نعم لقد كان "جلال" ذا القامة الطويلة والعريضة بعينية الخصراوتين وشعرة الأسود المجعد وبشرته الحنطية.
_وإنت حاشر أنفك بشغلنا ليه؟
قلتها بنفاد صبر وأنا "أجّزْ على ضروسي" بغضب مكتوم وتساؤل بينما صديقي "فارس" كان يحاول مسك أعصابه بالتشديد على إحكام قبضة يديه بقوة كما لو أنه يحاول ألا يرفعها بوجهه فيبطش به ثم قال:
_كله بسببك إدبسنا بقضية ما يعلم بيها الإ ربنا مش عارفين نتقدم بيها خطوة واحده لو كنت عملت شغلك عدل لما كانت القضية إتحولت علينا من الاساس وكنا إرتحنا من وجع الدماغ دا.
_دا عشان إنتوا فشله أنا لو كنت حولتها لقسم "طه" كان زمانهم أنجزوا.
_طالما مش عاجبك شغلنا حولتها لينا ليه من الاساس؟
قلتها وانا ألقي الملفات التي كانت بيدي على المكتب بعصبية ونفاد صبر من هذه المناقشة التي لا نهاية لها..
رفع "فارس" ذقنه للاعلى وكأن هناك فكرة قد لمعت بعقله للتو ولاحظها قائلا ل "جلال" وهو ينظر إليه.
_إعترف إنك اصلا حولتها لينا عمدا مش لقسم "طه" من البداية عشان نساعدك ونغطي عليك وعلى فشلك.
"ههافففففففففف"
قالها "جلال" ضجراً من الحديث المطول والذي في الحقيقة يحاول بهذه الطريقة أن يخفي ويدفن فكرة أن "فارس" قد كشف أمره، بينما إبتسم الآخر إبتسامة جانبية ساخرة. ثم دخل "جلال" المكتب وأبتعد عن الباب وأغلقه ثم جلس على الكرسي ومدد ظهره عليه بأريحية كما لو أنه مِلكه. تنهد بعد أن تثائب وقال..
_أنا أصلا كنت بفكر أقفل ملف القضية دي.
_أنت بتقول أي أنت إتجننت؟
قالها "فارس" بإندفاع بينما أنا صمت لأسمع وأعرف ما في حوذته بالكامل، فأردف قائلاً بغضب.
_ما إنت شايف أهو ، قضية مش عارفين نحلها بقالنا خمس أشهر ، مجرم معتوه مش سايب أي أثر في أماكن إختطافة لضحاياه ومحدش أفادنا بأي معلومة ومفيش أدلة ومش عارفين حتى نستدلى بطرف بداية الخيط في أماكن الجرايم وحتى الإستجواب والشهود ما أفادونا في حاجة.
_اممم..
أكمل قائلا بعد أن هدأ : بس كدا يا سيدي هديني قلت لكم فوكيرتي.
_بس يا عم بطل هبل وإتكل على الله عشان ورانا شغل ومسحولين ومش ناقصينك ، شكرا لأفكارك الثمينة الى مش قادرين نعيش بدونها.
قالها "فارس" بغضب وهو يَجّزْ على ضروسه دافعاً "جلال" خارج المكتب ليخرجه منه فأوقفته قائلاً:
_إستنى بس.
إلتفت إلي الإثنان فأردفت سريعاً قائلاً:
_إنت قلت إنك سألت ع موضوع الأساور إلى بتتبع المواقع دي هم قالوا لك أي ؟
_قال لي بهدوء كان واضحاً في صوته تماماً : ما أنا قلت لك إنهم قالوا إن الاسوارة معرفتش تتبع مكان الواد شكله خلعها في حته.
هززت رأسي بشرود في فكرة ما كانت بعقلي لهذه لإجابة البائسة التي لم تفيدني بشيء وقلت له : اممم طيب ماشي..
***
غادر جلال أخيرا الغرفة ليعود الأكسجين بها ونصبح نستطيع القدرة على التنفس مجدداً فالجو بوجوده يُصبح مشحوناً بالغضب وصراعات داخلية في محاولة منع أنفسنا من البطش به رغم أنه أحياناً أشعر أنه لا فرق ولن يحدث شيء إن بطشت به بقبضتي أو لا فهو يستحق وفارس لا مانع لديه هو أيضاً .
تنهدت بإرهاق ومَررت كفي على جبهتي ورأسي لأطرد هذا النعاس ثم قلت لفارس الذي كان يقلب في أوراق الملفات بملل ليضيع الوقت قاطعاً ذاك السكون...
_فارس.
_نعم.
_بفكر إننا لازم نروح تاني لمسرح الجريمة.
_ليه ما إحنا كنا رحنا بالفعل ومفيش جديد.
_لا في جديد في حاجة عاوز اتأكد منها بس.
_متأكد ولا هنروح نضيع وقت ع الفاضي.
_الله اعلم.
***
بعد ذلك كنا قد وصلنا بسيارة "فارس" لمسرح الجريمة "ملاهي دريم بارك" لنفاد البنزين من سيارتي عندما حاولت أن أحركها. لقد أغلقت الملاهي من قبل الحكومة بالفعل منذ ذاك الحادث وطوقت جميعها من الخارج بالأشرطة لمنع دخول أحد مسرح الجريمة بل الجرائم، فهذا المجرم عجيب لا تحدث جرائم إختطافه إلا بها وبالتحديد كل يوم 12 من كل شهر. حتى أخذت الحكومة قرار إغلاق الملاهي وقد أصبح مدير ومؤسس مشروع هذه الملاهي متهم بتهمة عدم اهتمامه الجيد بما يحدث بالملاهي حيث يختطف الأطفال منها دائماً بل وقد وقعت عليه مؤخراً تهمة أنه هو قد يكون نفسه الخاطف. المسكين لقد خسر الكثير بسبب إغلاق هذه المنطقة خاصة أنه مؤخرا بدأ مشروعه هذا يتصاعد وينجح. بعد عدة لحظات منذ وصولنا كنا قد دخلنا بالفعل وعبرنا كل الفوضى التي عمت المكان وقد حاولنا عدم لمس أي شيء. لأقف أنا وفارس أمام ساحة واسعة وفارغة محدقين بها ببلاهة لا نعرف من أين نبدأ فالملاهي بأكملها هي مسرح للجريمة أين إذاً يمكنني أن أتأكد مما قد خطر في بالي يا ترى؟.
Salma Hamdy