الفصل السابع

الفصل السابع

9 0

فُتح الباب لنرى ما كنت قد توقعته تماماً، جثة هامدة في نهاية الغرفة أو المرحاض على الأصح لإمرأه ثلاثينية قد نزف رأسها كثيراً الى حد الموت، سبقت خطوات قدماي الإثنان من خلفي لأتقدم نحو تلك الجثة لأتفحصها...

_حاسب يأ أويس إيدك ومسرح الجريمة!.

قالها صديقي فارس بصوت عالٍ ليحذرني من لمس أي شيء بيدي منعاً لتخريب مسرح الجريمة أو ترك بصمات فإستدركت ما كنت سأفعله فقلت له متداركاً...

_اه صحيح..

تقدم فارس ليقف بجواري وقد إرتدى قفازيه كذلك ففعلت أنا أيضا، بينما كان رجل الأمن خلفنا لا يزال واقفاً مكانه في صدمته لرؤيته منظر تلك الجثة محدقاً بهلع قد ظهر على حدقتا عينيه اللتا لم تعدا ثابتتان نحوها...

إنحنيت وجلست على ركبتاي وتجاهلته لأجس نبض الضحية ما إن كانت حية أم لا ولكن لا فائدة فقد تأخرنا!، وقفت وتنهدت تنهيدة طويلة بينما فارس لا يزال واقف بجواري ليقطع الصمت قائلاً...

_أ أ أ أنا والله أول ما عرفت بوجود جثة إ إتصلت بالإسعاف والنجدة على أمل إنهم يلحقوا يساعدونا لكنها فقدت نبضها بسرعة وماتت.

قالها رجل الأمن بنبرة باكية وتردد حتى كدت أشعر بمدى تسارع ضربات قلبه الان وتعرق يده وجبينه وشعرت كما لو أنني سأصاب بحالته تلك الآن، كما لو أنها عدوى!.

_خلااااااااص، إلى حصل حصل دلوقتي عاوزك ما تخليش حد من المكان دا يروح أو يخرج من القاعة ومتخليش حد ييجي هنا!.

_ح ح حاضر يا أستاذ.

قالها متلعثماً ليخرج بسرعة راكضاً من الغرفة لينفر بجلده كما لو أنه لم يرد دخول المكان أساساً؟!.

تنهدت بتعب لأسمع ذاك الأحمق بجواري يقول..

_لا إله الا الله ربنا يرحمها.

ياض إحنا بالحمامات؟!

قلتها له ضارباً كتفه بضربة خفيفة ممازحاً..

_اه صح استغفر الله.

نظرت إليه بإستغراب هل يمزح حقاً في شيء كهذا أم أنه أحمق أم أنه ليس بكامل تركيزة الآن؟!.

_روح روح كلم رئيس المباحث يجي والضباط المساعدين عشان نبدأ نشوف شغلنا، عقبال ما هتفحص المكان دا شوية.

قلتها له ليغادر سريعا من أمامي فأنا لست الآن بوضع يسمح لي أن أتحمل غباء أحدهم بدون إفتعال مشكلة معه أو بدون تحطيم رأسه.

_ماشي ماشي.

***

غادر وأصبح المكان خالٍ وهادئ تماماً، لم يكن مرحاضاً عادياً كانت أشبه بمساحة واسعة بها عدة أبواب على الجهة اليمنى ويبدوا أن كل واحد مخصص به مرحاض تواليت بينما يقابل كل باب على الجهة اليسرى حوض غسيل اليد ومرءآه.

سأحاول تخيل ما حدث وكيف نفذ القاتل جريمته بناءاً على ما لاحظته الى الآن.

كانت الضحية واقفة أمام الحوض والمرءآه فأتى القاتل من الخلف وقتلها ببساطة.

نظرت إلى شعر الضحية حيث بدا واضحاً لي أن ربطة شعرها ليست مربوطة بشكل جيد وبدا شعرها غير مُرتب فإستنتجت أن القاتل قد باغتها من الخلف وأمسك بشعرها -والذي على الأرجح كانت قد سرحته على شكل ذيل حصان- ومن ثم دكها في سن الحائط وهذا يفسر بقعة الدم الكبيرة التي تملؤ سن الحائط المجاور للحوض الذي تقترب منه جثة الضحية الملقاه على الأرض.

ومن ثم أخذ بها من شعر رأسها وألقاها على الأرض لتلفظ أنفاسها الأخيرة وتواجة مصيرها ثم يرحل ويتركها خلفة ولا كأنه قد فعل شيء ما.

فكرت في نفسي..

هل القاتل إمرأه؟، كيف نفذ جريمته من غير أن يلحظة أحد وسط هذه الضجه والزحام؟، هل هو من ن....

قطعت تفكيري هذا عندما لمحت أمرا ما على الحائط..

ثلاث دوائر من الدماء يبدوا أنها للضحية مرسومة بعناية!. لا شك أن فاعل هذا الرمز هو القاتل الل*** الذي نطاردة.

كانت موجودة على الحائط ولم ألحظها لقربها من بقعة الدماء ظننتها بعض الدماء المتناثرة ولكن ما أثبت عكس هذا هو أنني عندما إقتربت من الحائط لأدقق النظر وجدتها الثلاث دوائر محددين بعناية دون أن تختلط بها قطرة دم أخرى تخرب شكلها الخارجي. ثم خطر تساؤلاً في ققلي... هل القاتل حقاً لديه كل هذا الوقت الكافي ليقتل ضحيته ومن ثم يقف أمام الحائط متجاهلاً إياها ليرسم ويتفنن في رسم الدوائر الثلاث بدمائها أم ماذا؟، هل هذا يعني أنه ربما أحد العاملين على تنظيف المراحيض أم ماذا؟.

قطع سيل أفكاري هذا دخول فارس مجدداً قائلاً بنبرة ضيق جاهلاً ما سببها ولكنني لم أهتم.

_أنا إتصلت بالرئيس والضباط المساعدين.

_تمام حالياً إيه الأوضاع برا؟

_ولا حاجة بس الست الى كانت بتعيط وتندب فقدت وعيها.

_خلي بالك من راجل الأمن دا عشان هو يمكن يكون عارف حاجة انا مش مطمن له.

_متقلقش هو قاعد برا بيعمل إلى إنت طلبته منه.

_طيب كويس، إتصلت بالطب الشرعي ولا لسه؟

_اه والدكتور ياسر جاي بالطريق هو وفريقه دلوقتي.

_طيب.

صمت كلانا للحظة ثم إستدار فارس وأعطاني ظهرة لينظر الى الضحية بأسى وصمت تام لا افهم ما يدور بعقله، إلى أن نطق مرة اخرى بعدما زفر نفساً عميقاً ببطء قائلاً بنبرة قد تغيرت ولاحظت الحزن والأسف فيها -نبرة الكَسرة كمن كسى قلبه الحزن المرير لسنوات طويلة-...

_عرفت يا أُس صاحبة الجثة دي ولا لسه؟

جاوبته بريبة وشك و شعرت لوهلة أنه قد يكون علم بهوية الجثة لذلك هذا يفسر سبب وجهه الذي قد تبدد إلى حزن وكسرة الآن. قائلاً وأنا أنظر اليه بنظرات ثابته..

_لا إنت تعرف؟

تنهد تنهيدة أخرى وقد بدا لي أنه يهزأ من جهلي وهذا ما شعرت به ثم أكمل قائلا...

_صاحبة الجثة دي هي الكاتبة المشهورة "سهير عرفات" مؤلفة روايات بوليسية ناجحة وحازت روايتها جوائز كتيرة ومبالغ عالية وإتباعوا في كل الدول..

ثم إلتفت إلى وأكمل قائلاً..

_شفت ودا أثبت ليا دلوقتي إنك لسه ما قرأتش الرواية إلى كنت رشحتها لك من إسبوعين تقرأها.

فتحت فمي في صدمة لم أنتبه لكل هذا ولولا معلومة فارس لي الآن لكنا على وشك أخذ طريق صعب في التحقيق لن يفيدنا بشيء سوى إضاعة الوقت فهززت رأسي بإدراك وفهم قائلاً..

_تصدق كنت بشبه على وشها دا مألوف بالنسبالي.

_والدة الطفل المخطوف إلى بنعمل على قضيته من تلات أشهر.

_أيوه صح

إستدار لينظر إلى الجثة الهامدة مجدداً مديراً الي ظهرة ثم إستأنف كلامة قائلاً..

_المسكينة جالها إنهيار وكئآبة شديدة من ساعة ما عرفت إن إبنها إتخطف على يد خاطف متسلسل، وهاديها إتقتلت النهاردة بطريقة بشعة قبل ما تعرف حاجة عن إبنها، الأسوأ إنها إتقلقت بنفس الطريقة الى قتلت فيها ضحيتها في آخر رواية كتبتها.

_إنت بتقول اي ؟!

قلتها بصوت عالٍ ملؤه الصدمة مما أسمع محاولاً إدارك كل ما قالة وربط النقاط ببعضها ببعض، لا أستطيع إدراك كل هذه المعلومات واحدة تلو الأخرى، حقاً فارس لا يكف أبداً عن إثارة دهشتي ليصدمني دائماً وقت تحليله للقضايا.

أمسكت بكتفه لينظر إلي بوجهي وتلتقي أعيننا ببعض ويقف أمامي ثم قلت بصوت ملؤه الفخر ..

_إنت بجد يا ابني مخك إي إنت مش عارف قد إي إنت دلوقتي سهلت علينا مسار التحقيق!. برافوا عليك بجد !

إستغل فرحتي وفخري به في هذه اللحظة ليرفع ذقنه للأعلى ويقول لي بنبرة وكأنه يعاتبني أو كما لو أنه يرى نفسه الآن عليَّ ليقول:

_ما إنت بقا لو بتقرأ وتسمع كلامي كنت هتبقى ذكي زيي كدا وكنت هتفهمها بنفسك.

إعتدلت بوقفتي عندما أدركت معنى ما قاله إذن هو يراني الآن الطفل الذي يعصي أوامر والدته وعندما وجدت لحظة ضعفه وإدراكة لأهمية نصيحتها أخذت تفعل دور الحكيمة والعاقلة لتلومه على عصيانه للأوامر فتضمن بهكذا طاعته لها بالمستقبل.....

ثم قلت له.

_أنا شايف كفاية أنت الى تقرأ وأكتفي أنا بمهمة حل اللغز.

_طيب ماشي خلاص عشان زمانه الدكتور ياسر وصل هروح أشوفه وأجيبه.

_تمام

***

غادر فارس الغرفة ليتركني أشرد بذهني قليلاً أفكر بحل القضية وأعيد تريت أفكاري وتخيل الأحداث، بناءاً على كل ما قاله فارس فبالتأكيد القاتل أحد القارئين لكتاباتها، إذن القاتل لم يهرب بعد هو لا يزال موجود هنا بيننا!.

تحركت وأنا أسير بشرود نحو الباب لأخرج وأقابل فارس والدكتور ياسر ولأنضم معهم بالحديث وشارداً بأفكاري في نفسي.

"الآن علينا أن نراجع كاميرات المراقبة ثم نستجوب كل من في القاعة ونحتجز كل المشتبهين بهم وفي نفس الوقت سيكون الطب الشرعي يكون قد بدأ في عمله"

خرجت على القاعة حيث وجدتها هادئة تماماً ومن كان بها من ضيوف لم يعدوا موجودين، يبدوا أن رجل الأمن قد إستطاع أن يبعدهم عن مسرح الجريمة قليلاً، حسناً هذا أفضل لضمان عدم تشتتنا أيضاً.

نظرت إلى الأمام حيث المدخل الرئيسي للقاعة فوجدت فارس يقف مديراً ظهره لما في القاعة وأمامه الدكتور ياسر حيث يتحدثا، يبدوا أن فارس يُملي عليه التعلميات ويخبره عن الضحية وذلك قد إستنتجته عندما لاحظت رأس الدكتور الكبير والأصلع يوميء له بالوفاق على ما يقول، هممت أن أتقدم وأقف بجوارهم لمشاركتهم الحديث ولكني توقفت قبل أن أصل لمنتصف المسافة حتى!. لقد أوقفني شعوري فجأه برجفة مرت بجسدي بمجرد إمساك شخص ما خلفي الآن بيده معصمي!، نظرت نحوه لأجده الرئيس "رائد"، فإبتسمت له إبتسامة سعيدة كمن رأى صديق عزيز على قلبه ولأخفي تعبي وإرهاقي..

_أستاذ رائد إزيك؟

ترك معصمي بهدوء وبطء ثم قال بصوت هادئ وخافض حتى أنه لم يلتفت لجملتي وسعادتي برؤيته قائلا لي بوجه جامد ونبرة ثابته..

_ أويس.... شكراً لجهودك وأنا مقدر بجد كل إلى عملته لحد دلوقتي ولكن دلوقتي إنت لازم ترجع للبيت وترتاح وإحنا هنقدر نتكفل بالباقي.

تلاشت إبتسامتي ببطء ، والسعادة التي كانت بداخلي للتو ليعم الغضب مكانها وتشتعل نيرانه بداخلي، ولتعود إلى تعابير وجهي الدائمة الصامتة ، الهادئة ، الجامدة والخالية من البهجة! لأقول له بنبره حاولت فيها عدم إظهار غضبي وأشحت بنظري عنه لأوجهها نحو مؤخرة عنق فارس بغضب وتحديق -والذي كان لا يزال واقفاً أمامي بمسافة ليست بعيدة يضحك ويهز رأسه مع الدكتور- وغير مدركاً لنظراتي الغاضبة التي أرمقه بها والتي أستطيع أن أؤكد أنها حقاً تخترقه فقد أدركت لتوي أنه لم يكلم رئيس المباحث فقط كما قلت له ليأتي لينظر في القضية معنا، لقد وشى بي أيضا وأخبره بمرضي ليبعدني عن القضية ولضمان ألا تسوء حالتي رغم أني

لم أطلب منه هذا، قائلاً بهدوء لا أعرف من أين أتيت به..

_أنا كويس..

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سلسلة ظل أويس - قصة قضية ثلاثة دوائر - 1

المؤلف Salma Hamdy
2026/01/26 مستمرة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة