الفصل الحادي عشر

الفصل الحادي عشر

12 0

كانت صورة ورقية لمشرط يبدوا أنه قد وُجد في مسرح الجريمة ضمن الأدلة الموجودة!. قلت منفعلاً بغضب لإدراكي أني آخر من يعلم بأنهم قد إكتشفوا هذا الدليل دون إخباري...

حاولت أن أخذ أنفاسي التي تسارعت ببطء لكي لا أنفجر غاضباً به وقائلاً...

_أي دا أنت مقلتش لي حاجة عن دا!.

رد فارس بهدوء بارد كأنه أمر غير هام ودون أن تهتز منه شعره.

_اه ما هم لاقوه مؤخراً وأنا نسيت أقول لك.

قلت مستنكراً ثم بغضب.

_نسيت تقول لي؟ إنت عارف إن كل حاجة في مسرح الجريمة لازم نكون عارفينها بالتفاصيل! إحنا هنخبي على بعض ولا اي؟.

قلتها واقفاً إثر غضبي صافعاً الورقة على الطاولة بقسوة غير مبالي بما قاله، ليقول بذات النبرة الهادئة المتماسكة..

_في أي يا استاذ نخبي ايه ونعمل وايه الحوارات دي ما تصل ع النبي كدا بقولك نسييييييت!.

جلست مكاني مجدداً لأقول له...

_اههه نسيت؟ ويا ترى بقى في حاجات تانية إنت عارفها عن القضية وأنا لا نسيت تقولها لي لسه ولا اي بالظبط؟.

_إنت مالك متعصب كدا ليه وقاعد على أعصابك ومستني أي حاجة عشان تقوم تتخانق وقبل شوية كنت عادي؟!.

تنهدت صامتاً و لم أجب فأنا أيضاً لا أعرف لماذا هذا الغضب لماذا إنفعلت به هكذا وكأني كنت أنتظر أي شيء يجعلني أصب جام غضبي ومشاعري المكبوته عليه؟، أدركت أني قد تصرفت بسذاجة وعدوانية لا مبرر لها في نظر فارس و لكي أحاول تهدئة الأمر أخذت الملفات من على الطاولة بصمت وبدأت أتصفحها مجاهلاً ما حدث لأعرف ما هي نتائج التقارير، عقد حاجبية و ظل فارس صامتاً هو الآخر يطقطق أصابعة في صمت بين الحين والآخر وبدا لي أنه في حيرة من أمره بسبب نظرات عينيه التي لاحظتها أو كمن يبدوا انه على آخر أعصابه أو على حافة الإنهيار، ولكن في الحقيقة لقد أحسن في إختياره للصمت فأنا أعتقد أني لم أكن بحال جيدة تسمح لي أن أتحمل أي شيء آخر.

نظرت إليه قائلاً في هدوء بعد ترددات كثيرة كانت في نفسي.

_نتائج التقرير بتقول إن الضحية مكانش في أي أثر مقاومة، وأثبتوا أنها كانت حالتها الصحية سيئة وانها كانت بتتقيء قبل ما يظهر المجرم فجأه وينفذ جريمته ويهرب.

_دا أنت يا أخي تخلي الواحد يشد فشعره من كتر حيرته بسببك.

قالها فارس مجيباً بصوت منخفض وبدا كما لو أنه يهمس في نفسه ولكن تعصبه لم يسمح له أن يخفض صوته أكثر أثناء قولها. كان يهز قدمة التي قد أزعجتني في رأسي وبدا لي أنه كان من الأساس غير منتبه لي، منشغل بالتفكير بأمر ما....

لأقول له وقد بدت معالم عدم الفهم على وجهي مما قالة ولأن هذا الرد لم يكن الذي قد كنت انتظره!، فسألته مدعياً أني لم أسمع شيء.

_بتقول حاجة؟

إنتبه لي قائلاً.

_اه لا لا ولا حاجة، ايوه ما هم قالووووووووووو.......

ثم بدأت عينية تدور يمين و يسار كمن يحاول تذكر شيء أو التفكير بما سيقول لأتيقن أنا وقتها أنه لم يكن منتبه لي فقلت له قاطعاً كل هذا ولأختصر الوقت.

_قالوا اي وعملوا اي انت مش مركز معايا اصلا.

صمت ثم قال.

_خلاص قول.

_كنت بقول لك أنه طلع مفيش أي أثر مقاومة من الضحية وهم أثبتوا إنها فعلاً كانت مريضة وقتها يعني كدا كلام الأستاذة زينب أُثبت حقيقته وإن سبب وفاة الضحية نتج عن نزيف في المخ وإنها نزفت كتير فماتت.

_أيوه بس مش غريبة هي جت ليه طالما مريضة كدا؟.

رفعت يدي وبدأت أعد على أصابعي قائلاً.

_ما هو دا بقى المطلوب نغوص فيه أكتر إحنا حالياً كدا عاوزين نرجع نستجوب الأستاذة زينب، و راجل الأمن الى لسه مش عارفين حكايته دا، والمتصل الغريب الى اتصل على الاستاذة زينب وقت الجريمة بالتحديد.

أخذ فارس يدون بعض الملحوظات في دفترة أثناء كلامي ثم قال لي مجيباً بعد أن إنتهيت.

_تمام، أعتقد انو دلوقتي وقت مناسب للإستجواب، انا كدا كدا كنت طلبت منهم يحضروا كلهم هنا والمفروض نبدأ دلوقتي.

***

بعد ذلك إنتقلنا إلى غرفة إلاستجواب، كانت الغرفة باهته، جدرانها رمادية اللون، خالية تماماً من أي شيء عدا فقط طاولة خشبية في المنتصف بين كرسيين وكرسي ثالث بجوار أحدهما، أحد الكراسي مخصص للمشتبه به حيث يجلس في جهة والآخران للمحققين الذين معه، بها مرءآه يبدوا لمن داخل الحجرة أنها مرءآه عادية ولكنها في الحقيقة ليست كذلك حيث أنها تعكس لفريق آخر لنا في الغرفة الثانية كل شيء يحدث بغرفة الإستجواب إنها أشبه بكاميرا مراقبة خفية!،كذلك أيضاً هذه الغرفة تكون مزودة بالكاميرات الخفية في السقف ومزودة أيضا بالمسجلات الصوتية، لتسجيل كل شيء. جلست على الكرسي في صمت وفارس كذلك، في إنتظار المشتبه بهم الأول في الدخول والتي كانت هي الأستاذة زينب.

دخلت وجلست وكان واضحاً على وجهها الحيرة والإرتباك حيث كانت تنظر في كل مكان وكل زواية من الغرفة بقلق.

زفرت نفساً ببطء لأهدأها قائلاً.

_بصي يا أستاذة زينب إحنا هنا عرفنا خلاص كل المعلومات الى كنا عاوزنها ولكن في سؤال مهم عاوزين نسألك عنه.

ردت بسرعة خلاف ما توقعت..

_واي هو السؤال يا حضرة الضابط؟

_اي كان السبب او دافع المرحومة سهير عرفات الحقيقي من إنها جت الحفلة وهي حالتها الصحية سيئة كدا؟.

هدأت ثم بدأت بسرد القصة بينما أستمع أنا وفارس بصمت قائلة...

_الحقيقة يا حضرة الضابط، صباح يوم الحفلة قبل ما نيجي ونحضر كنت في زيارة عند المرحومة صحبتي أشوفها هي هتحضر الدعوة دي ولا لا لأن الدعوة جت لي انا كمان وكنت مترددة اروح ولا لا، لأني عارفة دايما إن سهير ملهاش بالكلام دا، ف لما رحت عندها إستقبلتني وكان واضح عليها التعب و وقت ما كنت بشرب ضيافتها وهي كانت مشغولة على جهازها اللاب توب بتتصفح حاجات فتحت معاها الموضوع، رغم إني كنت متوقعة انها الأحتمال الاكبر انها أكيد هتقول لا وكدا، لكن الى صدمني هو اني لاقيتها وافقت وقالت لي انها رايحة دا حتى اني قلت لها ازاي؟ وهي مريضة؟ قالت لا هروح يعني هروح!. في الحقيقة انا معرفش اي الإصرار العجيب الى بقت فيه دا ولكن انا اعتقد انها شافت حاجة في قايمة اسماء المدعويين خلا وشها يقلب الوان بعدها عشان فجأه بعدها ألاقيها غيرت رائيها وبتقول لي انا رايحة معاكي.

أومأت رأسي بهدوء كما لو أن الأمر عادي لكن ما بداخلي كان غير عادي، فهناك ألآف من الأسئلة التي قد تجمعت بداخليحينها ولكنني حاولت وقتها ان أحافظ على هدوئي كي لا تشك هي بأي شيء، بينما كان فارس في ذلك الوقت مشغولاً بتسجيل كل شيء على دفتره الصغير بجواري.

_طيب ما تعرفيش هي شافت ايه بالظبط؟

_لا والله يا حضرة المحقق.

أومأت رأسي قائلاً بهدوء...

_طيب ماشي يا أستاذة زينب تقدري تروحي دلوقتي واحنا لو إحتاجنا حاجة هنضطر إننا نجيب حضرتك هنا تاني.

بعد ذلك خرجت السيدة لتنتهي جلسة الإستجواب الأولى وتصبح الغرفة فارغة، وفارس منشغل بالنظر في دفتره لأقول له بعد أن إعتدلت في جلستي ومسحت على شعري و وجهي بكفي كما لو أنني أراقب فكرة ما في عقلي.

_بقولك اي انا حاسس ان في حاجة مش صح.

مال بجسده ليقترب مني قائلاً بصوت منخفض.

_تقصد اي يعني؟

_معرفش.... ثم صمت لحظة وأكملت... أكيد الضحية شافت حاجة مش تمام في قايمة الاسماء خلتها تتغير بالشكل دا.

رد بإستنكار كمن سمع شيء جديد عليه لأول مرة.

_انت هتاخد كلام الأستاذة زينب على محمل الجد؟

قلت بنفس النبرة

_أمال يعني؟

_معرفش لكني حاسس ان في كدب بالموضوع دا.

_ما اعتقدش.

قلتها ثم صمت ليقول مندهشاً بصوت منخفض.

_يعني اي؟

_أظنها الضحية كانت تعرف إن المجرم واحد من الحاضرين ولما شافت أسمه على القايمة غيرت رائيها فبقت عاوزة تحضر.

_هو انت بتشك فحد من الحاضرين؟

_كلهم!.

قلتها وأنا أنظر للسقف رافعاً رأسي نحوه محدقاً به، وما هي إلا عدة لحظات حتى لم يستطع فارس طرح باقي أسئلته، وذلك كان لسماعنا فجأه صوت طرق على الباب فإعتدل بجلسته ومن ثم صمت. ليدخل علينا إثنان من ظباط المساعدين ومعهم المشتبه بهم الآخر ألا وهو "رجل الأمن".

جلس رجل الأمن أمامنا، حالة كحال من قبله قلق، توتر، إرتباك وهذا ما إستنتجته من نظرات عينيه المتجولة هنا وهناك، لكن الأسوأ من كل ذلك هو أن قدمه لم تكن ثابتة على الأرض طيلة الوقت!، يهزها بسرعة وبتشتت بسبب حالة توترة تلك، بينما كنت أنا أشعر بصداع يأكل رأسي وقد أثقلها بسبب تكراره لهذه الحركة!. لم يكن هناك أي شي في عقلي سوى رغبتي الوحيدة في خنقه لكي يتوقف.

بدأنا بالأسئلة الروتينة المعتادة فقلت.

_اسمك اي.

_محمد احمد صقر.

_تمام يا محمد كنت فين وقت الجريمة؟.

إرتبك قبل تكلمه وبدا لو أنه يحاول التفكير ليقول متلعثماً ..

_ا ا انا في الحقيقة كنت برا القاعة طول الوقت عند الباب الرئيسي يعني ك بتأكد من دخول الحاضرين وكدا. وفي الحقيقة انا لما دخلت جوة دخلت بس لما حصل مهرجان ودوشة ولما قفلوا صوت الاغاني فجأه فإفتكرت انه عطل ولا حاجة ولكن لما اكتشفنا وجود جثة بالمكان حاولنا نبعد الناس عن المكان بقدر الإمكان وكانت الأستاذة الى بتعيط وقتها هي كانت السبب في انها خلت الناس عاوزين يشوفوا ايه الى شافته فخلاها تعيط.

قلت له بهدوء تام على عكس ما أشعر به من كثرة هزه لقدمه...

_تمام يا محمد، دلوقتي بقا اي علاقتك بالضحية؟.

_والله معرفهاش يا باشا دي زي اي حد غريب اتعاملت معاها بس وقت ما دخلت القاعة بتأكد من الدعوات وبس.

_تمام ، تمام ما تقلقش في حاجة تثبت الى بتقوله؟.

صمت، ثم انزل رأسه في الأرض لأفهم وقتها ان الإجابة لا، فقلت له بهدوء.

_طيب كلمني يومك بيمشي ازاي في العادة؟.

رد بهدوؤ محاولاً إخفاء قلقه وإستغرابه من هذه النقلة المفاجئة من نوعية الأسئلة.

_اهو الحمدلله شويه كدا وشويه كدا.

صفق فارس دفتره بعصبية على الطاولة قائلاً بغضب.

_ولاااااا متعصبنيش ايه شويه كدا وشويه كدا اتكلم عدل و رجلك دي وقفها!

إنتفض محمد من مكانه في هلع قائلاً بعد أن أنزل رأسه بتلعثم وخوف وقد بدت يداه تتعرق وهذا قد لاحظته من فركه في يده بتوتر!.

_حا حا ا اا حاضر اسف اسف .

إضيقت حدقة عيني وانخفض جفناي وقد بدأت نار الغضب تشتعل في داخلي، حالة محمد أشعلت في داخلي ذكريات سيئة كثيرة كانت نائمة، إشتدت قبضة يدي متكورة في غضب ثم قلت بهدوء وبصوت منخفض مُجْزٍّ على ضروسي...

_خلاص بإمكانك انك ترَّوح دلوقتي لكن متنساش اولاً تسجل بياناتك وعنوانك قبل ما تمشي لو إحتجناك في حاجة ممكن نستدعيك تاني.

بعد ذلك أوما محمد رأسه بصمت عدة مرات غير مصدق نفسه ما قد سمعه ،وأشعرتني تصرفاته هذه أنه كما لو أننا كنا نعذبه رغم معاملتنا الجيدة له!، ثم خرج بسرعة من الغرفة. عم الصمت دقائق بينما كان قد عاد فارس يسجل ملاحظاته على دفتره وكان راسماً على وجهه تعابير الضجر والإنزعاج واضعاً ساق على الأخرى، بينما انا كنت أراقبة وأتذكر حالة محمد تلك في عقلي محاولاً تحليلها وإيجاد تفسير لتصرفاته، ثم قطعت الصمت قائلاً بهدوء بعد أن تنهدت من عجزي على إيجاد حل.

_براحة بلاش تعملهم كارت إرهاب كدا.

رد وهو ينظر في دفتره.

_اعمله اي يعني واحد عصبني.

حركت رأسي فطقطقت بعض من مفاصلي ثم قلت له.

_دا لو على كدا بقا كان زماني خنقتهم فعلا.

ضحك بسخرية ثم قال وقد تبدل حاله الكئيبه قائلاً: ههه ما علينا.

فقلت له..

_ما علينا ما علينا المهم بقا ركز في الى جاي عشان مهم.

_ايوه جه دور إستجواب المتصل الغامض.

وما هي إلا عدة لحظات بعد ان انهى فارس جملته تلك لنسمع صوت طرقات متتالية على الباب. ليدخل بعدها ضابطين معهما شاب ثلاثيني ذا نظارة نظر تعلو أرنبه أنفه. خرج بعدها الضابطين بهدوء كما دخلا، ليجلس الشاب أمامنا وكانت ملامحة هادئة تماماً وصامتة مما أثار هذا شكوكي والحيرة بداخلي من البداية فعينيه الصامتتين الباهتتين لا تنطقان بشيء!. فتحت دفتري الصغير وأخرجت قلمي من جيبي لنبدأ الإستجواب فقطعت الصمت قائلاً وبادئاً الحديث بهدوء.

_اسمك اي.

ليرد قائلاً بالهدوء ذاته.

_زياد رشدان عبد السميع.

_تمام يا زياد ممكن تبدأ وتكلمني يومك عامل ازاي ؟

أومأ رأسه في صمت قائلاً.

_الحياة مش سهلة ابدا ومحتاجة حد قوي لكن دايما بقول لنفسي هحاول من جديد، انا موظف عادي بشتغل في قسم الحسابات في شركة أغذية، أي حاجة تانية يا استاذ؟.. ثم صمت ولم يعطني فرصة للرد.. ممكن بقا اعرف ليه انا هنا دلوقتي؟

تعجبت من رده في بداية كلامه ماذا يقصد ولماذا يقول هذا ولماذا تلك النبرة والنظرات؟، وما زاد حيرتي أكثر في محاولة تحليلة هو كيف له ان يظل ثابتاً هكذا وهادئ يتحدث ببرود تام وكما لو أنه لا يعلم لما هو هنا حقاً؟. ومن ثم أومأت رأسي له بهدوء ثم بدأت أسجل اول ملاحظة في دفتري.

* زياد رشدان شخصية تثير شكوكي وحيرة في داخلي انه يخفي أمر ما أو هناك خطب ما.

ثم قلت له بعد ان أنهيت الكتابة..

_تمام يا زياد، ممكن أعرف ليه إتصلت على الأستاذة زينب الساعة خمسة قبل أربع أيام؟

إحتدت نظرته إتجاهي ليركز نظره في عيني ثم قال بنفس الهدوء الذي حاول أن يظل محافظاً عليه منذ أن دخل الغرفة للوهلة الأولى.

_حضرتك اتصلت عليها وقتها أطالبها تدفع ايجار الشقة.

_وهل هو اليوم دا كان الى كنتوا متفقين انها تدفع فيه؟، ثم إقتربت منه أكثر مستندناً على الطاولة التي بيننا بمرفقاي ثم نظرت له بنظرة تجعله يشك حتى في إسمه ليخرج لي كل ما عنده ثم قلت له بهدوء...

_يعني بمعنى تاني ليه الوقت دا بالتحديد الى إتصلت فيه؟

إبتلع ريقة ثم رفع رأسه لي قائلاً بتوتر شعرت به لأشعر حينها بنفس الوقت بسعادة إني إستطعت إرباكه. ثم قال...

_عادي لاقيت ان الوقت دا هو الى مناسب اتصل فيه زي ما حضرتك عارف يعني مش كل وقت بيكون مناسب اننا نتصل فيه على حد.

لأبتسم انا حينها إبتسامة سخرية من سخف كدبته ولأشعر في نفس الوقت بإبتسامة فارس الساخرة هو أيضا قائلاً في نفسي عندما سمعت إجابته تلك... "يا عيني ع التربية والاخلاق يا واد يا مؤمن ، يا عيل يا كداب، اي الكدب دا؟ دا حتى الكدبة مش عارف تجيبها عدله".

ولكن بالطبع لم أقلها بوجهه وإكتفيت فقط قولها في نفسي، ومن ثم صفعت كفي على الطاولة قائلاً...

_كدب!.

إعتدلت في جلستي لألمح فارس الذي كان جالس على الكرسي المجاور لي و واضعاً ساق على الأخرى يهزها وعلى وجهه علامات الإستمتاع بما يحدث وهو منشغل بالكتابة في دفتره الصغير. لنجد فجأه زياد يقطع الجو قائلاً بهدوءه التام.

_معاك حق انا لسه مقلتش الحقيقة كامله اصلا..

_وقاعد بتلف وبدور مستني أي يعني؟

قالها فارس بغضب طفيف وهو يكتب في دفتره ولم ينظر إليه حتى.

_الحقيقة يا حضرة الضابط إني انا تلقيت رساله على حسابي وكانت رسالة تهديد واضحة من شخص مجهول اني لازم اتصل واطالب الاستاذة زينب في الوقت دا بالتحديد الساعة خمسة بالفلوس وإلا فسيتم قتلي وانا حتى مش عارف ايه السبب!.

_ ايه الهبل دا دا شكله هيألف سيناريو جديد!

قالها فارس بصوت منخفض وبدا لي أن زياد لم يسمعه فأشرت له بيدي في صمت من تحت الطاولة بأن يهدأ ويدعه يكمل ويقول لنا كل ما يعرفه ، ومومأً رأسي لزياد بأن يكمل حديثه وقائلاً بهدوء.

_تمام كمل.

أخذ زياد نفساً عميقاً ليزفره ببطء قائلاً بعد أن وضع ساق على الأخرى بهدوء وتفاخر كمن أنجز عمل بطولي.

_وفي الحقيقة بس كدا نفذت الأمر بهدوء لأني شخص مسالم مش بيحب مشاكل ومشيت الموضوع.

طقطقت أصابعي في صمت لعدة دقائق محاولاً فالفهم و متأملاً وجه متبلد المشاعر ذاك الذي أمامي لأقول له بعدها منهالاً عليه بالأسئلة...

_طيب ومتعرفش اي السبب او اي دافع الشخص المجهول دا من انه طلب منك دا ليه؟ هي الشقة دي ملكك انت؟ انت متأكد انك مش عارف صاحب الرسالة؟ هو انت متعرفش بالجريمة الى حصلت من كم يوم؟

لأجده فجأة هلع وإنتفض من مكانة عند سماعه لآخر سؤال واضعاً كفه على الطاولة بإنفعال وصدمة برزت لها عروق جبينه قائلاً...

ايييييه!، جريمة؟ هو انا هنا عشان في جريمة حصلت؟ هو انا مشتبه به؟.

قلت له بعد أن خشنت صوتي و بنبرة آمره وبصوت عالي قلت له...

_إهدااااا!.

أخذ نفساً عميقاً ليهدئ من انفعاله القوي ذاك كمن يحاول أن يستوعب ما حدث ثم سحب يده من على الطاولة يفركها بهدوء تام ليخفف من شدة إحمرارها إثر صفعة للطاولة بقوة أثناء إنفعاله...

ثم قلت له بعدها بهدوء متجاهلاً ما حدث...

_الشقة دي ملكك؟

_ايوه طبعا يا حضرة الضابط في الحقيقة الأستاذة زينب من سنه ونص كانت أجرت الشقة دي مني لما كنت عرضتها مرة للبيع قبلها ومن ساعتها وهي دايما بتتأخر في الدفع لكني ما كنتش بصرّ عليها انها تدفع او بمعنر مكنتش بقف على الواحدة وحتى أصلا مش مهتم بموضوع الفلوس دا.

ثم صمت بعدها يرتب أفكاره المشتته لأجيبه بهدوئي قائلاً..

_طيب مين يا استاذ زياد، مين الى يعرف بإنك عندك شقة والأستاذة زينب مأجراها منك؟.

ابتلع ريقه وبدا متلعثماً ليقول لي بعدها..

_انا محدش يعرف بمواضيعي دي غير اتنين من صحابي معايا بالشغل.

قلت له بنفس النبرة الهادئة التي اعلم أنني عندما أتحدث بها مع المشتبهين بهم يبدأون في الإرتباك فوراً...

_حلو اوي طيب بقا صحابك الحلوين دول انا عاوزك لما تخرج من هنا دلوقتي تجيبهم لي وتتصل عليهم.

أومأ رأسه عدة مرات قائلا بتلعثم...

_حا حا حاضر.

_دلوقتي بقا آخر حاجة عاوزها منك، عاوزك قبل ما تخرج تسجل لنا عنواينك وتروح تسلم الجهاز الى إستلمت من عليه الرسالة وتقدمه لوحدة الأدلة الجنائية الرقمية فاهم؟.

أومأ برأسه ثم قال بهدوء وإستسلام...

_فاهم يا حضرة الضابط.

بعد ذلك صمت انا ومن ثم أعطيت فارس نظرة إشارة بعيني له تعني أن يتكفل هو بالباقي. ومن ثم قمت وخرجت مغادراً الغرفة لأقف في الممر وحدي بعض الوقت.

***

كان الممر خالٍ حينها، وكان الهدوء الذي ساد المكان مناسباً جداً لتفعيل وضعية التركيز بدون تشتت في مراجعة أقوال المشتبهين بهم وربط أدلة هذه القضية. حدقت في الحائط الذي أمامي بينما كنت أستند بظهري على الحائط المقابل له واقفاً بالقرب من باب غرفة الإستجواب التي بها فارس و زياد هائماً في أفكاري. ولكن أي افكار؟، إستطعت أركز بها وأنا قد إستيقظت للتو من قبل قليل ذكرياتي المزعجة التي لا تزال تلاحقني؟ بدأت أفكر وأحاول أن أدخل نفسي في مود التركيز في القضية كي أصرف إنتباهي عن أفكاري المزعجة التي تتردد بداخلي كل لحظة، لكن لا فائدة فقد خرج زياد من الغرفة ليعكر صوت الباب وصوت وقع خطوات أقدامه تركيزي ومزاجي الذي أعادني لإدراك الواقع من حولي. لم أكن منزعجاً لأنه قطع أفكاري وشعرت براحة كما لو انه قد إنتشلني من الغرق في بحر مظلم كنت على وشك الغوص به دون أن يدري. أكمل زياد سيره ولم يظل واقفاً كثيراً حتى غادر وإختفى من المكان، بينما أنا إتجهت نحو باب الخروج من المركز فقد قررت ان أفكر بالخارج في الهواء الطلق لعلي أحسن مزاجي السيء هذا و ليثما يحضر صديقا زياد ثم نعاود التحقيق.

***

كانت الساعة الثانية عشر إلا ربع حينما خرجت واقفاً في بهو الساحة الخارجية للمركز، خرجت من الباب الذي قد فُتح لي بتلقائية لتستقبلتني نسمة الهواء الباردة فأدرك وقتها مدى شدة برودة الشارع عن المكتب في الداخل. أخرجت سيجارتي لأدخنها غير مبالياً بأي شيء او بالأصح متجاهلاً خطة قد خططت لها من فترة من ضمن خططي ألا وهي ان أقلع عن التدخين مثلاً.

ظللت واقفاً قرابة نصف ساعة مبحراً في أفكاري وترتيباتي دون غواصة غير مدركاً لأي شيء من حولي سوى فقط أنني أسمع وألاحظ وأراقب أفكاري تلك. إلى أن أتى فارس راجلاً نحوي، وقد تنبأت في نفسي بمجيئة عندما سمعت صوت الباب يُفتح تلقائياً له ومن صوت خطواته التي أستطعت تمييزها. وقف أمامي في صمت مهيمن وإذا فجأه في حركة خاطفة أخذ السجارة من فمي بهدوء ليدهسها بحذاءة أمامي في صمت تام دون أن ينبس بحرف. بينما ظللت أنا صامتاً لم أُبد بأي ردة فعل لما فعله هذا في محاولة إستيعاب ما حدث للتو. إلى أن أدركت بعدها بلحظات الأمر فلم أُبد بأي ردة فعل مجدداً، حتى أنني لم أقل له شيء وإكتفيت فقط أن نظرت له في صمت. ثم حك بإصبعه طرف عينيه ربما هناك مادخل بها فطرفها ثم قال...

_كله بقا تمام وزياد عمل الى انت قلت له عليه وأمرت واحد من بتوع الفنيين بالأدلة الرقمية انه يتأكد من موضوع الرسالة دي فعلاً....

ثم أزاح نظره عني ناظراً إلى الأمام وأكمل مردفاً حديثة..

_وقدامنا كدا حوالي نص ساعة ويوصل صحاب زياد دول ونرجع نحقق معاهم...

لم أقل شيء وأومأت له بإيجاب فقط، بينما كنت أحدق في الأرض سارحاً في سجن أفكاري فهو على كل حال لن يستطيع إيقافي عن التفكير او أخذها مني كما فعل بسجارتي للتو.

بعد ذلك أكمل فارس حديثه قائلاً بنبره مرحة او كما لو أنه يحاول أن ينتشلني من هذا المود كعادته قائلاً..

_شفت هاديك إنت كنت بتقول لي ما أرعبهمش ومش عارف اي ولما زياد وصل مسكت رعب فيه لدرجة أنه كان حتى مرعوب من صوتك وطريقة كلامك!..

لم أجب عليه وظللت صامتاً لألحظ بعدها صمته فأدركت أنه ربما صمت هو الآخر عندما أدرك عدم تفاعلي معه بالحديث وأني لست منتبهاً له من الأساس. لكنه لم يصمت كثيراً بعدها كعادته يحب الثرثرة، وإذا فجأه قطع الصمت قائلاً بنبرة قد تغيرت مرحها التي كانت عليه للتو لتتبدد إلى اليأس أو الإنكسار، محدقاً أمامه مثلي في الفراغ.

_مالك؟.

هنا تجلى كل الضيق الذي شعرت به فجأه في قلبي عندما قال آخر جملته، كما لو أنه كشف الغطاء الذي أخفيت تحته أحزاني، لم أجب عليه هناك الكثير ولا أعرف من أين أبدأ بالتحديد، كما أنني سئمت من كثرة شكواي.........

الى أن قال بنفس النبرة الهادئة وكأنه قد فهم..

_إحكي وانا سامعك....، عارف انا لما اشوفك رجعت تدخن تاني بدرك إنك وصلت تاني لقاع أحزانك وأكيد في حاجة حفزتك إنك ترجع بعد ما كنت قررت، لأني عارفك يا أويس انت لما بتعزم على خطة أكيد بتنفزها إلا لو حاجة خارجة عن إرادتك تيجي تعطلك فتبقى تايه متشتت. ثم صمت للحظات ثم قال مستأنفاً حديثه كما لو أنه كان منتظراً مني إجابة....

_انا بقول لك كدا يعني عشانــــ......

ثم صمت لحظة وقال...

_مش عارف لكن عاوز اقول لك انه لو في حاجة خارجة عن إرادتك مدايقاك قلي ويمكن أساعدك...

ثم صمت ولم يقل شيء بعدها، انتظرني أن أتكلم ولكن دون فائدة فأنا لا اعرف من أين أبدا وكيف؟ ويبدوا انه قد يأس وأدرك أني لن أقول شيء فهمّ ان يرحل الى ان قلت له بهدوء وصوت منخفض وأنا أخرج سجارة من جيبي وأشعلها بقداحتي.

_انا خايف!

توقف فارس بجواري وظل صامتاً، توقعت ان يأخذ السجارة مني كما يفعل لكنه لم يفعل فأكملت قائلاً..

_زياد لو كلامه طلع صح فدا معناه إنه هو كمان هيبقى الضحية الجاية المستهدفة لأننا أجبرناه على انه يقول كل حاجة وهو كان واضح من البداية أصلاً انه كان واخد قرار انه مش هيقول لنا على الرسالة ولكن بعد ما عاملته كدا خرج لنا كل حاجة معاه، وأنا دلوقتي بقيت متأكد مليون بالمية ان المرسل هو المجرم بذات نفسه، مجرم ذكي وبيخطط بدقة. معرفش افكار كتيرة فمخي حاسس اني طول الوقت بفكر وان في حاجات كتير انا ناسيها او فايتاني ويمكن دا الى معصبني شويه معلش انا اسف.

رد بهدوء تام قائلاً..

_بسيطة حاول ما تفكرش سيب كل حاجة تيجي زي ما هي وما تقلقش اذا حاجة فيتاك او ناسيها....ثم صمت ونظر إلى الأفق وكأنه يحاول التفكير ثم أكمل قائلاً... عمرك سألت نفسك احنا ليه لسه صحاب مع بعض كل الوقت دا ؟...

صمت للحظات ولم ينتظر إجابتي ليكمل حديثه قائلاً..

_عشان الصحاب دايما الى بتطول صداقتهم أكيد هم الاتنين مكملين بعض في حاجات كتير بحياتهم، مستحيل يكون كل واحد فينا مختلف ومتميز عن التاني وفيه كل الصفات الحلوة ومفهوش نواقص او عيوب. كلنا فينا عيوب كتيرة وفينا بردوا مميزات وكل صديقين مع بعض هم مستمرين بصداقتهم مع بعض عشان هم الاتنين بيكملوا بعض كل واحد فيه حاجة مميزة فيه هو بس محدش عنده زيها وكذلك عنده عيوب لكن الى بيخلي الصحاب تكمل وتستمر صحوبيتهم بعد ما يكملوا بعض هو انهم بيتجاهلوا عيوب بعض ويصلحوا من بعض.

