عدنا إلى القسم وكان كلانا متعب ومُتخم بسبب كثرة أكلنا للطعام الدسم الذي قد تناولناه كما لو أننا لم نتناول طعاماً منذ قرن. دخلت المكتب وحدي بينما ذهب "فارس" يُحضر لنا كوبان من الشاي الأخضر كما كنت قد أمرته، لنبدأ العمل بجد بعدها. دلفت إلى المكتب ومن ثم أغلقت الباب من خلفي وتأكدت أنه لا أحد في الممر أو قريب من المكتب. ومن ثم تقدمت بخطوات ثابته وحذرة متجهاً نحو الأرفف ثم رفعت يدي ببطء لأنتقي إحدى الملفات بهدوء وتأني الذي قد وضعت كل تركيزي على تحقيق ما أريد دون ملاحظة أحد ليقطع هذا الهدوء فجأه دخول فارس الذي أفزعني كمن قبض عليه قبل إرتكابه للجريمة وليسقط قلبه في بنطالي من الفزعة . "بسم الله الرحمن الرحيم" قلتها في نفسي لأهدأ. دخل "فارس" وهو ينظر إلى بإرتياب محاولاً فهم ما كنت أفعله ولعلة أدرك بعدما لاحظت حدة نظراته التي صوبت نحوي..
ثم تقدم بضع خطوات بهدوء وثبات رزين ثم وضع الكوبين على المكتب. فزفرتُ نفساً عميقاً لأُهدأ من روعي و متخلياً عما كنت سأفعلة للتو واضعاً يداي في جيبَي معطفي ومتجهاً نحو كرسيي كما لو أنني لم أكن على وشك فعل فعلة قد تؤدي بي إلى عواقب خطيرة متعلقة بمستقبلي.
***
وبعد ساعة ونصف سادها الصمت الغريب والمقلق، كان كلانا جالسٌ على مكتبه لنبدأ منشغل بالعمل على هذه القضية اللعينة!. تأفف "فارس" بملل وضجر ثم وضع قلمة بعصبية على الطاولة لأنقطع أنا عن تركيزي في تفحص الملفات ناظراً إليه بحدة لأجدة يعتدل في جلسته غير مبالياً ثم نظر إلي فجأه بإستعداد وصمت تام، فشعرت أنه يريد مصارحتي بشيء ما لكن لا يستطيع حتى قال على مضض:
_مفيش جديد يعني..
أبعدت نظري عنه لأكمل العبث في الأوراق فأنا أعلم أنه ليس هذا ما يهدف إليه إنما لشيء آخر فأجبت علية لأجارية في الحديث حتى أعرف ما يخفي.
_أه فيه طلع إلى كنت شاكك بيه في محلة.
_أشْرِكنا إذاً لنرى ما الأمر؟.
إبتسمت إبتسامة صغيرة ثم أخذت نفساً كما لو أنني على وشك بدء قول الكثير و الكثير ومن ثم..
_مبدئياً كدا إكتشفت إن الأدلة إلى كان بيسبها المجرم في مسرح الجريمة بعد ما بيعبث فيها بإفتعال الثقوب فيها ما هي إلا توقيع هو بيسيبة لينا..
تشابكت أصابع يداه في حيرة ومن ثم أسند رأسة عليهما في تفكير ليرفع رأسة نحوي قائلا بإدراك : أيوه صحيح، كمل.
_لو حاولنا نسترجع بذاكرتنا الأدلة الى حصلنا عليها في القضايا السابقة كانت بردوا مثقوبة بنفس الشكل ودا أكيد مش صدفة ويدل على حاجة.
_الشنطة الجلد ، قطعة القماش الجينز ، ربطة الشعر ، وأخيراً ربطة الحذاء.
_أيوه.
قلتها وأنا أصْفق كيس الدليل الأخير أمامنا على الطاولة بعينان لمعتا ذكاءً ودهاءً كمن وجد قطتة الضائعة ثم أردفت قائلا..
_لو ركزت هنا شوية هتلاقي إن الثقوب الى هنا هي مثقوبة بأدآه دقيقة وحادة جداً.
_زي مشرط مثلا.
_الله ينور عليك.
_لا بجد؟
_ايوه ، الأدلة دي أكيد مثقوبة بأدآه حادة ودقيقة فمستحيل إزاي مثلا الخيوط ما وبَّرت أو خربت شكل الثقوب دي تحسها وزي ما كأن مفيش حاجة خربت الثقوب الدائرية دي أو حتى أنسجة الخيوط.
لم يجب فارس على شيء وإكتفى فقط بالتصفيق بإنبهار تام بما قلته للتو كطفل فخور ومنبهر بحكايات ومغامرات والده.
فأكملت قائلاً..
_ودا يقودنا لأمر مهم ألا وهو طرف بداية الخيط.
همس لي بحذر قائلا.
_إنت متأكد؟!، إزاي طيب؟
_وهو هوية القاتل!
_طبيب مثلا؟
_جبت الكورة في الجون!
_وبكدا إحنا وضعنا النقاط على الحروف وهنقدر ننتهي من ام القضية دي.
قاطعت أحلامة الهائمة هذه قائلاً بنبرة حازمة..
_أيوه أكيد لكن أولاً إحنا محتاجين نتأكد من موضوع الأدلة السابقة وبكدا هنكون إتأكدنا من المعلومة دي.
نظرت إليه فوجدته يكتب ما قلته للتو في دفتره الصغير ثم أكمل قائلا وهو منشغل بالكتابة..
_أكيد تمام هبقى أحاول أخد منهم الإذن بإننا نتطلع على أدلة القضايا السابقة مؤخراً... ثم صمت لحظة ونظر إلي ليدرك أمراً ما ثم أردف على سرعة قائلاً : ربنا يستر يا أُسْ..
_ولا يهمك لو حاجة حصلت انا إلى هتحملها ، كل واحد مسؤول عن أفعالة وقرارتة.
نظر إلي بنظرة غريبة لا أعرف إن كانت عينا إمتنان ام إشفاق ثم أومأ رأسه بتفهم وقال..
_تمام أشوفك بكرا وإستعد وإجهز كدا للحفلة الى هنروحها دي..
"صحيح لقد غاب الأمر عن ذهني تماما..."
أومأت له برأسي على مضض فكلانا لا يريد الذهاب بشدة فهذه الأماكن لم نذهب إليها قط طيلة حياتنا ليتغير الوضع فجأة فنضطر الذهاب إليها بسبب العمل مرغمين..
_سلام.
قالها ثم حمل حقيبتة السوداء إستعداداً للرحيل بعد أن لملم اوراقة ومقتنياتة ليغلق باب المكتب خلفة فيصبح المكتب خالي تماماً وهدئاً لا أحد به سواي أحدق بالفراغ...
بعد نصف ساعة..
قطعت شرودي واقفاً فجأه لأنفض تلك الأفكار من رأسي فليس هناك وقت لإضاعته لقد تأخر الوقت وإنتهى العمل لليوم إذن إنه وقت العودة للمنزل. هممت واقفاً لكن فجأه خانتني صحتي فإذا بي وبتلقائية رفعت كفي واضعاً إياها على المكتب لأستند عليه، فجأة أصبح المكان يدور هل هو زلزال أم دوار؟. سحقاً.. لقد انتهت فترة عمل المسكن...
_دور برد غبي..
قلتها في نفسي محاولا أن أتماسك.. ثقلٌ في عيني بدأ يغيم عليّ وألم في وجهي وها هي المطرقة قد عادت تطرق برأسي.. تجاهلت فكرة أن ما أشعر به هو مجهد بسيط. هذا الألم في رأسي كان شيئاً آخر لا أعرف السبب....
خطرت في عقلي فكرة كما لو أن مصباحاً قد أضاء لي فكرة في عقلي فبحثت في الدرج بسرعة عن حبوب الحساسية والمسكن لعلي أجد شيء يساعدني الآن، لكن لا فائدة لقد نسيت أن أحضرة من المنزل صباحاً ليس هناك حلاً آخر سوى أن أذهب للمنزل وأرتاح...
***
عدت إلى المنزل لم تعد قدماي قادرة على حمل جسدي أكثر من هذا. كانت أضواء المنزل مغلقة يبدوا أن كل واحداً هنا قد خلد إلى نومه منذ فترة . كان المنزل هادئا تماماً وهذا ما يحتاجة عقلي الآن ليستريح هو أيضاً. صعدت الدرج المؤدي إلى غرفتي بالأعلى متجاهلاً حتى أن أعلمهم بوجودي وبعودتي. أخذت حماماً دافئا لأزيل من على جسدي الإرهاق والتعب ثم لأسترخي تماما من كل هذه الضجة التي لا تهدأ أبداً في عقلي!.
بعد ذلك كنت قد إرتديت ملابس مريحة ودافئة. إستلقيت على سريري في حجرتي المظلمة التي لا يضيئها سوى ضوء القمر وعمود الإنارة القريب من نافذتي لأحدق في السقف شاردا في أفكاري وخيالي، منتظراً النوم الذي قد هرب من عيني منذ دخولي للمنزل أن يعود.
إن إكتشف أحدٌ ما فعلتة اليوم لربما سيهدد هذا حياتي في المستقبل وسيجر هذا الخطر عائلتي أيضاً معه، لا أعتقد أنه سيعلم أحد لا أعتقد أنه قد رأآنا أحداً من الأساس، ماذا كان يقصد فارس بحديثة معي في السيارة، الغبي الأحمق ماذا يريد حقاً، ثم ما موضوع الحفلة غداً أنا أكره الحفلات لا أستطيع حتى تخيل وجودي وسط مكان مزدحم مليء بالضجة والناس وأغاني واصوات عالية ستخرق طبلة أذني حتماً..
هززت رأسي نافياً لأطرد هذه الأفكار، التفكير وحده يجعلني أقشعر وأنقشع.
_إستحاله أحضر..
قلتها بتنهيدة في نفسي ثم أغمضت عيناي وحركت وضعيتي "مستلقيا على ظهري" لأنام على جانبي الأيمن قم أغط في نومٍ عميق...
Salma Hamdy