الفصل السادس

الفصل السادس

10 0

بالطبع إضطررت للذهاب، وها أنا الآن واقف في مكان بعيد عن المدخل الرئيسي لقاعة الحفل منتظراً صديقي فارس لنبدأ مهمة المراقبة، كانت القاعة بابها مفتوح يدخلها كبار الشخصيات والشخصيات المهمة في البلد، كنت قد وصلت في موعد بدء فتح القاعة بالظبط ومنذ مجيئي وأنا واقف بعيداً عن المدخل في زاوية ما، لكي لا يلحظني أحد فأنا لا أريد أو لا أنوي الدخول حتى فقط سأكتفي بالمراقبة، مرت نصف ساعة أخرى ويبدوا أن جميع المدعويين قد دخلوا وذلك علمته عندما وجدتهم أغلقوا باب المدخل الأمامي، أصبحت الساحة خالية تماماً ولم يصل فارس حتى الآن هل تركني هنا لأتولي هذه المهمة وحدي أم ماذا..؟ ، إشتدت نسمات الرياح القارصة قليلاً ليقشعر جسدي لها بأكملة، تنهدت لأزيح ضيق طيلة إنتظاري من على صدري ثم رفعت رأسي للسماء متأملاً بها لأشعر براحة وسكينة عجيبة تغزوني، فسبحان الخالق عندما أنظر للسماء متأملاً إياها أشعر بشعور غريب بأنه هناك أمل في حياتي الحزينة هذه وبتفاؤل، بدأت أصوات أغاني الأفراح المصرية تعلوا من القاعة لتخرم جدرانها من كثرة صوتها العالي وضجيجهم، أنه لأمر فظيع أن يضيع المرء وقته بحضور الحفلات وأن يختلط بهذه الضجة الصاخبة التي يمكننا الإستغناء عنها من الأساس، بدأت أشعر بضربات قلبي تركل صدري من شدة عنفها والمكان من حولي يدور مجدداً أصبحت الرؤية لدي تضعف ورؤيتي للمكان من حولي تضيق وتقل وبدأ جِفْنى عيناي ينغلقا ببطء، تراجعت خطوات للخلف مبتعداً عن الأعين ومن ثم جلست في زاوية على الأرض لأهدأ من ضربات قلبي المضطربة بأخذ نفس عميق مزفراً إياه ببطء جديد، سمعت صوت صدى وقع خطوات أقدام تقترب مني، لم أستطع حتى رفع رأسي لأرى من القادم إلى أن سمعت صوت أعرفة جيداً وقد إستطعت تمييزه بسرعة ومعرفة صاحبه رغم كل هذا الضجيج، همس قائلاً بنبرة قلقة...

_إي دا إنت كويس؟.

رفعت رأسي لأنظر إليه، إنه فارس لقد أتى أخيراً، وجدتة يتلفت نحوه يميناً ويساراً فقلت له بعد أن أومأت له بإيجاب...

_متقلقش مجرد دور برد.

بنبرة غاضبة وبضجر..

_إنت عندك سخنية دور برد إي، إنت بتهزر يا أويس؟

قالها ذات اللحظة التي وضع كفه على جبيني المتعرق ليجسْ حرارتي فهززت رأسي نافياً ومعترضاً وقلت بصوت خافض..

_قلت لك دا كان دور برد..

_ودلوقتي بقت سخنية يا فلاحتك إنت دلوقتي هتشتغل إزاي؟ إنت جيت ليه كان مفروض تاخد أجازة مرضية طالما إنت تعبان بالشكل دا يا أويس وأنا عادي أطلع مع حد تاني في المُهمة دي..

صمت للحظة ثم أردف قائلاً بنبرة أسك أنها نبرة عتاب ليعاتبني قائلاً..

_متستهونش بصحتك كله إلا الصحة يا أويس دي المفروض تبقى من أولى أولوياتك من دونها ما هتعرف تعمل حاجة..

_أنا واخد مسكنات وكله تمام كانت لحظة تعب فجأة خلاص بقى.

_طيب دلوقتي أقدر أجيب لك حاجة ممكن تساعدك تبقى أحسن؟.

_ماية بس، هاخد مسكن ونبدأ نشوف شغلنا.

غادر فارس ليحضر لي كوب ماء كما طلبت بينما أنا أخرجت حبة مسكن من الشريط الذي كان بجيبي لتأتي فجأه نسمة هواء قارصة فيقشعر لها بدني بأكمله مجدداً..

"أكره فصل الشتاء دائما عندما يأتي أصاب أنا بدور برد شديد لا يتركني حتى يُخلص عليّ ثم أصبح بعدها طريح الفراش إلى أن يرحل"

هذا ما فكرت به خلال إخراجي لحبة الدواء. فجأة أدركت وسط زحام الأفكار التي بعقلي أن صوت الضجيج والأغاني هدأ وإختفى تماماً حتى أنه لم يعد هناك أي صوت من الأساس وعم الصمت المكان فجأه كما لو أنه كان مهجوراً ولم يرتد إليه أحداً منذ زمن ثم خطرت في عقلي فكرة شنيعة قائلة لي "أو كما لو أن الجميع قُتل فجأة!." ، ولدرجة شعوري بالغرابة من حلول هذا الصمت الغريب والكئيب فجأة ، أدركت أنني أستطيع سماع صوت الرياح حتى وهي تحرك القمامة التي كانت ملقاة على الأرض فتدحرج بفعل الهواء، إنه حتماً ما ولا بُد أنه قد حدث أمراً خطيراً بالداخل!.

وصل فارس بزجاجة ماء بلاستيكية يبدوا أنه إشتراها لي فشكرتة وشربت منها لأروي ظمأي وجفاف حلقي بنهم ثم بعد إنتهائي أحكمت إغلاق الزجاجة بغطائها و وضعتها في جيبي، مسحت المياه من على فمي فقد كنت عطشاُ لدرجة أنني قد شربتها بسرعة ثم قلت له..

_إحنا لازم ندخل!

_لا بجد؟ إنت بتهزر؟ بحالتك دي مينفعش تتحرك من مكانك إنت أآخرك إنك تنام ع السرير وترتاح.

_مش وقته هزار الأغاني وقفت فجأه والمكان بقى هادي حدسي بيقول لي إنه أكيد في حاجة حصلت لازم نطمن ونتأكد وبعدين نتكلم..

***

بعدها سرت سريعاً قبل أن ينطق فارس "الذي يلعب الآن ومنذ مجيئة دور الطبيب المرشد" بحرف آخر ولم أمنحه حتى وقت للرد فإضطر أن يتبعني ويسير خلفي عل مضض وأنا أشعر بعينية التي تراقبانني لتخترقني. دخلنا من مدخل الباب الخلفي للقاعة نظراً لأني وجدتة الأقرب مسافةً لنا عن الباب الآخر.

أول ما شعرت به عند وصولي هو وجود رائحة دخان كما لو أنه كان هناك أحداً ما يدخن هنا منذ مدة ليست بطويلة، ثانياً وجدت شاحنة تعبئة زجاجات المياة الغازية مفتحة أبوابها وكرتونة يبدوا أنها للمياه الغازية ملقاة على الأرض بإهمال. دخلنا القاعة وإذا بنا إستطعنا سماع الأصوات مجدداً فأدركنا أن أبواب القاعة قوية لدرجة أن ضجيجهم هذا لا يخرج لأحد بالخارج، ولكن كانت أصواتهم أصوات همهات خائفة وضجرة على أمر ما.

كانت القاعة شاسعة وكبيرة جداً، منذ أن دخلتها وأنا أشعر أن قدماي قد خطت للتو لعالم آخر منعزل تماماً عن العالم الخارجي، عالم أنيق ومنظم ، جدرانها مزينة بنقوش محفورة يدوياً وتزينها لوحات فنية أنيقة وزهور، سقف القاعة عالٍ جداً تزينة ثريات كريستالية ضخمة تلمع كالنجوم، طاولات وكراسي أنيقه تتوسطها ورود بمختلف الأنواع وعليها أطباق التورتات المختلفة أشكالاً وألواناً وزجاجات مياه غازية أعتقد أنها من نفس نوع الزجاجات التي قد وجدها عند المدخل الخلفي. في الجهة اليمنى من القاعة يوجد به باب مغلق وفي الجهة اليسرى أيضا وأمامي مدخل الباب الرئيسي الذي يبعد عني أنا وفارس مسافات وأمتار، أضواء القاعة ليست ساطعة هي مزيج من الأضواء الخافتة الهادئة والدافئة والأرضية مصنوعة من الجرانيت اللامع الذي يعكس الأضواء، والقاعة تتوزع فيها أعمدة من نفس نوع الجرانيت في أماكن متفرقة طويلة وفخمة. القاعة مصممة بعناية لتخدم راحة ضيوفها لم أرى في حياتي إبداع وعناية فائقة مثل هذا. أنتبهت سريعاً للواقع وطردت كل هذه الأفكار فنحن الآن لم نعد موجودين في قاعة حفل، نحن الآن وسط مسرح الجريمة وليست قاعة حفل!. كانت هناك مجموعة من الناس واقفين متجمهرين نحو الباب الأيسر المغلق، يبدوا أنهم يريدون الدخول لكن ذاك رجل الأمن قد منعهم، أرى أناس آخرين يقفون عند طاولاتهم يلملمون أغراضهم، الجميع يهمس ويتكلم بضجر وعن غرابة ما حدث جميعهم بدت على وجوهم الإستنكار والغضب والخوف بدأً من ضيق حدقة أعينهم، أصواتهم العالية، أعينهم المتجولة في كل مكان بخوف، تعرق أيديهم وأخيراً تحديقهم المطول نحو تلك السيدة التي كانت جالسة بالزاوية على إحدى الكراسي تبكي و تندب وقد تجمع حولها مجموعة لا بأس بها من الناس لتهدئتها فمنهم من يربت على كتفها ومنهم من يناولها المناديل الورقية إلى أن أعلنت المناديل الورقية أخيراً أنها قد نفدت من كثرة الإستهلاك التي قد إستخدامها السيدة واحدة تلو الأخرى على دموعها بلا توقف.

كل هذه المعلومات إلتقطها فوراً عندما جولت بناظري منذ دخولي للقاعة، هناك شيء ما حدث لذلك هؤلاء الناس يريدون الدخول وإقتحام ما خلف الباب الأيسر.

_إقفوا مكانكم محدش يلمس حاجة ولا يحرك حاجة ومحدش يمشي من هنا!.

قلتها بصوت عالي لعلهم يسمعونني ثم تقدمت بضع خطوات واثقة نحوهم وفارس خلفي يتبعني لا يزال يراقبني تارة ويجول بناظرية على ما في القاعة تارة أخرى. قال لي رجل الأمن الذي كان يحاول منع الضيوف من دخول هذا الباب بنظرة إستحقار ربما وكأني ضيف غير مرحب به ...

_حضرتك مين إنت يا أستاذ؟

لم أبالي بنظراته المزرية لي فمعه حق فأنا لست من الشخصيات المهمة المدعوة للحفلة أو شخصية غير معروفة، كما أنني لم أرتدي حتى ملابس تليق بالحفلات الراقية وكنت أرتدي معطفي الأسود الذي أضع بداخله سلاحي وبطاقتي ومفاتيح والدواء وبنطال أسود وقميص أبيض على عكس صديقي الذي حضر ببدلة مهندمة وأنيقة تليق عليه، إبتسمت ابتسامة جانبية ومن ثم رفعت في وجوهم بطاقتي التعريفية قائلا لهم...

_المباحث!

إبتلع ريقه في توتر ثم أومأ لي عدة مرات ليفسح لي طريق مختصر للدخول مشيراً إليه بذراعة قائلا..

_إ إ إتفضل...

دخلت من الباب فإذا بي أجد نفسي وسط ممر فسيح فخطرت ببالي فكرة مستهزئة "أهذا ما كان يريد رؤيته هؤلاء الناس حقا أم ماذا؟ شجار على رؤية ممر خالي؟" ،لكن لم تدم أفكاري هذه طويلا لشعوري فجأه بدوران الأشياء من حولي وتشوش الرؤية وشعوري بعدم الإتزان مجدداً كما لو أنني سأسقط أرضاً بأي لحظة، ليتقدم فارس يسير بجواري ويبدوا أنه قد لاحظ حالتي متمتماً لي بهمس وضجر وهو يجز على ضروسة..

_مش قلت لك عنادك دا هيوديك بداهية.

وكزته بكوعي بخفة قائلاً.

_بسيطة بسيطة ان شاء الله.

_أنا مش عارف إذا إنت بتفكر بعقلك دا ولا لا، مريض وعندك سخنية وبتقول إنه دور برد خفيف، أنا حاسس إني شويه وهشد فشعري.

كان رجل الأمن يسير أمامنا ليرشدنا إلى أي طريق نسلك ثم توقف فجأة أمام باب ومن ثم أخرج سلسلة مفاتيح ليفتحه بإحدى المفاتيح التي إنتقاها للتو من بين المئآت المشابه له..

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سلسلة ظل أويس - قصة قضية ثلاثة دوائر - 1

المؤلف Salma Hamdy
2026/01/26 مستمرة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة