذراعه

"أيها الأحمق! كنتُ على وشك فقدان وعيي من التوتر!"

لكن بالطبع، لم يأخذ كلامي على محمل الجد، بل انحنى وهو يضحك وقال

"ساندريلا، لديك موهبة في التصفيق العشوائي، قد نستخدمها في المستقبل!... في عرسنا كما تعلمين "

إحمرت وجنتاي من كلامه و لورينزو... ذلك الاحمق كان منشغل فقط في الضحك

وقفنا هناك نلتقط أنفاسنا، ظنا منا أن الشرطي قد غادر، وبدأ أيدن يضحك وهو يربت على كتف لورينزو بفخر

"يا رجل! لقد كنت أسطورة! صدقني، لو كنتُ شرطيا، لكنتُ أطلقت سراحك من شدة الإقناع!"

لورينزو ابتسم بفخر وأشار لنفسه قائلا

"الموهبة، يا صديقي، لا تدرس!"

كنتُ على وشك أن أوبخهما على فكرتهما الغبية، لكن فجأة، تجمّد أيدن في مكانه، عيناه اتسعتا ببطء وهو ينظر خلفي

ثم همس بصوت منخفض جدا، لكنه يحمل كل نذر الشؤم

"لورينزو... لا أريد أن أُفزعك، لكن... الشرطي لم يذهب أبدا"

التفت ببطء شديد

وكأن أي حركة خاطئة قد تتسبب في انفجار، وهناك كان يقف الشرطي

يحدق بنا بذراعين متشابكتين

ونظرة معاتبة

مرسومة بوضوح على وجهه

"استعدوا!"

صرخ أيدن فجأة، قاطعا حاجز الصمت

ارتبكتُ... قلبي كاد يقفز من صدري، نظرت إليه بصدمة

"استعد لماذا؟!"

لكن لم يكن هناك وقت لطرح الأسئلة، فقد صرخ مجددا

"انطلقوا!"

وفجأة، شعرتُ بأيادي قوية تمسك بمعصمي، وبدون سابق إنذار، وجدتُ نفسي أُسحب بجنون عبر الشارع

"لماذا نحن نهرب؟! ماذا لو لم يكن ينوي القبض علينا؟!"

صرختُ وأنا أحاول استيعاب ما يجري

"لأنه الآن بالتأكيد سيفعل!"

صاح لورينزو وهو يضحك بينما يجري بجانبي

أما أيدن، فكان يركض وهو يضحك كالمجنون، ثم قال وهو يغمز لي

"ساندريلا، لا تقلقي، إنه مجرد تمرين على الجري السريع... أو كما أحب أن أسميه، تمرين البقاء على قيد الحياة!"

لم أكن متأكدة مما إذا كنتُ أضحك أم أصرخ... لكن الشيء الوحيد الذي كنتُ متأكدة منه

هو أنني أحتاج لرئتين جديدتين، وبسرعة!

بعد دقائق من الجري الجنوني، توقفنا أخيرا أمام منزل قديم ذو باب خشبي ، كدنا ننهار من التعب

كنتُ أضع يدي على ركبتي وأتنفس بتعب

بينما كان لورينزو مستلقي على العشب كأنه فارق الحياة

وأيدن؟

حسنا، أيدن كان يضحك وكأننا لم نكن قبل قليل على وشك أن نُسجن

"هل... هل يمكنني أن أعرف لماذا جَرَيْنا بالضبط؟"

قلتُ وأنا أرفع رأسي بصعوبة لأنظر إليهما

أيدن، وهو لا يزال يضحك، مسح دمعة من عينه وقال

"لأن الهروب هو الحل لكل المشاكل! إذا لم يكن هناك حل، فقط اجري!"

"هذا ليس منطقا! هذه غبا"

لكن قبل أن أكمل، سمعنا جميعا صوتا عميقا خلفنا

"وأخيرا، عدتم أيها الحمقى"

تجمدنا جميعا

التفتنا ببطء شديد لنجد رجلا ضخما يقف عند الباب، ينظر إلينا بعبوس، وكانت عضلاته بارزة حتى من تحت قميصه، بدا وكأنه يستطيع حملنا نحن الثلاثة بيد واحدة فقط

أيدن رفع إصبعه بتثاقل وقال بصوت خافت

"بالمناسبة، نسيتُ أن أخبركما هذا عمي، الذي يشبه ثلاجة بشرية"

الشرطي كان أرحم من هذا الرجل!

لورينزو، الذي لم يكن لديه ذرة خوف، اقترب من الرجل وربت على كتفه قائلا بجرأة

"يا رجل، عندك عضلات ضخمة! ما هو السر؟ بروتين؟ رياضة؟ أو أنك تأكل المجرمين على الفطور؟"

الشخص الضخم لم يضحك

في الحقيقة، لم يرمش حتى

ثم التفت إلى ايدن وقال بصوت أشبه بزئير دب

"أين كنت؟!"

ايدن ابتلع ريقه ثم قال بسرعة

"في رحلة تأمل ذاتي، نبحث عن معنى الحياة... والآن، وجدناه... الجري هو الحل!"

الشخص الضخم تنهد، ثم أشار إلى الباب قائلا

"ادخلوا قبل أن أفقد صبري"

كنتُ على وشك الاعتراض، لكن أيدن دفعني برفق إلى الداخل قائلا

"لا تجادلي الثلاجة البشرية، سندريلا. فقط ادخلي قبل أن يقرر استخدامنا كأوزان رياضية"

وهكذا، دخلنا المنزل، وبينما كنا نجلس، همس لي أيدن

"تخيلي لو كان الشرطي ينتظرنا بالداخل أيضا، سيكون هذا فيلم رعب رسمي!"

نظرتُ إليه بصدمة، ثم التفتُ إلى الباب وأنا أدعو في سري ألا يحدث ذلك

وإلا فسأبدأ بالركض مجددا، ولكن هذه المرة إلى بلد آخر!

✧✦✦✦✦✦✦✦✦✧

بعد قضاء فترة قصيرة في منزل عم أيدن، كنت أخيرا أعود إلى المنزل برفقة لورينزو

كانت الشوارع هادئة، وكأنها تهدأ لترافق خطواتنا، والسماء ملبدة بالغيوم التي تلونت بلون الغسق الخافت

لم يكن عم أيدن رجلا كثير الكلام، لكنه كان يملك تلك الهالة الثقيلة التي تجعل صمته أكثر بلاغة من أي حديث

رغم ملامحه الحادة و جادة

أما أيدن

فكان يخفي مشاعره تحت قناع السخرية المعتادة، ينادي عمه بلقب ثلاجة البشرية

وكأنه يحاول استفزازه، لكنني كنت أرى بوضوح ذلك الرابط العميق بينهما، رابط لم يكن يحتاج إلى كلمات لتفهم

عند وصولنا إلى المنزل، افترق كل منا إلى غرفته، وكأننا نحتاج تلك اللحظات من العزلة بعد يوم طويل

دخلت غرفتي ورميت الكيس الذي يحمل الكتب فوق السرير، بينما كنت أتحرك نحو الشرفة ممسكة بعلبة السجائر

أخرجت واحدة منها ببطء، تأملتها للحظات قبل أن أضعها بين شفتي، لكنني لم أشعلها على الفور

وقفت هناك، أنظر إلى الشارع من الأعلى، الأضواء الخافتة تلقي بظلالها على الأرصفة، والهواء البارد يعبث بشعري، وكأن المدينة نفسها تتنفس معي

أطلقت زفير طويل، ربما محاولة لطرد كل ما دار في رأسي خلال اليوم

رواسب محادثة مع نيفيان، نظرات أيدن المستفزة، ولورينزو وهو يترنح في حالة ثمالة كعادته

ابتسمت بسخرية، ربما كان يوما عاديا في حياتي الفوضوية، لكن بطريقة ما

لم يكن عاديا أبدا

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

You held my heart √

المؤلف Robolline
2025/07/25 مكتملة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة