قال جلال كلماته وذهب وتركنا ليكمل ما قد كُلف به، نظرت إلى فارس فقال لي بكل بساطة..
_فكك.
***
صعدنا إلى السطح لنكمل عملنا في هدوء بعيداً عن أعين أحد، كان السطح خالياً ومجهزاً به كرسيين وطاولة وعلى الطاولة جهاز لاب توب. جلست على الكرسي ليجلس فارس تلقائيا أمامي وكان الصمت سيد المكان لعدة لحظات، قبل ينطق فارس قائلاً وهو يشير على جهاز اللاب توب..
_بص هنا كل الى صورته الكاميرا الخارجية..
ثم أخرج دفتره الصغير وأكمل قائلاً..
_وهنا أنا سجلت كل إلى قالوه المشتبهيين بهم، ... طبعاً حققنا مع الكل بس فيه مجموعة كدا أشك بأنه ينحصر القاتل ما بينهم.
أومأت له رأسي بتفهم وتركيز دون النطق بكلمة ليكمل كلامة، حرك أصابعه على فأرة جهاز اللاب توب ليفتح ومن ثم عدل موضع الجهاز ليكون بيننا وليشاركني وأرى ما يحتويه، وكان مفتوح على صورة رجل أربعيني، ومن ثم فتح دفتره وقال وهو يراقب صورة الرجل أمامه على الجهاز بشيء من العداوة لم أفهم سببها قائلاً...
_هنبدأ من دا لإني حاسس إن طرف الخيط بيبدأ من عنده.
أومأت رأسي له بنعم وفقط، فأكمل بادئاً قراءة ما كتبه لي بصوت عالي.
_دا إسمه سيف عبدالرحيم، دكتور جراح مشهور من كبار الشخصيات المتميزة في البلد لذلك جت له دعوة حضور الحفلة هنا وحضرها.
صمت ثم نظر إلي كما لو أنه يترقب مني قول أي شيء أو أن أعلق ولكني فاجئته بأن ظللت صامتاً مكتفياً بالإيماء له فقط ليكمل مستأنفاً كلامه قائلاً..
_لما سألته عن إذا له علاقة بالضحية أجزم أنه ما يعرفهاش وقال أنه بيكره القراءة لما سألناه.
_طب وكان الأستاذ فين وقت الجريمة؟
_قال أنه طلب وقتها من أحد العاملين أنه يجيب له واحدة كَنزا وبعدها خرج برا القاعة وقتها يدخن شوية.
_ليه اي شهود يثبتوا كدا؟. "قلتها بصوت خافض وانا أنظر في عينيه بثبات"
_أيوه في العامل إلى راح يجيب له الماية الغازية أثبت أنه شافه وهو بيخرج من القاعة وقتها وعرف أنه هيدخن فسابه على راحته.
_وكان إمتى بقى الكلام دا؟
_حوالي خمسة إلا خمسة قبل إكتشاف جثة الضحية بساعة.
_ودخل إمتى القاعة تاني؟
_بعد ما إستجوبناه قال أنه مدخلش القاعة تاني غير لما القاعة هديت الأصوات فيها فجأة و وقت إكتشاف الناس الجثة..
_وهل العامل أثبت دا؟
_أيوه قال أنه لما راح يجيب الماية الغازية للضيف لاقى إن المخزون خلص فإضطر إنه ينتظر عربية الشحن تبعت لهم كراتين عصاير تانية ودام إنتظاره ده لمدة نص ساعة يعني ع الخمسة وخمسة وعشرين دقيقة كانت جت العربية وهو وقتها راح إدى للدكتور الكنزا يشربها وكان لسه هو خارج القاعة بيدخن في الناحية الخلفية للقاعة من برا.
_بعد كدا العامل راح يعمل اي؟
_قال إنه راح يكمل شغله يفضي عربية الشحن وينقل الكراتين عشان العربية تمشي.
_لوحده؟
_اه
_طيب..
قلتها بعدم راحة، بعد أن إنتهيت من أسئلتي تنهدت بتعب وضجر لعجز الأدلة عن إثبات هوية المجرم الحقيقي فقلت له..
_مستحيل يقدر ينفذ الجريمة بنص ساعة صح؟
تجاهل الرد بأن قرب جهاز اللاب توب نحوه ثم بدأ بتشغيل فيديو مسجل وأراني إياه قائلاً.
_بص هو دا إلى أثبتته الكاميرا...
نظرت بتمعن في ما عرضته الشاشة، لقد أثبتت كل ما قاله فارس حقاً كلمة بكلمة.
"في الساعة الخامسة إلا خمسة خرج العامل بسرعة من الباب الخلفي وكان على وجهه يبدو التوتر ومن ثم أجرى مكالمة هاتفية وظل واقفاً بعدها كمن ينتظر وصول شيئاً. بعدها بخمسة دقائق خرج الدكتور سيف عبدالرحيم من القاعة رافعاً قداحته وسجارته في وجهة العامل الذي إستغرب من خروجه حينها ليعلم أنه سيدخن قليلا فيومئ له العامل بصمت بعد أن تفهم سبب خروج الطبيب، ومن ثم إختفى الطبيب من أمام الكاميرا وظل العامل واقف، بعد ذلك في الخامسة والعشرين دقيقة ظهرت شاحنة كبيرة من بعيد ثم إقتربت نحو القاعة وركنها صاحبها أمام الباب الخلفي للقاعة تماماً كما رأيتها أول مرة، خرج صاحبة الشاحنة الكبيرة وتبادل الرجلان التحية -وهذا ما خمنته نظراً لإن الكاميرا ليست مزودة بتسجيل الصوت وكنا نشاهد فقط دون سماع أي شي- ومن ثم إختفى صاحب الشاحنة من أمام الكاميرا ويبدوا أنه ذهب لمكان ما بينما بدأ العامل بفتح إحدى الكرتونات ليأخذ منها كنزة عصير ويتجه بنفس الإتجاه الذي سلكه الدكتور "ليعطي إليه العصير" كما قال في الإستجواب. بعد ذلك عاد العامل مجدداً عند الشاحنة بعد أن نظر يميناً ويساراً بترقب ليبدأ بعدها بتفريغ الكراتين منها لوحده. بعد ذلك بنصف ساعة فجأة وجدت العامل ترك عمله في نقل الكراتين ليهرع فجأة بسرعة نحو الباب الخلفي ومن ثم دخله وإختفى. بعد عدة دقائق ظهر الجراح مجدداً هو الآخر وقد ألقى الكنزة من يده بإهمال على الأرض بعد أن تجرع محتواها ثم نظر يميناً ويساراً كما لو أنه يتأكد من شيء ما ثم دخل هو الآخر القاعة من بابها الخلفي في ذلك الوقت. وإلى هذه اللحظة ومن ثم أوقف فارس مقطع الفيديو عند وصول التسجيل للساعة السادسة ليقول لي بصوت مرهق بعد أن تثائب.
_وبكدا تكون الكاميرا لحد الدقيقة دي أثبتت إلى قاله المشتبهيين بهم الأولانيين الدكتور والعامل.
أومأت له بشرود بينما أحاول أنا ربط كل هذه المعلومات ببعضها ببعض بعقلي ثم قال..
_بص بقا هنا...
ثم حول بين الكثير من الصور التي كانت على الجهاز ليتوقف عند صورة شاب عشريني، علمت وقتها أنه العامل ذاته الذي كان بمقطع الفيديو ثم قال.
_دا سعيد عبدلله العامل إلى إنت عارفه طبعاً وأعتقد انه مفيش حاجة مقلتهاش لك عنه، ثم صمت وأكمل قائلا بينما هو يقلب بين صفحات دفتره الممتلئة..
_ولا أقولك إستنى كدا ، ..... اه لا خلاص
"قال جملته الاخيرة عندما وصل الى عدة صفحات بيضاء في دفتره وفارغة"
_ليتوقف عن بحثه في دفتره قليلاً لأكمل أنا قائلاً..
_الكاميرات دي بقا أم زاوية واحدة صح؟
_للأسف يعني.
تنهدت ثم قلت بعد نفساً عميقاً أخذته.
_طيب صح السائق دا إستجوبتوه ولا على باب الله حكايته.
أومأ رأسه وقال..
_إستنى إستنى أنا هقولك بالترتيب إلى في مخي بحيث كلامي يوصل لك فكرتي والإستنتاج إلى وصلت له،..... هنيجي بقى دلوقتي ع المشتبه بيهم التالت..
ثم حرك بسبابته على فأرة الجهاز بخفة لننتقل إلى صورة أخرى كانت لمرأه ثلاثينية محجبة، عندما رأيتها أدركت أنها هي ذاتها السيدة التي كانت تبكي عندما دخلت القاعة لأول مرة.
ليقطع فارس الصمت قائلا..
_في البداية معرفناش نستجوبها نظراً لأنها كانت في حالة يصعب إننا نستجوبها فيها فإضطرينا نستجوبها أخر حاجة، دي المكتشفة الأولى للجثة!.
وضعت كفي على الطاولة معتدلاً بجلستي لأقول له..
_كمل!
_دي زينب عبدالمجيد صديقة للضحية سهير عرفات منذ الطفولة هم الإتنين بيشتغلوا نفس المهنة في مجال الكتابة الأدبية والكاتبة زينب بتكون من أول القارئين لروايات صديقتها.
_طيب وكانت فين وقت حدوث الجريمة؟
_قالت إنها كانت رايحة مع المرحومة عند الحمامات تنتظرها لإن المرحومة كما ذكرت لنا كانت مريضة ومن قلقها عليها راحت معاها عشان تطمن عليها وتساعدها، لكن طبعا لسة تقارير الطب الشرعي ما أثبتتش حاجة لنا من الكلام دا.
_وكان إمتى الكلام دا؟ "قلتها بصوت عالٍ وقد بدأ الغضب يتسلل إلي" ليقول...
_ع الساعة خمسة.
_يبقى أكيد القاتل كان عارف مكان ضحيته قبل ما هينفذ الجريمة ومفيش غيرها!، عندها أي شهود على كلامها دا؟
_لا.
_يبقى أكيـ...
_إهدا!. "قالها بهدوء ولكن بنبرة صارمة" ، مينفعش نتهم حد بدون أدلة ونوهم نفسنا بحاجات مش مثبته على أرض الواقع.
لم أجب عليه في البداية وأخذت نفساً عميقاً لأزفرة ببطء ومحاولاً أن أثَبت قدمي التي بدأت تهتز لا إرادياً من كثرة التوتر ليقول هو..
_الأستاذة زينب ما كملت إنتظار عشر دقائق وإضطرت بعدها تترك صديقتها عشان ترد على مكالمة يبقى أكيد مش هي القاتلة!.
_طب إزاي يعني هي تروح معاها بإرادتها عشان تنتظرها وتساعدها وتقوم تسيبها بالنهاية عشان مكالمة فتتقل بعدها صحبتها بالشكل دا؟، ممكن تفهمني يا أستاذ؟
_إحنا بالفعل يا أويس راجعنا آخر سجلات مكالماتها وعرفنا فعلاً إنها كانت بتتكلم خلال الوقت دا بس الغريبة إن مكالمتها دامت أربعين دقيقة، وعرفنا بعدها إنها مكانتش عاوزة ترد في البداية لكن مع تكرار الرنة إضطرت تترك صحبتها عشان ترد وبعدت وقتها عن الحمامات.
_وأي كانت المكالمة بقى يعني كانت مع مين وليه وكدا.
_قالت إنها كانت مع صاحب شقة هي مأجراها منه وأنه كان خلال المكالمة دي بيطلب منها تحول له فلوس الإيجار.
_وتأكدتوا من كدا ولا دا كلام من مخها؟
_أيوه اتأكدنا وطلع صح.
صمت فارس ثم قلت أنا بنبرة بها إستهزاء فهذه القصة لا تعجبني ولم تدخل عقلي بأي شكل من الأشكال قائلاً..
_وبعد كدا هي لما خلصت مكالمتها راحت عند صحبتها تاني بس لاقتها وقتها ودعت.
رد قائلاً متجاهلاً نبرة إستهزائي..
_للأسف أيوه، ودا كان الساعة خمسة وخمسين.
أكملت بنبرة سخط..
_وطبعاً مفيش شهود على أي حاجة من دا.
أومأ بنعم في صمت لأتنهد وأصمت أنا أيضا مفكراً إذا كان هناك ما قد نسيت السؤال عنه أم لا ولكن تشتتي وتوتري منعني من التركيز في أي شيء وشعوري بالصعوبة في تذكر أي شيء آخر ليقول فارس مستغلاً صمتي وعدم قدرتي على التفكير بأي شيء لتوتري والذي دام عدة دقائق قائلاً...
_أنا هروح أجيب كوبايتين شاي كدا يفوقونا.
ثم أقفل دفترو و وضعة أمامي قائلاً..
_حافظ عليه وبالمرة كمل إنت قراءة عشان أنا زوري خلاص راح.
أومأت له في صمت، وقف وأخذ يلملم أغراضة من على الطاولة ومن ثم هبط من على السلم ليختفي ويصبح السطح خالياً وهادئاً تماماً لا شيء به سوى صوت نسمات الرياح الخفيفة فقط، كان السطح محاط بسور ليس بعالي ولكن منعاً من سقوط أحد.
تثائبت ومن ثم مسحت الدمعة من عيني التي هربت مني لأفتح بعدها الدفتر لأضيع هذا الوقت أثناء إنتظار فارس فأفعل أي شيء.
بدأت أقلب في الصفحات واحدة تلو أخرى...
إلى أن وصلت إلى بقية المشتبهين بهم اللذين لم يتسنى لفارس الوقت في أن يكمل قرائتهم لي.
***
المشتبه بهم رقم : 4
الإسم : زهرة محمد أحمد
* فازت بلقب أجمل صوت في الإنشاد وفازت بمسابقات كتير وجوايز.
دليل إدانتها : أحد القراء للضحية إلى إنزعجوا بشدة من نهاية آخر رواياتها التي كتبتها.
مكانها وقت حدوث الجريمة : في القاعة حيث كنت منشغلة بالحفل مع الضيوف.
* لا يوجد دليل براءة أو شهود على أقوالها.
ملاحظتي : شابة رياضية تستطيع بسهولة إرتكاب الجريمة وقد يكون دافعها لإرتكاب الجريمة هو الإنتقام من نهاية آخر رواية قرأتها للكاتبة.
،،،،
المشتبة رقم : 5
الإسم : رشيد هادي عبد المنعم.
* رسام حازت إبداعاته الفنية على جوائز ذهبية كثيرة ودخل العديد من المسابقات.
علاقته بالضحية : زميل قديم للكاتبة أيام الدراسة.
مكانة وقت الجريمة: كان منشغل بالحفل يتأمل لوحات القاعة ويوقع للضيوف المعجبين بأعماله.
* لا يوجد دليل براءة على ذلك.
***
أغلقت الدفتر من يدي في محاولة يائسة مني أن أزيح هذا النعاس الذي بدأ يثقل جفناي ماسحاً دمعة أخرى هربت مني عندما حككت عيني بعد أن تثائبت، نظرت في ساعتي التي كانت تلتف حول معصمي لأجدها الرابعة فجراً ولكن الرؤية بدت مشوشة بالنسبة لي، تجاهلت ذاك الأمر ثم رفعت رأسي أنظر للسماء متأملاً القمر المكتمل في هذا الظلام والسكون ومسنداً مؤخرة رأسي لأريحها على طرف نهاية الكرسي العلوي. فتمر نسمة هواء باردة لا أحسد عليها أحد، إستقبلها جسدي كبرق ضرب بي لأعطس بشدة إثرها.
_شكله الدور زاد معاك...
قالها فارس بهدوء والذي وجدته ظهر فجأة أمامي لا يعلم سوى الخالق متى أتى كي لا ألحظة هكذا، حاملاً بكوبين الشاي الذي ظللت سنتين أنتظرهما منذ أن غادر فقلت له محاولاً تجاهل ما قاله والهرب من ذاك الأمر لأني كرهت الحديث في هذا الأمر وقد قررت تجنب الحديث فيه مجدداً قائلاً...
_الحمدلله
_يرحمك الله.
ثم قال فارس مكملاً وهو يمد كوباية الشاي أمامي على الطاولة...
_خد كوباية شاي بلمون إنما أي مش هتخليك تتعصب تاني وتهدي أعصابك.
_تسلم إيدك. "قلتها وانا أجزّ على ضروسي محاولاً كبح غيظي منه ومفاجئتي الغير متوقعة لما يحتويه ذاك الكوب الذي أمامي فهو يعلم مدى كرهي لمرارة الليمون ورغم ذلك أحضره لي"
ثم أكمل قائلاً وهو يحتسي كوبه بتلذذ.
_شفت إن دا أكيد أفيد لك ولصحتك إي رائيك صاحب جدع صح.
_أيوه أوي جداً.
"قلتها محاولاً الفهم في نفسي ما يحدث أحقاً يحاول غيظي أم يحاول الإنتقام مني لغضبي وعصبيتي قبل قليل؟"
_يا جدع دا أنا حتى مهانش عليا إني أعمل لك كوباية لمون سخن سادة وكرماً مني حطيته لك في الشاي كمان عشان تشربـ...
ظل يتمتم بكلماته تلك التي كانت تثير نار الغيظ بداخلي تدريجياً ليتوقف عن كلامه فجأة عندما وجدني شربت كل ما يحتويه الكوب على ثلاثة متتاليين واحدة تلو الأخرى، ولأضع كوبي على الطاولة وأرفع رأسي لأنظر إليه وقد غلبني التعب فبدأت جبيني تتعرق لأقول لاهثاً وأنا أرى نظرات الدهشة المرسومة على وجهه وأشعر بالإنتصار.
_أهو إرتحت؟، عادي مفهوش حاجة أنا بقيت أحبه على فكرة.
"قلتها محاولا نسيان المرارة الفظيعة التي أصبحت موجودة في فمي وحلقي" ، ليقول مكملاً تمثيليته السخيفة والتي لا أرى لها مبرر، في محاولة إثارة غيظي أكثر بإستمتاع وأكاد أجزم بشعوري بفرحته التي رقص قلبه فيها فرحاً لإستمتاعه بغيظي وقائلاً...
_واو برافو عليك بجد من إمتى بقا الكلام دا؟
لم أجب عليه وإكتفيت فقط بأنني رمقته بنظرة تعب ومعلناً هزيمتي في نفسي فأنا لم أعد حتى قادراً على إكمال الحديث معه لقدتغلب علي بهذا الكوب الرائع "الشاي بالليمون"!، ومحاولاً التغلب على القشعريرة التي سرت بكامل جسدي لتذكر طعم المرارة مرة أخرى في حلقي.
تنهد بضجر كمن يحمل هماً ويحاول أن يزيحه من على كتفه ومن ثم إعتدل في جلسته قائلاً وبدت عليه ملامح الجدية ...
_دلوقتي هقولك آخر أقوال مشتبهين بهم "صهيب" صاحب القاعة، و"كريم" سواق عربية الشحن.
أومأت برأسي بنعم في صمت في صراعة بداخلي لتغلب على القشعريرة وطعم المرارة ثم قال بلا مبالاه...
_الأستاذ صهيب قال أنه كان في بيته طول الوقت وهو أصلاً محضرش الحفلة وتأكدنا من دا وأسرته أثبتت لنا كدا، أما بقا سواق عربية الشحن زي ما شفت في الكاميرا أنه بعد ما ركن العربية خرج منها وإختفى من على الكاميرا وبعد الإستجواب قال أنه مشي بعدها يعمل مكالمة في غرفة إستراحة العاملين مع المسؤول عن إستلام البضاعة يعني وعشان ياخد له استراحة شوية من السواقة.
_الغريب أنه ساب الموظف سعيد يشيل الحاجة لوحده!، طيب هو المسؤول أكد أنه فعلاً كان بيتكلم مع كريم دا وقتها ولا أي؟
_أيوه أكْد.
_هي فين غرفة إستراحة العاملين دي؟
صمت ثم قال.
_عارف لما تدخل القاعة من الباب الخلفي
أومأت له بنعم فقال.
_ع الجهة اليمين كدا هتلاقي باب الباب دا بقى بيؤدي لممر وفي كذا باب منها حمامات للرجال وغرف إستراحة عاملين وهكذا يعني.
حاولت أن أتخيل خريطة تلك القاعة في عقلي من كلامه لكني لم أستطع فقلت بعد أن مللت لعجزي عن المحاولة...
_أه فهمت كمل كمل.
_وبس كدا.
قالها وهو يقفل دفترة ويتنهد لأزفر أنا بضيق قائلاً و واضعاً يدي بعصبية على الطاولة التي لاذنب لها لتواجه كل هذا العنف...
_فارس مينفعش كدا كل واحد له دليل براءة وإدانة إحنا محتاجين نستعجل الطب الشرعي عشان يطلعلنا بالنتائج النهائية بأقرب وقت القاتل واحد منهم!، وأنا متأكد إن التقارير ممكن تكشف لنا حاجة عن كدا!.
_ماشي ماشي هتصل عليهم وأشوف أي حكايتهم إي رأئيك خلال الوقت دا إحنا نفطر عشان خلاص فنشنا؟
_ماشي وتأكد إن العيش يبقى طاظا وسخن، أنا هقوم أشم شويه هوا.
***
بعد ذلك نزلت من سطح القاعة ثم بدأت أتمشى بعشوائية في الأحياء والشوارع دون هدف محدد واضعاً يداي في جيبي لأحميها من هذا الجو القارص ومحاولاً الحفاظ على تنفسي المنتظم لأهدأ ضربات قلبي المتسارعة، كانت الشوارع خالية والسيارات مصطفة على جانب الجهتين منها والمكان هادئ تماماً، بدأت خيوط الفجر وأشعة الشمس تتسلل إلى السماء لتعلن بدأ يوم جديد لم ننم ليلته..
Salma Hamdy