ثم صمت بعدها عدة دقائق يتأمل أثر كلماته عليّ ومنتظراً إبجابة مني ولكن سرعان ما أكمل قائلاً مغيراً الموضوع الذي نقلنا اليه بسرعه مفاجئة والذي لم أعلم ما هدفه...

_صحيح، ولكن يا أويس انا عمري ما شفتك خايف من مجرم، كنت دايماً بتقول انه بشر زينا لا حول له ولا قوة الا بالله وانه مهما بلغ عدد اشكال وانواع الاسلحة الى هيمسكها مفيش حاجة هتحصلنا غير الى كتبه لنا ربنا، ثم صمت وأكمل قاىلا بنبرة يدعي فيها الدهشة...... ولكن فجأه سبحان الله بقيت خايف من مجرم دلوقتي؟ يا اخي دا حرام حتى الجهد العقلي الي بذلته عشان أفسر حالتك المتشقلبة من ساعة ما جيت انه يروح في الارض!، انا متأكد انه مش بسبب المجرم يا أويس اسف مش غبي للدرجاتي!.

ثم ربت على كتفي وأكمل قائلاً...

_لو مش عاوز تحكي هنا تعالى نروح ع الناحية التانيه.

نفثت دخان سجارتي ثم تقدمت خطوات للامام بعد ان قلت له بهدوء ينفي تماماً الصراع الذي بداخلي لأدراكي أني قد حملته ما لا قد يطيقه وانه فهم اني اسيء إليه رغم اني لم أقصد فعل ذلك.

_انا اسف..

أكملت سيري على رصيف الشارع والذي كان مظلماً ك سماء تلك الليلة، ولكن بالرغم من ذلك كنا نستطيع الرؤية بوضوح فبعض أعمدة الإضاءه كانت مفتوحه بينما البعض كان مظلم، كان قد تبعني فارس خلفي وكنا في حالة صمت تام كما لو أنه لم يعد هناك كلام آخر نقوله فماذا نقول بعد؟.

الى بادر فارس وقال مستكملا نهاية آخر حديث...

_اسف على ايه؟

قلت وانا أحدق بالسيارات المصطفة أمامنا على الرصيف الآخر للجهة المقابلة.

_شكرا لوجودك دايما معايا كان زماني إرتكبت جريمة.

صمت للحظات محاولا فهم ما قلته ولتفكيك كومة شفرة المشاعر المعقدة تلك التي أمامه. قبل أن يقول فجأة بنبرته المرحة...

_ياض احنا أخوة.

ثم اكمل قائلا بنبرة مازحة..

_جريمة ليه بقا..؟

انخفض جفناي لأقول بكل برود محدقاً بشدة في نقطة ما خفية أمامي في الفراغ وكما لو أنني أسترجع تفاصيل ذكريات في عقلي حينها وأراها أمامي بنفس المشهد وبنفس ما حدث لكن غير مكتمل تماماً فهناك ما ينقصة شيء ما وهذا الشيء قد نسيته.

_انا بكرهه، وكل ما افتكر اي حاجة أحس انه لازم يموت ولازم انا الى أموته عشان أهدى، عقلي دايماً شغال أفكر بكل حاجة. صغيرة، كبيرة، تافهة، مهمة، مش مهمة.

ربّت على كتفي في صمت وقد تغيرت ملامح المرح من على وجهه ليفهم وقتها ما كنت أعنيه.

ليقول بنبرة قد بهتت وخَلت من أي مزاح أو مرح أو خِفه دم كما كان يفعل...

_هو صعب اه، ولكن فكر فيا أنا إني أبويا مات أول ما جيت على وش الدنيا، وعمري ما جربت حنية الأب، أما إنت هو لسه عايش فلازم تحمد ربنا على كدا ثم أنه خلاص إتغير وتاب ومبقاش زي الأول يا أويس!. ثم صمت وأكمل قائلاً: وربنا غفور رحيم يغفر ل إلى بيتوب ويرجع ع الطريق الصح.

نفثت دخاني مجيباً عليه محدقاً بالسيارة التي أمامي..

_مش يمكن والدك إتوفى وقتها لحكمة من ربنا أنه مثلاً أنقذك أو حماك بكدا من حاجة؟، صحيح يا فارس إتغير لكن علامته القديمة لسه عايشة في مخي مش بتختفي وأثره السيء لسه معانا ملازمنا هو الى وصلنا لكدا هو السبب لكل الى انا فيه!.

ربّت على كتفي بهدوء قائلاً محاولاً أن يرفع معنوياتي التي قد غرقت و وصلت الى قاع الأرض...

_مفيش حاجة اسمها كدا، كلها أقدار، صدقني انت محتاج تهدى وترتاح شوية مش أكتر..

ثم صمت وأكمل قائلاً بحزم وقد ظهرت في عينه حماس الجدية...

_أويس أنت أقوى من الأفكار دي متخليش الأفكار دي توقفك وما تكملش، ما تخليهاش تحبطك وتهدم كل تعبك الى بتبنيه، متخليهاش تدور فمخك كتير عشان لو فضلت كتير بمخك هتبقى حالتك أسوء وهتبقى رغبتك في التنفيذ أقوى، متخليش مجرد فكرة تقفل مستقبلك في وشك وتقضيها في السجن لقدر الله، عارف انه ممكن يكون صعب لكن حاول وبس وانا معاك خطوة بخطوة.

ظللت صامت وقتها، لا أعرف ماذا أقول مجدداً وكان السؤال الذي يدور في عقلي وقتها "هل هناك ما يجب ان اقوله، هل يجب ان اقول شيء، بماذا أجيب، هل أنا حقا كذلك كما يقول؟".و لكنني ظللت مكتفياً بالصمت، وكذلك إلتزمه فارس بعدها هو أيضا، أشعر بضيق، بغضب، أو ضياع، أو قلق أو توتر، يأس أو عجز. لا اعرف ولكنه شعور جعلني أكور قبضة يدي في جيبي بقوة كما لو أنني كنت أنوي كسر عظام أصابعي وقتها. الى أن نطق فارس مجدداً وحقاً لا أعرف كيف له ان يستطيع قول كل هذا الكلام؟ كيف له ان يقول كل هذا في سرعة؟ ، وبوقت مناسب ودون خطأ ؟ هل هو يستطيع فعل هذا دائماً ام انه موهوب بالفطرة بأن يثرثر دائما؟ ولكن في الحقيقة لثرثته تلك معي تكون لها وقعاً خاصاً، يزحزح في شيء ما بأعماقي حيث أشعر أنه حقا يستطيع أن يؤثر بي بكلامه وأن ثرثرته أحياناً تكون مفيدة لي!. الى أن قطع فارس الصمت وكذلك تسؤلاتي التي كانت في نفسي قائلاً بعد أن خطف السجارة من فمي مجدداً للمرة الثانية بكل خفة وسلاسة ليدعسها على الارض بهدوء وهو يقول بنبرة مرحة كما لو انه لا يفعل شيء.

_يلا دلوقتي بقا نرجع نشوف شغلنا!.

لم أجب عليه فقد عجز لساني عن الرد، شعرت بسعادة لا اعرف سببها، إبتسمت... ثم أومأت رأسي بهدوء ومن ثم تبعته متجهين ذاهبين الى المركز لإكمال العمل.

***

دخلنا المركز وإذا بنا نتقابل مع الملازم جلال في منتصفها حيث كان يراجع شيء ما في دفتره بتركيز شعرت به من كثرة تمعنه بالنظر حتى أنه لم ينتبه إلينا في البداية لينظر إلينا قائلاً ومهللاً...

_اهلا بالبهوات بقا كدا تخرجوا وما تكملوش إستجواب الناس الى وصلوا؟ الله هو انتوا كنتوا فين؟.

نظر فارس يمنه ويساره قائلاً له بصوت منخفض...

_هششش وطي صوتك دا بدل ما أديك بوكسه في وشك تعال معانا ع المكتب وقلنا على الى حصل بالتفاصيل من سكات...

رفع جلال رأسه بعد أن نظر إلينا شزراً وقائلاً وهو مستغل اللحظة..

_عاوزيني أديكم الكم معلومه الى عندي وانتوا الإتنين ماسكين القضية ومخلصين تلات تربعها وسايبني انا بدون حاجة؟.

تنهدت بتأفف في نفسي فهذا ليس وقت للجدال أبداً لأقول له بسرعة كي أضمن سكوته بسرعة....

_هنعزمك على كباب وكفته لو ساعدتنا بكل حاجة تعرفها.

قلتها متدخلاً بمنتصف الحديث قاطعاً حوارهم لكي أصرفهم من وقوفهم هنا بشكل أسرع ولضمان عدم سماع أحد لنا. لأجد بعدها معالم الدهشة على وجهه جلال والذي أوضح لي حينها مدى سعادته بهذا العرض -الذي أعرف أنه مغري جداً بالنسبة له ومُرضي له ولبطنه- لتعلوا أيضاًملامح الدهشة على وجه فارس هو الآخر كما لو أنه لم يتوقع أن أقول شيء كهذا، ثم قال جلال..

_لا انا عاوز كشري.

رد فارس متمتماً بغيظ كما لو أنه ادرك اني سأقحمه في فلوس هذه العزومه معي...

_وهو حد يقول لكباب وكفته لا؟

رد جلال قائلاً..

_اه عندك مانع هو مين الى هياكل انا ولا انت؟

الله الله على المحادثة الى تشهي دي، ثم رفع صوته قائلاً وأكمل...

_هو انتم خلصتم شغلكم؟

بالطبع تصلب كل منا في مكانه بمجرد سماعه لكلمات (رائد) "رئيس القسم" فهذه الكلمات تعتبر كما لو أنه يوبخنا على إهمال صدر منا. لأشعر وقتها بغضب شديد تجلى في صدري فأضاقه محكماً قبضة يدي في جيبي ولم أُدِر ظهري للرئيس بعد. فأشد ما أكرهه هو أن يُعرف عني مهملٌ في عمله أو ان يصدر خطأ مني، والأسوء أن كل هذا كان بسبب جلال الذي إستوقفنا وجوده وحديثه معنا قد عطلنا من الأساس، نظرت نحو جلال بحقد وكره أو كما لو أنها أشبه بنظرة توعد. ومن ثم قلت بهدوء تام بعد أن إلتفتت ونظرت نحو الرئيس قائلاً ومتحملاً كل المسؤولية..

_إحنا بنعتذر لك يا حضرة الرئيس، مش هتتكرر تاني حالياً إحنا هنرجع نشوف شغلنا، عن إذنك.

***

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سلسلة ظل أويس - قصة قضية ثلاثة دوائر - 1

المؤلف Salma Hamdy
2026/01/26 مستمرة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة