_يلا يا فارس.
قالتها خالتي تنادي ولدها ليساعدها في شغل المطبخ، فذهب فارس ليطيع والدته قائلاً وهو يقوم من على الكرسي، وتاركاً محادثتنا.
_حاضر جاااي.
بعدها في لحظات أصبحت الصالة خالية تماماً، كانت ذات أثاث بسيط، أريكات بنية اللون تعطي إنطباعاً دافئاً ومريحاً، جدران الصالة كانت خالية تماماً من أي ديكورات عدا فقط ساعة الحائط التي توسطت الجدار والتي كنت أشعر بتكتكة عقاربها في رأسي،
تك، تك، تك، .....
كنت أفكر في نفسي بماذا سأبدأ الحديث وكيف سأصيغ أفكاري تلك في عدة كلمات، لكن أفاقني صوت إحتكاك الصحون ببعضها في المطبخ على الواقع فقمت لأساعدهم أنا أيضاً.
***
بعد ذلك جلسنا جميعاً على الطاولة لتناول الفطور الذي قد أعدته خالتي.
وأثناء هذه الجلسة اللطيفة دار بيننا حديث فتحته خالتي قائلة: اي أخبر ماما يا أويس؟.
أومأت رأسي ببطء قائلاً..
_الحمدلله يا خاله، هم لسه نايمين.
_اهه يعيني البنت أختك إمبارح كانت تعبانه، حالتها بقت عاملة أي دلوقتي رجعت لها السخنية تاني؟.
أومأت رأسي بنعم وإعتلت على وجههي ملامح الأسف لمرضها ومستنتجاً في نفسي لأمر ما....
بالطبع هذه الأخبار لن تطير الى خالتي بدون طائر ومن حديث خالتي هذا، قد تأكدت وقتها أن والدتي لم تلحق إلا وقد أخبرتها على سرعة، لا أعرف لماذا ولكن لن أعترض على أي حال فهذه امور لا أفهمها، وليس لي دخل فيها. ثم قلت...
_ايوه يعني الصبح رجعت لها تاني بس الحمدلله هي بقت أحسن.
_اممم ربنا يشفيها يا رب و ييسر لكم الخير ويعينكم.
قالتها خالتي منهيه الحديث بوقوفها من على كرسييها، فهمست في نفسي قائلاً "آمين".
أمسكَت بخدي بإبهامها وسبابتها قارصة عليه بخفة ثم قالت...
_أويس أهتم بصحتك أكتر شوف وشك أصفر وشاحب أزاي انت مكنتش كدا يابني.!
أومات رأسي في صمت فتُرى ماذا أقول؟.
ربتت على كتفي ثم أكملت قائلة بهدوء.
_يلا ربنا يوفقك يا حبيبي.
بعد ذلك غادَرت ودَخلت المطبخ وقد أخذت الصحون التي فرغت معها، أثناء ذلك كان قد تركنا فارس بعد أن أنهى أكله ليستعد ويرتدي ملابس العمل إستعداداً للرحيل وإكمال عملنا بالقسم، عازمين على إنهاء هذه القضية هذه المرة.
***
_ بغض النظر من ان مبقاش عندي خدود مليانه زي الأول، إلا ان الحركة دي لسه ما بطلتوهاش.
قلتها متذمراً لفارس الذي كان يسوق بنا بسيارته متجهين نحو المركز.
قال فارس ضاحكاً ضحكة سخرية يسخر مني وهو في ذات الوقت كان ينظر للزجاج الخلفي لسيارته كي يستطيع ركنها في المكان المخصص للإصطفاف بدقة.
_ياااه دا انت وانت صغير خدودك كانت مليانه بشكل.
لم أجب عليه وأكتفيت فقط ان رسمت على وجهي تعابير إستخفاف مما قاله فقلبت بعدها هذا الحوار السخيف قائلاً.
_انا في حاجات كتير حصلت عاوز أقول لك عليها.
رد بذات النبرة التي شعرت فيها الجدية قائلاً.
_وانا إكتشفت الدليل الى يدين المجرم تقريباً.
***
بعد ذلك دخلنا المكتب، قصصت بعدها عليه كل معلومة مهمة أخبرني بها رئيس القسم السابق إختصاراً للوقت. ليرد بعد أن أنهيت كلامي قائلاً بهدوء وإنبهار بذات الوقت..
_في الحقيقة معاك حق، المكالمة والمعلومات دي سهلت حاجات كتير علينا، ثم صمت للحظات وأكمل بسرعة قائلاً وهو لا يزال يركز نظره نحوي: بس دا بردوا مع ذلك مش هيخليني أتغاضى عن إلى كنت عاوز تعمله في البدروم وقت الفجر.
لم أبالي بما قاله، ولم أعرف ما هي علاقة موقف البدروم الآن بحديثنا لكني أدركت من كلامه انه حقا لم ينسى بعد ولكن أيضاً على كل حال لا يهمني، فقلت بثقة...
_فكك..،
بعدها بسرعة إستأنفت حديثي السابق وأنا اقرأ ما أكتبه على السبورة البيضاء بقلم أسود مخصص لها وانا أقوم برسم جدول مقارنة عليها بين قضيتنا الحالية وقضية عام ١٩٨١ ...
يوسف عبد الرحيم إختفى وهو عنده ٨ سنين : والأطفال الى بيختفوا في القضايا الأخيرة بردوا عندهم نفس العمر ٨ سنين.
يوسف عبد الرحيم إختفى من دريم بارك : والأطفال الي بيتخطفوا بردوا بيتخطفوا من دريم بارك نفس المكان!.
يوسف عبد الرحيم إختفى في شهر ١ يوم ١٢ : والأطفال الى بيتخطفوا حالياً كل يوم ١٢ من كل شهر.
_في ثلاثة أدلة أهو أثبتت ان القضيتين متشابهتين صح ولا لا؟، بدأت أحس ان الجرايم الى بتحصل دلوقتي هي مش جرايم عادية بتتعمل بعشوائية دي جرايم دافعها إنتقام ودي جرايم متخطط لها بدقة.
أومأ فارس رأسه موئيداً كلامي وهو يدرك الأمر، مربعاً يديه في حالة تفكير ثم قال...
_بس حتى دول يعني أطفال بريئيين في الأول والآخر مين المتخلف الى هيعمل كل الجرايم دي عشان ينتقم من حاجة حصلت من أربعين سنه او أكتر؟.
إبتسمت بهدوء لرده ذاك، فقد إنكشف اللغز أخيراً، ثم قلت له.
_مش عارف مين؟
رد قائلاً بشيء من التردد.
_مش عارف مش متأكد لسه.
عدت نحو السبورة ثم بدأت أكتب الإسم عليها بينما هو كان يراقب ما كنت أكتب ليقول في دهشه بعد أن قرأ الإسم الأول..
_سيف!.
أومأت رأسي لأؤكد له ما قاله ولحقيقة تلك المعلومة، ثم أكملت قائلاً.
_ايوه، سيف عبد الرحيم الجراح الشاطر الى عمل نفسه علينا أنه ملهوش اي علاقة بالقضية وأوهمنا وشككنا بكذا حد ع الفاضي.
لم يجب، ولكني لاحظت عروق جبينه التي برزت في غضب لأشعر بعدها أن من أمامي بركان أوشك على الإنفجار وليس فارس، سحق الورقة التي كانت بيده في قبضته بصمت.
فقلت له..
_بس لسه معناش دليل يدينه رغم اننا متأكدين انه هو المجرم.
رد قائلاً بهدوء تام يعكس حالته التي أرآها.
_أنا معايا دليل.
إقتربت ووقفت عند الطاولة حيث كان يجلس. أخرج ورقة من جيب سترته الداخلي فلمحت مسدسه الميري ثم فتح الورقة قائلاً.
_دي خريطة كدا فيها الأماكن السكنية الي في مصر.
دققت نظري نحو الورقة فوجدته راسم دائرة مبنية على نقاط معينة حددها في عدة أماكن متفرقة بالإضافة الى أنه قد حدد نقاط مختلفه في أماكن أخرى متفرقة على الخريطة أيضاً.
فأكمل حديثة وقال.
_انا معرفش انت قصدت ب أي لما طلبت مني أجيب سجل العنواين عشان انت ترسم رسمة على الخريطة، لكن بعد ما مشيت عشان ترَّوح طبعت بسرعة صورة للمناطق السكنية دي وبعدها بدأت أشوف سجل عنواين المشتبهين بهم وأحدد مكان كل واحد عليها لحد ما لاحظت ان الدكتور سيف بعد ما وصلت أماكن سكنه وكدا لاقيت إن النقاط عملت معايا دائرة كدا على الخريطة مبنيه على خمس نقاط بس النقطة الخامسة مكانتش ضمن سجل عناوينه التانية، المنطقة الخامسة الى بقولك عليها دي والى هي في مصر الجديدة مكانتش ضمن العنواين التانية الى قدمها والى هم في"مدينة نصر، المهندسين، القاهرة القديمة وفي وراق العرب"، هي اه دائرة معوجة شوية ولكن الشكل دا هو الى جه في بالي وقت ما كنت بحاول أوصل النقاط ببعضها عشان أفك بردوا لغز الدوائر الى بيعملها المجرم بعد كل جريمة، بكدا ممكن تقول مثلاً إننا فكينا ايه لغز الدايرة اللى المجرم بيعملها في مسرح جريمته. كمان لاحظت إن الأستاذ سيف مأجر شقة في الحي التالت من كل منطقة قلت لك عليها، بعدها قدمت طلب مذكرة إستعلام للنيابة عن الإستعلام على كل العقارات المسجلة بإسم سيف عبد الرحيم إكتشفت إن في شقة في الحي التالت في مصر الجديدة هي ملك للأستاذ دا بس هو مذكرهاش لنا وقت ما سجل عناوينه.
رن فجأه الهاتف الثابت المكتبي الذي كان موجوداً على المكتب. إتجهت نحو الهاتف بخطوات ثابته وقائلاً بهدوء.
_بجد يا فارس أنا مبهور جداً بذكائك دا، انا بعترف دلوقتي اني لازم أرفع لك القبعة وأحييك.
ومن ثم ضغطت على زر معين من بين الأزرار الأخرى التي كانت على الهاتف فإشتغلت خاصية مكبر الصوت ليظهر لنا صوت المتحدث على العلن وقد كان جلال، ومن خلال الضجة التي سمعناها حوله علمنا أنه يقود سيارة....
فقال..
_انا خلاص جبت أوراق الموافقة من النيابة على تفتيش البيت الى في الحي التالت في مصر الجديدة زي ما قلت، القوات الأمنية إتجهت دلوقتي نحو الموقع ويلا تعالوا انتو كمان.
***
ركبنا سيارة فارس فإنطلق بها بسرعة جنونية متجهين نحو الموقع، سرعته تلك وتركيزة الشديد على الطريق جعلتني أخمن وأقدر عزيمته على الحصول على الدليل الملموس هذه المرة. لم يتحدث كل منا الى الآخر خلال ذلك الوقت وظللت انا أفكر في طريقة كيف إستطاع المجرم سيف عبد الرحيم تنفيذ جريمته، إسترجعت أقواله التي قالها في محضر الإستجواب فلاحظت وجود تناقض، لقد قال انه كان في الخارج يدخن وشهد ذلك العامل له فأصبح له دليل براءة، المشكلة انه خلال وقت خروجة هذا حدثت الجريمة. لا طريقة يمكن أن يستخدمها سوى فقط أنه قد إستطاع أن يوهمنا انه كان يدخن وقت إرتكاب الجريمة وجعلنا نصدقة بينما هو في الحقيقة فعل هذا كي يكون دليل براءة له وهذا لم يحدث. إذا لم يحدث فهل شهد له العامل كذب؟ هل هو أيضاً شريك له بالجريمة أم ماذا؟. لكن الجريمة أيضاً لن تحتاج الكثير من الوقت كي يرتكبها فطريقة قتل الضحية كانت سهلة ولم تحتج أي صعوبة!.
قطع تفكيري هذا ضغط فارس فجأة على مكابح السيارة، والصوت العالي الذي أصدرته السيارة نتيجة لذلك. أوقف السيارة ثم قال...
_بس غريبة، أي علاقة مقتل سهير عرفات بالموضوع؟!.
_الموضوع مكنش حدث عادي، أو قتل عشوائي المجرم، كان مخطط للجريمة! والضحية كانت عارفة بوجود المجرم في الحفلة.. ويمكن كمان كانت عاوزة تواجهه. ثم صمتت وأكملت قائلاً وأنا أضع يدي على مقبض الباب لأفتحه إستعداداً للخروج.. : عموماً كدا كدا دا الى هيوضحه لينا سيف عبد الرحيم لما نقبض عليه.
***
بعد ذلك نزلنا من السيارة، كان الحي قديم وهادئاً والسكان به قلة، إتجهنا نحو باب ذاك المنزل، كان الباب من خشب طرازه قديم وكذلك العمارة كانت قديمة، لن نهتم بالتدقيق بهذه التفاصيل فهي ليست محور إهتمامنا الآن. دخلنا المنزل مقتحمينه بعد أن كسرناه دون طرق أو إستئذان، فنحن نعلم مسبقاً أنه خالٍ لا أحد يسكن به بالإضافة أننا لدينا أمر بالتفتيش. أخرجت سلاحي الميري من حافظته الذي كان مثبت عند خاصرتي تحسباً لأي شيء قد يحدث فجأة ومراقباً المكان من حولي فلربما يكون المجرم مختبأ هنا. سلك فارس بسرعة دون مقدمات إحدى الممرات ثم بدأ بتفتيش المكان بعد أن إرتدى قفازيه. إرتديت قفازيّ أنا أيضاً ومن ثم بدأت أبحث في الشقة عن أي دليل يدين سيف ويقف ضدة. كانت الشقة غير مرتبة، أثاثها نصفه متكسر ومتآكل، بالإضافة أنه أصبح باهت وقديم و وجود الغبار الكثيف الذي ملئ المنزل بكل مكان، زجاج متكسر ومتناثر في كل مكان على الأرضيات. كانت غرف الشقة مُعتمه والستائر مغلقة، لتحجب أي ضوء قد يدخل الشقة من النافذة، كما أن جوها كان كاتم وخانق.
منظر الشقة جعلني أخمن أنه قد دارت به معركة شرسة أو شجار كبير حدث به سابقاً قبل أن تصبح هكذا. لكن لا يهم هذا الآن. كنت أسير في الغرف والممرات وأسمع صوت خطواتي على الأرضية الخشبية وصوت إحتكاكها بها.
***
فتشنا كل الغرف في الطابق السفلي لكنها لم تكن تحمل لنا أي دليل يفيدنا، فصعدنا للطابق العلوى لإكمال التفتيش، خلال ذاك الوقت سمعنا أصوات سيارات الشرطة والقوات الأمنية فعلمنا أنهم قد وصلوا.
إقتحموا المكان كما فعلنا ثم بدأ كل واحد منهم في الإنتشار هنا وهناك للبحث والتفتيش ليبدأوا في عملهم بسرعة دون إنتظار.
وصلت أنا وفارس الى نهاية ممر أدى الى باب مغلق بعدة أقفال وموصل بسلسلة حديد ثقيل في جانب الحائط كترباس خارجي له، لا نملك مفتاح ولا نعرف كيف سندخل الحجرة.
حاولنا في البداية فتحه بقوتنا لكن بدون فائدة فقد كان موصداً تماماً وكان أقوى منا على أن نكسره. بعد أن شعرنا بالعجز على عدم فتحنا للباب بعد، أخرج فارس فجأة بكل بساطة سلاحه الميري في صمت ليوجهه بعدها نحو القفل ثم قال وهو يتراجع للخلف.
_ارجع شوية ورا.
رغم وضوح الموقف أمامي إلا أني قلت مندهشاً وبتلقائية...
_هتعمل اي؟
لم يجب، فتراجعت للخلف بعد أن أدركت الأمر كي لا يصوب رصاصة طائشة نحو القفل فترتد فينا إن لم يكن حذر بما يكفي. وبعد أن علمت أنه سيطلق هممت بدون وعي مني قائلاً له...
_حاااس..ب
ولكنه كان أسرع فأنهى مهمته بسرعة. أعاد سلاحه في جيبه وثبته عند خصره. ولكن على أثر صوت الطلقة التي عمت المكان هم بعض أفراد قوات الأمن أن يصعدوا الينا ليتفقدوا ما حدث، وهذا ما كنت قد خمنته عندما سمعت صوت أقدامهم تتسارع وتقترب من على الدرج المؤدي لهذا الممر. لم أظل أنا وفارس واقفين مكاننا كثيراً وما هي إلا ثواني إقتحمنا بها الغرفة. كانت غرفة خالية تماماً مختلفة عن الغرف الأخرى لا يوجد بها شيء سوى فقط عدة أجهزة تبريد "ثلاجات" والتي كانت موجودة في أماكن مختلفة من الغرفة. كانت غرفة واسعة لا يوجد بها أي نافذة، ما زاد إستغرابنا عندما إقتحمنا الغرفة هو سماعنا صوت ماتورات الثلاجات وكأنها مُشغلة. كما لو أن بها ما يحتاج الى تبريد أو كما لو أنه هناك أحد هنا يستسخدمها، فكيف إذا ستُشغل بمفردها دون حاجة إليها في مكان لا يسكنه أحد كهذا؟!.
تبادر السؤال نفسه في ذهن فارس وأذا فجأة إتجه كل منا نحو فريزر مختلف لنتفحص على ما يحتويه فنقطع شكوكنا وأسألتنا تلك. فتح كل منا باب فريزر لننظر ما فيه!.
شعرت حينها بإنقباض حلّ على قلبي من منظر ما رأيت، وصعوبة في التنفس حلت فجأه علىّ أو كما لو أنه شعور بالإختناق، فقد وجدنا به جُثث كل من خطفوا في القضايا السابقة، إقتحم ثلاثة من أفراد الأمن الغرفة قائلين نفس الجملة في دهشة.
"ايه الي حصل"
_بسرعة أنا بديكم دلوقتي أمر بالقبض على سيف عبد الرحيم الى ساكن في مدينة نصر الحي الثالث بسرعه، قبل ما يهرب.
قلتها بهدوء رسمته ملامح وجهي كما لو أني لم أرى شيئاً للتو رغم ضربات قلبي التي بدأت تتسارع لدرجة أني شعرت بها. إنتفض الجميع وهرعوا لتنفيذ الأمر قائلين بصوت واحد.
"حاضر"
نظرت لفارس ثم بنفس النبرة قلت.
_فارس إحنا هنحتاج فريق الطب الشرعي يحضر والمعمل الجنائي.
رد فارس بهدوء تام بلا مبالاة متجاهلاً طلبي وما قلته للتو، لدرجة أنه جعلني أشك بأنه لم يسمعني ليقول...
_المجرم الغبي عامل المكان دا مقبرة لجثثه.
"الو ايوه سامعني؟ سيف عبد الرحيم مش موجود."
كان ذاك صوت جلال الذي صدر من جهازي اللاسلكي المثبت عند خصري، فرفعت الجهاز وقلت له بصوت عالٍ وأنا أدك على الأرض بكعب رجلي في غضب.
_دورتم عليه في عناوينه التانيه؟
_ايوه وطلع مش موجود، الحمار هرب، لقيت تذاكر طيران للسعودية محجوزة والمعاد ٢ الظهر في شقته مدينة نصر.
أقفلت الخط في غضب دون إجابة، لأضغط بعدها على عدة أرقام متتالية طلباً لرقم رئيس قسم الشرطة لهذه المنطقة "رائد" ليكون في خلال ثواني قد أجاب الإتصال فقلت له بسرعة دون سلام أو كلام.
_يا فندم إتأكدنا من هوية المجرم سيف عبدالرحيم وخلال الوقت دا إحنا بنفترض هروبه وسفره للسعودية، لقينا أوراق وتذاكر طيران بحجز في الساعة ٢ الظهر، نلتمس من حضرتك إصدار أمر بضبطه وإدراج إسمه حالاً على قوائم الممنوعين من السفر وتعميمه على جميع المنافذ!.
"حاضر"
ردها كلمه واحده بسرعة ثم أّغلق الإتصال. أعدت الجهاز مكانه وأحكمت قبضة يدي أعتصرها في غضب، لأشعر وقتها فجأة بوكزة فارس لي بكوعة بخفة ليقول بعدها وهو يشير نحو زاوية معينه بالسقف.
_بص!
نظرت حيث يشير فوجدتها كاميرة مراقبة تراقبنا.
فقلت بإستخفاف...
_أكيد تلاقيه عرف إننا جينا هنا فهرب ونسي ياخد تذاكر طيارنه.
تنهد فارس وهو يخلع قفازيه ثم وضع يديه في جيبه بعد أن ألقى نظرة على ساعته قائلاً...
_عالأقل الأمر الجيد بالموضوع إننا ان شاء الله هنقدر نلحقة لسه مش هيلحق يهرب.، ثم صمت وأكمل قائلاً..
ها هنعمل اي دلوقتي.
تقدمت نحو باب الغرفة للخروج منها بأقصى سرعة وفي ذات الوقت للنجاة من تلك الرائحة العفنة التي قد عمت في أرجاء الغرفة وملئتها بمجرد ما إن فتحنا أبواب الفريزر ثم قلت...
_إحنا شغلنا خلاص إنتهى من هنا، باقي إن فريق الطب الشرعي يجيوا ياخدوا الجثث دي ويشتغلوا عليها، والفريق الجنائي ياخدوا الأدلة الموجودة ومصطفى يجي يشوف شغله هو كمان. هنرجع دلوقتي ع القسم ننتظر المجرم هناك، خلاص القضية خلصت.
***
وصلنا بعدها المركز وجلست بالمكتب الذي أعمل به أنا وفارس منتظراً حضور رئيس القسم "رائد" و القوات الأمنية وجلال ومن المفترض أن يكون معهم المتهم.
لأقتل الوقت خلال إنتظاري لحضورهم، بحثت في كومة أوراق الملفات التي كانت في الأدراج وعلى المكتب لعلي أجد اي شيء رغم أن تلك ليست غايتي البتا، ولكن على أي حال لم أجد شيء جديد بهم فبأدت بعدها أراجع ملف قضية مقتل سهير عرفات وقضية إختفاء ولدها أحمد التي حدثت قبلها بثلاثة أشهر بسرعة.
راجعت القضيتين ومن ثم بعد أن إنتهيت أغلقت سريعاً كل شيء وأرجعته في مكانه بملل، وإذا بي فجأة أتذكر ذاك المشهد أمام عيني مجدداً.
مشهد رؤيتي لتلك الجثث، أطفال صغار لم يقترفوا أي شيء سيء بحياتهم كي ينتهي أمرهم بإختطافهم وقتلهم بهذه الطريقة ومن ثم بعدها يتم تجميدهم في الفريزرات.
عندما تعمقت بالفكير شعرت بإشمئزاز كم هو مجرم مجنون ومتخلف يفعل شيء كهذا للإنتقام فقط على أمراً ما حدث بالماضي، إبتسمت بإستخفاف في نفسي فقد أصبح هذا الدافع سخيفاً جداً بنظري، وقد إزداد شعوري هذا عندما تعمقت بالتفكير في دافعة ذاك أكثر وراء تلك الجرائم ألا وهو الإنتقام فقط. المجرم ال** هو لا يدرك أنه باأفعاله تلك التي أرآها الآن في نظري أنها عبثية و قد أرهقنا بالعمل وفقط. تلك الأفكار جعلتني أفكر في نفسي وأتسائل كم ستكون عدد الساعات والوقت الذي سيوفر لنا لو لم تكن تحدث هذه الجرائم؟، شعرت بغضب وكرهي للبشر قد إزداد. لكن على كلٍ فلا مجال للتمنى الآن فما حدث قد حدث والأمر قد إنتهى....
إقتحم فجأة هذه العزلة دخول فارس المكتب في صمت، جلس بعدها ثم قال بهدوء..
_خلاص قبضوا على سيف، لاقوة كان بطريقة للحدود البرية مسافر لإسكندرية بعربيته.
شعرت بإنزاعج أو ربما ضيق ولكن لم أقل شيء وقتها.
شبكت أصابع يداي وأسندت بها رأسي للخلف ثم قلت بعد أن زفرت نفساً طويلاً ببطء وقد بدأت أشعر بشيء من الراحة..
_ياااه مين كان متوقع ان كل حاجة كان ممكن تتعمل بسرعة كدا فجأة.
_عارف، بس رغم ذلك لسه حاسس إن في حاجات ناقصة ومحتاجه تتظبط بالقضية دي.
قالها فارس بهدوء محدقاً في الأرفف المثبته في الجدار والتي توضع عليها أواراق أيضاً وملفات أخرى.
أغمضت عيني وأومأت رأسي بتفهم قائلاً.
_متقلقش، حاسس بنفس الكلام، والمشكله كمان ان مخي مبقاش عارف يفكر تاني اكتر من كدا، خليها على الله، تيجي زي ما تيجي.
وخلال حديثنا هذا سمعنا صوت سيارات الشرطة من النافذة والتي كانت قد إقتربت من المركز، فعلمنا أنهم قد أتوا أخيراً فشعرت بسعادة لأن هذا الملل أخيراً سيرحل ولكن...
أكمل فارس حديثة بهدوء وبدا لي أنه لم يبالي بمعرفته أنهم قد وصلوا مثلي مما جعلني أستنكر هذا في نفسي أو ربما هو لم يلحظ!، إبتسم ثم قال..
_تصدقــ....
لم يستطع إكمال جملته فقد أُقتحم المكتب فجأة بدخول جلال بطريقتة الهمجية التي جعلتني أشعر أنه هو من سيدخل قبل حتى أن يعتب عتبة الباب.
إنتفض فارس مكانة في صدمة وهمس قائلاً.
_بسم الله الرحمن الرحيم.
_ايه شفت جن ولا عفريت.
قالها جلال رداً له بمزاح.
لم يجب فارس على خفيف الظل ذاك، صمت ولم يقل شيء وقد إحتدت نظرته نحو جلال، وأصبحت أشعر بحيرته تلك فهل سيوبخة على دخوله المفزع ذاك أم يتغاضى ويعذرة لوجود تلك الدماء عليه؟.
لم نتفاجئ من وجود جلال او من مجيئة في هذه اللحظة ودخوله بهذه الطريقة التي أفزعتنا بقدر تفاجئنا من أثر خطوط الدماء التي وجدناها ولمحناها على قميصة الأبيض و وجود أثر ممسوح أيضاً لبعض الدماء الأخرى من على شفتيه وأنفه.
سأله فارس وعينيه تَشُر غضباً وكما لو أنه يوبخة...
_ايه الى مشلفط وشك كدا؟
رد جلال هازاً كتفيه بلا مبالاه وقد أخذ كرسي آخر ليجلس عليه..
_يدوبك أول ما دخلت أفتش الشقة دبني ع دماغي بدون كلام.
همس فارس ساخراً...
_يا فرحة امك بيك.
رد جلال بغضب مصطنع.
_متجبش سيرة امي.
كنت أراقب حديثهم هذا ملتزماً الصمت ولكن سرعان ما قلت لهم بجدية قاطعاً هذا الحديث لعدم إهدار الوقت...
_وانت ما مسكتهوش ليه من الأول طالما هو كان موجود؟.
رد بإستخفاف كمن يحاول أن يستر خيبته...
_ما بقولك (سقطتُ أرضاً) بعدها.
نظرت إليه بإستنكار مردداً في نفسي آخر جملة قالها بإستغراب كما لو أني كنت غير مقتنع "سقطت أرضاً؟".
لكن سرعان ما غير جلال دفة الحديث قائلاً..
_المهم يلا روحوا عشان المتهم حجزوه دلوقتي بغرفة الإستجواب والرئيس رائد جه مستنيكم.
***
بعد إنتهاء حديثنا هذا خرجت أنا وفارس بعدها من المكتب متجهين نحو غرفة الإستجواب. فجأة قطع هدوء سيرنا صوت رنين هاتفي في جيبي. أخرجت الهاتف من جيبي فوجدت عليه اسم والدتي تعلو الشاشة. عقدت حاجباي في إستغراب، وشعرت بحيرة لا أعرف ماذا سأفعل هل أرد عليها الآن أم أكمل طريقي خاصة وأني على وشك إستجوب المجرم الآن بعد دقائق؟ ألا تعلم والدتي أني الآن بوقت عمل؟. أخيراً قطعت هذا التساؤلات والأفكار بسرعة فالوقت يمر وقد قررت وقتها أني سأرد عليها وأخبرها أني بعمل وأول ما أنتهي وأصبح فارغاً سأتصل بها علطول. ففتحت الهاتف لأرسل لها الرسالة القصيرة ولكنها لم تكن إلا بضع ثوان التي فجعت بها عندما قرأت ما كانت قد أرسلته لي. إنتهى رنين الهاتف بمجرد أن قرأت الرسالة، وكأنه كان المغزى الأساسي من رنة الهاتف.
"أويس إحنا في المستشفى تعالى عشان ابوك. "
كانت تلك هي الرسالة التي أرادت والدتي مني أن أرآها، إنتفضت في مكاني عندما قرأت الرسالة وقد خمنت بسرعة في مخيلتي أسوأ ما قد يكون حدث. سَرت في جسدي رعشة خفيفة، هززت رأسي نفياً لأطرد هذه الفكرة.
هدأ كل هذا فجأة عندما شعرت بطمانينة قليلة حين ربت فارس على كتفي برفق، ليقول بعدها وهو يومئ رأسه وكأنه يحثني على أخذ قراري...
_روح شوف خالتوا صفاء رد عليها. أنا هستجوبة عادي.
أومأت رأسي له بفهم شارداً في أفكاري بعدها نظرت نحو الرئيس رائد والذي كان واقفاً عند عتبة الباب، فوجدته قد أشار لي أيضاً بالموافقة في صمت. شعرت للحظة بإمتنان كبير للإثنين وبنفس الوقت شعور بالغضب او الإحراج من هذا الموقف الذي قد وقعت به، المفاجئ والغير متوقع والذي قد وضعني أيضاً لتوي بين أصعب إختيارين في حياتي..
***
خرجت من المركز بسرعة هامساً ومتمتماً بكلمات شكر في نفسي لفارس ولرئيس القسم على هذا المعروف الذي فعلوه معي، أنهم سيغطون مكان غيابي عن العمل خلال هذه الفترة. أخذت الطريق سيراً نحو منزلي ولكن بخطوات أكبر وأسرع، لأقتصر الوقت الطويل الذي سأهدرة إن مشيت ببطء. وعند وصولي للمكان الذي كنت قد ركنت به سيارتي آخر مرة والتي قد لمحتها سرعان ما ميزتها من جلوس القطط السوداء عليها كالعادة. ركبت السيارة ثم بدأت أقودها بسرعة جنونية نحو المستشفى التي لطالما كان والدي دائماً يتابع معها العلاج. كانت ضربات قلبي تتسارع مع كل متر أقطعه يقودني نحو إتجاهي وغايتي، وقد بدأت الأفكار والوساوس تلعب في عقلي وتحدثني عن أسوأ شيء قد يحدث. فجأة شعرت برغبتي الشديدة في التدخين فقد وصلت إلى أخر مرحلة بي من الضغط حتى أنني كدت أرفع كفي نحو الدرج الأمامي لأفتحة فأخذ واحدة من علبة السجائر التي تكون موجوده به كما إعتدت لكن سرعان ما أرجعتها طارداً هذه الفكرة من عقلي.
***
وصلت إلى المشفى التي كانت مملوئة بالضجة والمرضى. "أصواتهم، رائحة عطورهم، حركتهم" كلها مثيرات كانت كافية بأن تهجم علي وتخترق جهازي العصبي فأنهار كما كان يحدث معي بالسابق. رائحة المشفى الكئيبة التي كانت أول شيء قد إلتقطته أنفي عند أول خطوة خطوتها بها. شعرت فجأة عند دخولي المشفى بنقصان الهواء الطلق الذي كنت به لأشعر بكتمة كما لو أنني قد دخلت داخل علبة مغلقة لا يوجد بها الأكسجين الكافي وللحظة شعرت بعد إتزاني. الممرضات والممرضين هنا وهناك كل منهم يؤدي خدمة ما لمريض ما ومن ثم يدخل عيادة الطبيب الذي يعمل معه. توجهت نحو مكان الإستقبال ثم أعطيتهم عنوان واسم المريض الذي أتيت من أجله فأخبروني مكانه.
سرت نحو الغرفة ١٠٣ التي يفترض أنهم حجزوا بها والدي. سرت في الممر فلمحت والدتي ترتدي عبائتها السوداء وخمارها الأسود الطويل وبجوارها أختاي ومعهم الطفلة الشقية رقية.
رفعت والدتي رأسها فرأيت آثار الحزن في عينيها التي قد ملئتها الدموع فجعلتها حمراء منتفخة. ركضت الصغيرة نحوي فتشبثت في ساقي تحتضنها كما لو أنها تلتمس منها الأمان في صمت.
نزلت نحوها فحملتها على ذراعي ثم تقدمت نحوهم فهمست بتردد...
_ايه.. الى.. حصل....
صمتت الإثنتان ولم تُجبا.
نظرت نحو الزجاج الذي يطل على الغرفة التي أحتجز بها والدي فرأيت وجهه شاحباً، ولكن رغم ذلك فقد كان واضحاً عليه إبتسامه مريحة. لمحت شاشة جهاز تخطيط القلب. فوجدته خطاً مستقيماً......
شعرت وقتها أن ضربات قلبي تسارعت ألف مرة عن السابق وكأنما لو أنها كانت تركل صدري لتخرج منه، رغم ذلك إلتزمت ملامح وجهي الصمت. أنزلت الفتاة من على ذراعي فركضت عند والدتها هند، مسحت الدموع عن عينيها ثم حملت طفلتها وأجلستها على حجرها كي لا تفتعل ضجة بالمكان. أما أنا فقد تصلبت مكاني لعدة ثواني في صمت. لا أعرف بما شعرت ولكني أدركت أنه نفس الشعور الذي شعرت به عندما تلقيت خبر وفاه جداي فيما مضى. لم أكن أتوقع اني سأشعر بهذه المشاعر مجدداً وسأخوض ذات التجربة، ظننت أنني كنت أكرهه. ورحيله عنا لن يشعرني بشيء، إلا أن هذه المشاعر أسقطت عني هذا الظن لأدرك أني لم أكن أكرهه لتلك الدرجة التي كنت قد توقعتها والتي أوهمت نفسي بها.
أعلم أنه كان السبب في المشاكل النفسية وصراعاتي التي لا زلت أعانيها كل يوم وكل ليلة بمفردي، ولكن رغم ذلك لا أعرف...
تقدمت بضع خطوات نحو الكرسي الحديدي التي كانت تجلس عليه والدتي، كانت قد غطت وجهها بكفيها تبكي في صمت، جلست على الكرسي الآخر المقابل لها وبجوارها، ثم في صمت قمت فقط بإحتضانها لأول مرة منذ زمن لأهدأها، وبالوقت ذاته لأشعر بأمان وأهدأ توتري هذا.
فدائماً عندما كنت صغيراً حينما كنت أجد والدتي تبكي كنت قد إعتدت فعل هذا، أكتفي بحضنها وفقط. في صمت دون كلام، فأنا لا أستطيع المواساه بالكلام بقدر ما أستطيع بالأفعال. كنت أشعر ببكائها الحارق الذي كانت تبكيه من قلبها حزناً على وفاه زوجها. كانت أختاي تبكيان أيضاً في صمت محاولين مسح دموعهم من أن تظهر، للحظة شعرت أني مختلف عنهم أو كما لو أنه هناك فرق شاسع بيني وبينهم قد أدركته للتو، كما لو أن الزمن توقف بنا للحظات، شعرت كما لو أنني رأيت أبي أمامي يقف بعيداً يبتسم نحوي إبتسامه دافئة لم أجده يبتسمها لي أثناء حياته قط...فيقول...
"انا اسف سامحني على كل الى عملته فيك!. "
لا أعرف أكانت تلك هلوسه أم إنهيار عصبي جديد أم ماذا لكن رغم ذلك ورغم تسارع ضربات قلبي إلا أني لم أذرف دمعه واحدة ولم يتحرك لي جفن، فقد ظلت ملامحي ثابته هادئة باردة كما إعتادت...
سمعت أصوات ليست ببعيدة تقترب، كان الصوت صوت رجل علمت حينها أنه هو الدكتور الذي كان يتابع حالة والدي بالسابق والذي كان يقول للممرضينه يأمرهم بإخراج الجثة من الغرفة لإحتياج مرضى آخرين هذه الغرفة. فيجيبوا عليه بالموافقة ومن ثم سماع صوت أقدامهم في الممر..
ربتت على كتف والدتي برفق بعد أن مسحت كفي برفق على رأسها قائلاً.
_يلا يا امي هنمشي.
***
بعدها ركبنا السيارة في صمت، قدتهم بها الى المنزل وخلال هذا لم يتحدث أحد منهن، لكن قطعت والدتي فجأة هذا الصمت أثناء قيادتي للسيارة قائلة.
_مات بنوبه قلبية دخل بعدها بغيبوبه لمدة ساعتين و بعدها مات..... مات زي جدك الله يرحمه.
_الله يرحمهم جميعاً..
قلتها كلمه واحده ثم صمت، شعرت بشيء من القهرة في صوتها. وشعرت بحيرة هل يجب أن أقول شيء آخر لأوآسيها أكثر أم لا؟ ولكني إكتفيت فقط بأن إلتزمت الصمت، وركزت على القيادة.
بعد أن وصلنا المنزل وركنت سيارتي صعدن جميعاً مسرعين للداخل، بينما ظللت أنا بالسيارة ولم أتحرك.
راقبتهم فقط عند دخولهم المنزل في صمت من بعيد.
لم أشعر برغبة في النزول وقتها وفي أن أدخل المنزل وهم لم لم يسألوني عن السبب ويبدوا أنهم قد فضلوا أيضاً أن يتركوني وحدي قليلاً. شعرت بضيق أو كما لو أنه هناك شيئاً ما يعتصر قلبي من الداخل. ظللت أحدق بالزجاج الأمامي للسيارة فقط دون هدف فقط انا و الوقت يمر....
رفعت كفي نحو الدرج بتلقائية فلاحظت إهتزازها ورجفتها، شعرت أيضاً بالبرودة التي حلّت على أطرافي وقد شعرت أيضاً بوهن شديد لدرجة أني لم أعد قادر حتى على إحكام قبضة بيدي بكامل إرادتي وبأريحية مني. أرخت دفاعاتي وقد أرجعت رأسي للوراء، لأسندها. مستسلماً لما أشعر به ومحدقاً بسقف السيارة، منتظراً أن أعود لحالتي الطبيعية وأن يختفي هذا الشعور الغريب الذي قد داهمني. كانت ضربات قلبي متسارعة لكني ظللت ساكناً مكاني دون حركة. بعدها بعشر دقائق أو ربع ساعه شعرت أني بدأت أعود لطبيعتي وأني قد أصبحت قادر مجدداً على إحكام قبضة يدي بكامل إرادتي.
ظللت أمدد أصابعي ثم أضمها نحو كفي فتصنع قبضة لعدة مرات متتالية محدقاً بها كما لو أني أكتشف شيئاً جديداً..
بعدها أخذت علبة السجائر وبدأت أدخن واحدة تلو الأخرى دون توقف أو رحمه، كما لو أنني كنت أنتقم من نفسي وقتها. لكن من ماذا ؟ لا أعرف!.
كل ما أعرفه هو أن السيارة قد مُلئت بالدخان وقتها، ففتحت النافذة وعندما إستنشقت الهواء الطلق بدأت أسعل بشدة...
Salma Hamdy