الفصل الثاني عشر

الفصل الثاني عشر

11 0

ما الذي قد وجدته المرحومة سهير عرفات في قائمة المدعوين جعلها تغير رائيها وتقرر فجأه الذهاب الى الحفلة؟ أو بالتحديد ما الإسم الذي قرأته من بين أسماء المدعوين؟، لماذا كان محمد متوتر جداً هذه الدرجة أثناء إستجوابي له؟ لماذا المجرم هدد زياد بالقتل واستخدمه كوسيلة تشتيت لينفذ هو جريمته؟.

كما لو أنه مجرم لا يقتل أو يخطف بعشوائية قط، بل بالعكس هو يخطط لكل خطوة يتخذها في الخفاء بدقة وقبل أن يفعل أي شيء!، لماذا يُصر المجرم دائماً على رسم ثلاث دوائر خلفه بعد مسرح الجريمة؟. لقد أثبت الطب الشرعي أن الدم الذي كان موجوداً على المشرط عندما فحصوه وحللوه علموا أنه متطابق كلياً مع الدم الذي كان في الجدار والنازف من رأس الضحية!، هل يُعقل أنه بعد أن قتل ضحيته أخذ مشرطه ثم غمسه بدمائها الذي قد نزفته من رأسها ليرسم به ثلاث دوائر على الحائط؟!. كما لو أنها فرشاته وهو الرسام يضع لمساته الأخيرة على لوحته بعد أن أنهاها؟. لماذا لم يقتلها بالمشرط منذ البداية وفضل أن يقتلها بتلك الطريقة؟ رغم أن المشرط كان معه وكان بإمكانه فعلها!.

***

هكذا كنت غارقاً التركيز في أفكاري وتساؤلاتي مع نفسي تلك التي لم أعرف لها إجابة إلى الآن!، إنها الآن الثالثة صباحاً ولم يعد هناك الكثير من العاملين في المركز سوى القليل فقط ومن ضمنهم انا وفارس بالطبع نظراً لأنه وقت نوبتنا وقد إنتهى وقت عمل الزملاء الآخرين. أما جلال فأنا قد أرحته من العمل معنا هذه الليلة بأن حجزت له طاولة في مطعم كشري يدعى "في قاع حله الكشري"، ليملأ به معدته الكبيره وفي الحقيقة لم أفعل ذلك سوى فقط لكي أرد له دَينه عندما دفع لنا ذات مرة وذلك حدث فقط لأن فارس قد نسيا إحضار المحفظة كما أمرته وقتها، ومنذ ذاك الوقت وفي كل مرة يرى جلال فيها وجهي يذكرني بأن أرد له الدَين وأعزمه على طبق كشري آخر، وهذا أشعرني أنه كما لو أنه عندما يراني يرى فقط لافته خياليه على وجهي مكتوب بها "في قاع حلة الكشري" (اسم المطعم)، ذاك المطعم الذي أكلنا به لمرة واحدة جميعاً نحن الثلاثة للأكل بعد إنتهائنا من حل إحدى القضايا كإحتفال صغير على نجاح أول عمل مشترك به نحن الثلاثة بالتحديد!، ولكي يريحنا من وجوده معنا فطريقة عملة فوضوية وهو ككتلة واحده وجودة بالعمل معنا يشتتنا فهو كائن مستفز وأظن أن هذا المخزون الكبير الذي يمتلكة من الإستفزاز يكفي كوكب كرة الأرضية بأكمله. -ولولا كل هذا لما كنت قد أخرجت مليم واحداً لطبق كشري ياكله هو-.

في تلك الساعة أيضا كان قد ذهب فارس يشتري جبنه وقهوة وخبز وذلك بعد أن قررنا أن فطورنا اليوم سيكون كوب قهوة وساندويتش جبنة رومي، نظراً لأن الجنيهات التي بجيبنا تسمح لنا فقط بذلك لا أكثر ولا أقل. بينما كنت أنا ظللت في المكتب أتابع إكمال العمل الذي قد تضاعف أثناء غياب فارس ذلك الوقت.

***

كنت أحدق في الفراغ سارحاً بأفكاري وخيالاتي بعيداً عن الحاضر، الى أن تبادرت في ذهني تلك التساؤلات التي جعلتني أغرق في حيرة أكثر ودوامة أفكار لا تنتهي، لأدرك بنهايتها أنها ليست قضية سهلة كما كنت أنظر لها في البداية!. وأنه يجب التركيز أكثر والإجتهاد أكثر عليها.

دخل فارس المكتب ومعه أكياس المشتريات قائلاً أول ما فتح الباب.

_السلام عليكم...

لأستفيق من أفكاري قائلاً بهدوء تام...

_وعليكم السلام ورحمه الله

ليقول لي كلمة بلهجة سعودية إكتسبها منذ صغره عندما سافر للسعودية مع عائلته وقتها لعمل والدته كطبيبة بإحدى المستشفيات هناك، ومنذ أن عاد بعدها وهو يردد لي كالببغاء الكلمة الوحيدة التي يفقهها الأ وهي...

"اش تسوي"

حركت كرسي آخر ليكون بجوار كرسيي ليجلس عليه وقائلاً له بذات الوقت: ولا حاجة.

من ثم بعد ذلك ذهبت نحو غلاية الماء فضغط على الزر برفق ليقوم الماء البدء في عملية غليانة وحينها كنت قد أحضرت كوبين قررت في نفسي حينها أني سأستخدمهما، أساساً لايوجد غيرهما لدينا. بدأ فارس يُحضر الطاولة حيث أفرغ من عليها مساحة جيدة أصبحت خالية من كومة الأوراق تكفي وضع الطعام عليها ولتجنب أيضاً تلويث الورق.

***

بعد أن أنهت الغلاية غلي الماء إكتفيت فقط بصب الماء في الكوبين وقد وضعت بهما ملعقتا قهوة، فنحن هنا لا نملك بوتجاز نشعل عليه ناراً فيصنع لنا قهوة جيدة وليست رديئة وعديمة الطعم كتلك.

وضعت الكوبين على الطاولة حيث كان فارس قد جلس على كرسييه فمددت له كوبه قائلاً له.

_خد عملت لك قهوة كشري.

كمش ملامح وجهه في إشمئزاز مصطنع قائلاً.

_يَعيييي لا مش بحبها.

_ما هو بقا كدا وخلاص أعملك اي يعني انت لو مكاني كنت هتعملها كدا.

_يا جدع بس دي بردوا ومع ذلك تبقى قهوة بلا طعم.

قالها بعد أن اخذ رشفته الأولى من كوبه بينما انا كنت قد بدأت في شرب كوبي في صمت دون تعليق عليها فأنا لم أجد قهوة أسوء منها على وجه كوكب الارض ولكن بحق لا طريقة أخرى لنا متوفرة الى الآن تساعدنا على الحصول على نتيجة الكافيين ونشاطة غير تلك!.

كان كلانا قد بدأ في صنع ساندويتش خاص لنفسه ليأكله فننهي جلسه الفطور تلك. وبينما كنت أضع شريحة الجبن في الخبزة قلت له محدقاً بها، بعد صمت دام لفترة قصيرة.

_تحليل الأدلة الجنائية الرقمية أثبتت ان الرسالة الى وصلت لزياد وصلت له من وسيط إلكتروني محترف عرف يخفي بيه هويته الحقيقية.

_معتقدش أصلاً يا أويس الدليل دا هيوصلنا لحاجة.

قالها فارس وهو يأكل الساندويتش بنهم.

قلت له بعد أن حدقت به للحظات مفكراً بما قال : وانا كمان...

ثم صمتت قليلاً وأكملت كلامي قائلاً: جلال قال انه لما إستجوب صحاب زياد الى في الشغل "أشرف" و "خالد" عرف من الإستجواب يعني انهم ملهمش علاقة بالرسالة دي وان الى أثبت كدا كمان هو ان الإتنين ملهمش اي علاقة بمواقع المراسلات دي وانه تم تفتيش أجهزتهم وطلع مفيش اي محادثات او مراسلات عملوها يوم مقتل الضحية وبالعكس دول لقوا اصلا ان السجلات كانت فاضية.

ثم صمتت بعدها متنهداً ليقول فارس بهدوء...

_طب وبعدين؟

قلت له بإندفاع وتذمر ويأس من حالتنا تلك.

_ولا حاجة إحنا بس كدا رجعنا لنقطة الصفر تاني.

_طب انت شاكك بحد؟.

قالها بجدية وقد أخفض صوته فقلت له وأنا أهز راسي نافياً.

_مش متأكد اوي..

***

بعدها ساد الصمت بيننا لعدة دقائق وخلالها قفزت فكرة جهنمية فجأة في عقلي. ورغم أني أدركت خطورتها الإ إني متأكد أنها ستقودنا حتماً لطرف خيط جديد بهذه القضية. نظرت لفارس فوجدته شارداً بالتحديق في الفراغ أمامه وقد ربع ذراعيه واسند عليها مؤخرة رأسه. فقلت له قاطعاً هذا الصمت بعد ان إبتسمت إبتسامة خبيثة في نفسي كما لو أنني ملك الأذكياء من شدة إنبهاري بهذه الفكرة المفاجئة التي أتت في ذهني دون سابق إنذار....

_بقولك اي؟

_رفع فارس رأسه ونظر الي ليرد قائلاً...

_ايه؟.

_إحنا مش متأكدين لسه من معلومة ان أجهزة اشرف وخالد كانت السجلات فعلا فاضية ولا في عمليات حذف اخيرة اتعملت واخفوها. وعاوزك تتأكد لي كمان من الطب الشرعي اذا هم كانو لقوا بصمات على المشرط الى لاقتوه دا ولا لا وعاوزك تجيب لي سجل عناوين كل الى استجوبناهم في القضية دي ا ا اصللل عاوز ارسم رسمة على الخريطة.

إحتدت نظرته إتجاهي وإنعقد حاجبيه، شعرت انه يشك بشيء ما، مما جعلني هذا ابتلع ريقي محاولاً إمساك قسمات وجهي من ان يظهر عليها شيء يكشف خطتي أو من ان أنفجر ضاحكاً فجأه. فأنا لا أجيد الكذب او حتى تأليف سيناريو خيالي، وإذا فعلتها أفشل وأُكشف وأحيانا أكون أنا من يكشف نفسه بنفسه بسبب عدم قدرتي على منع نفسي من الضحك. ولكن رد فارس فجأه بعد ان كان صامتاً لفترة كانت كفيلة بجعلي أتوتر وبدا لي أنه أصبح مقتنع وانه لم يشك بشيء...

_اوك تمام ماشي.

***

بعد ذلك غادر فارس بصمت لينفذ المُهمة بينما انا إبتسمت في نفسي إبتيامة إنتصار لسعادتي بنجاح تلك الفكرة، فهي كانت أول خطوة لتنفيذ الفكرة المجنونة التي أتت في عقلي.

نزلت بسرعة من على الدرج المؤدي للأسفل بعد ان سلكت مدخل الطوارئ دون أن يراني أحد والذي قد كان فارغاً تماماً وهادئاً، بعدها سرت في الممر ذي الإضاءة الخافتة بخطوات بطيئة وثابته فارداً ظهري بشكل مستقيم و واضعاً يداي في جيبي نظراً لأن الطابق السفلي "البدروم" تكن درجة حرارته مختلفة. كان المكان هادئاً كما توقعت فلا أحد يأتي هنا..

كنت أسير وأنا أسمع صدى صوت خطواتي تتردد في أذني، لو عرف أحد ما أفعله هنا سيؤدي هذا لإنهاء مستقبلي المهني وانا لا أزال في بداية رحلة حياتي تلك. كنت قد سألت نفسي مراراً "هل هذه المخاطرة تستحق؟" ولكن لأني كنت متأكد من أني إن فعلتها بالتأكيد سأحصل على أي دليل وفي حالتي هذه الآن انا بحاجة شديدة لهذا الدليل كي تكتمل نظريتي!.

أثناء سيري بالممر وتفكيري بهذه الأفكار، ظهر أمامي ليس ببيعد باب كبير طول وعرض من الفولاذ الصلب و مغلق. تقدمت بضع خطوات ثابته الى أن وقفت أمام الباب محدقاً به لعدة ثواني، نظمت أنفاسي ببطء ومن ثم لوحت أمام الجهاز الذي كان موجود مكان المقبض في الأبواب العادية عادة. أُضيء الجهاز وفُتح، ومن ثم أدخلت الأرقام العشرة التي طُلبت مني لأدخل الغرفة كما لو أنها المفتاح الذي فتح قفل الباب المغلق. بعد أن أنهيت فُتح الباب أمامي ببطء وبتلقائية. كانت أول خطوة أخطوها للغرفة بقدمي اليمنى. دخلت الغرفة لأكن بعدها بعدة ثواني واقفاً في منتصفها. ظللت أنظر لصناديق الفولاذ الكثيرة التي مُلئت الحائط أمامي متأملاً إياها بصمت. كلها صناديق قد أُحكم إغلاقها بأرقام سرية عديدة، وكل صندوق عليه شريط مخصص له مكتوب به اسم القضية ومعلومات جانبية عنها كالتاريخ ومتى أُغلقت وضد من وهكذا. كنت منشغلاً بتأمل تلك الصناديق لعلي وانا أقرأ بعيناي أصل لملف القضية التي أريد البحث عنها، وجدتها!.

قلتها في نفسي ثم هممت بعدها أن أتقدم نحو صندوق معين قد ركزت نظري نحوه وعَلت على وجههي إبتسامة جانبية إبتسامه إنتصار!،ولكن قُطع الضوء فجأة. تبددت سعادتي وظللت ثابتاً مكاني وقد تصلبت يدي في مكانها في الهواء حيث كانت متجه قاصدة الصندوق لتفتحه، إبتلعت ريقي وشعرت بإزدياد سرعة ضربات قلبي وبحبيبات العرق التي إنسلت من على جبيني ببطء. ومع ذلك لم أستدر للخلف وأرى من أقفل الضوء وحَب أن يعبث معي لألقنه درساً لن ينساه، فأنا قد عزمت في نفسي اني سأتحمل كل عواقب أفعالي ولا مجال للندم او للتراجع!.

***

_ممكن تقولي بالظبط اي نوع الجنان الى بتعمله دا دلوقتي؟

كانت تلك الكلمات فارس الذي قد علمت أنه هو من أتى عندما سمعت صوته، والتي لم تكن نبرته هادئة وعادية بالمناسبة بل على العكس شعرت فيها شيئاً من الصرامة والغضب كما لو أنه تنين غاضب ينفث نيران.

لم يترك لي وقت للرد حتى، وإذا فجأه سحبني من معصمي وهو يضغط عليه بقوة ومتجهاً نحو الباب لنخرج من الغرفة. ترك يدي وهو ينفث نيران الغضب من أنفه فأبعدت نظري عنه وصوبتها نحو زاوية فارغة بالممر، بينما قام هو بإخراج منديل ورقي من جيبه سريعاً ثم قام بتمريره عدة مرات على القفل الإكتروني الخاص بالباب الفولاذي العملاق، بعدها إكتفيت أنا في صمت بوضع يداي في جيبي ومراقبته. من ثم تقدم يسير أمامي وهو لا يزال في صمته، لم يتحدث لقول اي شيء وهذا جعلني أعلم انه غاضب جداً ومنزعج فهو عندما يغضب يصمت. عدنا للمكتب ولم يتحدث فارس بعد، مما جعلني هذا أسأل نفسي في حيرة هل هذا هدوء ما قبل العاصفة أم انه يحاول تجاهل ما حدث؟. جلس فارس بعنف على كرسية الأسود من جلد كما لو أنه يفرغ غضبه هذا عندما يعامل الأشياء من حوله بغشامة. لم أهتم بهذا وهززت كتفاي بلا مبالاه وعدم إهتمام فكل واحد لديه طريقته الخاصة التي يعبر بها عن مشاعره وانا لن أعترض لا دخل لي!.

في صمت وضع فارس رجل على الاخرى وعقد اصبعه ببعضها البعض بعد أن أسند مرفقيه على الطاولة ثم بدأ يراقبني كما لو أنه يفكر بأي حكم سيطلقه علي لمعاقبتي. تجاهلت نظراته تلك ثم إتجهت نحو طاولتي حيث كنت قد وضعت مفاتيحي ودفتري وقلمي لألملمهم واضعهم في جيوبي في صمت. بينما ظل هو مكتفٍ بالمراقبة حيث لاحظت نظراته التي تسير مع كل حركة أقوم بها هنا وهنا في صمت.

عقد حاجبية في ضيق ويأس ثم قال بنبرة صارمة وجدية...

_رحت البدروم ليه.؟

توقفت عما كنت أعمل ثم جلست على كرسيي أمامه قائلاً بهدوء...

_وانت مرحتش ليه تعمل الى طلبته منك؟وجيت ليه؟.

لم يجب علي واذا فجأة صفع الطاولة بعنف منفعلاً وقائلاً..

_على فكرة أنا ملازم زي زيك من نفس الرتبة، الكلام دا لما رتبتك تبقى أعلى مني بعدها هفكر اذا هنفذ كل طلباتك ولا لا، مبحبش الى يتهرب من الرد ويدخل في حوارات تانية انت بجد مخك كان فين وقت ما نزلت تفتح ملفات قديمة؟، انت ببساطة كدا نزلت رحت بدون اي حاجة ورايح تفتح الصناديق وعادي معاك؟.

_فارس انت مش ملاحظ انك بدأت تتعصب؟

قلتها بهدوء تام غير مبالي بما قال..ليرد قائلاً بإستنكار غاضب.

_بدأت؟، وهو مين السبب يعني؟

حركت ناظري في جهة أخرى ثم قلت له..

_انا هستحمل اي حاجة هتحصل، خلاص؟.

صفع الطاولة التي قد أشفقت عليها من كثرة هذا العنف والعصبية الذي تلاقيه بلا مبرر مقنع قائلاً...

_لا! مش كدا مفيش حاجة اسمهها كدا!. وانت تدخلنا ليه في مشاكل من الاول.؟

_طيب خلاص وطي صوتك.

خفض صوته ثم أكمل.

_انا ممكن اسامحك واتعامل معاك كويس طول الوقت لكن تيجي تجرب تخترق النظام والقواعد او تفكر تتصرف تصرف طايش ومتهور بدون تفكير لوحدك كدا هتلاقيني قَلبت واتحولت كمان.

"لتنين غاضب مجنح" (قلتها في نفسي كما لو أنني كنت أكمل كلامه)، من ثم قلت له:

_معتقدش.

بعدها وقفت من جلستي على الكرسي مستعداً للمغادرة ومتجهاً نحو باب لأغادر المكتب ولكن استوقفني كلام فارس قائلاً..

_رايح فين؟.

_هرّوح، خلينا نبقى نتقابل تاني على الظهر.

_ماشي.

قالها كلمة واحدة وهو يجز على ضروسه ثم صمت.

وقبل أن أمسك المقبض لأحركه لأفتح الباب وأغادر أكمل فارس كلامه قائلاً...

_اويس المواضيع دي مفهاش هزار لو سمحت لو عملتها تاني الله أعلم مين الى هيمسكك وقتها. ثم صمت بعدها وأكمل قائلاً بالمناسبة أنا معايا سجل العنواين والحاجة الى انت طلبتها..

_تمام.

قلتها بهدوء مختتماً تلك المحادثة ومن ثم خرجت من الغرفة صافقاً الباب خلفي.

***

أخذت نفساً عميقاً لأزفره ببطء بينما بعدها كنت قد هندمت ثيابي، سرت ببطء في طريق العودة للمنزل، أخرجت يدي اليمنى من جيبي لأرى كم الساعة وقد كانت تشير إلى الرابعة والنصف، انه وقت الفجر وقد بدأ الجو يبرد قليلاً السماء تتفتح لتستقبل شمس يوم جديد. رائحة هذا الوقت تكون منعشة بشكل غير طبيعي فأخذت نفساً عميقاً من هذا الجو الطلق لأنظف رئتي به من الدخان الذي ملئها. ليتعالى فجأه صوت الشيخ يردد الأذآن ...

الله اكبر الله اكبر

اشهد ان لا اله الا الله .........

نعم فقد كان ذلك أذآن الفجر الذي قد ردده المؤذن بعد أن صعد على المنبر. ولأجد نفسي وقتها أني قد أصبحت واقفاً أمام باب المسجد الذي يوجد بجوار منزلي، تنهدت وشعرت براحة بعد ان أدركت انه وقت الصلاه، ولشعوري الذي نبأني به حدسي اني عندما أصلي الآن سأحصل على الراحة والسكينة التي تغمر قلبي بدلاً من هذا الضيق الخانق، كما لو أن دخول وقت الأذان فذ ذاك الوقت أتى ليذكرني وليعطيني الحل الأنسب الذي يمكنني فعله في وقت ضيقتي. فمهما حدث وأياً كانت الصعاب والضيق الذي تمر به لن تستطيع تخطيه الإ بمعونة الله تعالى لك، وإن أردته أن يكون معك دائماً وقت شدائدك فليكن الله هو أول من تلجأ له وقتها.

***

دخلت بعدها المسجد بطمأنينة لأدآء الفريضة، وما ظننته بالفعل تحقق فقد شعرت بعدها براحة عامرة وسكينة غريبة تملؤني، كما لو أن عقلي قد أصبح في حالة صفاء تام وروقان. وهذا ما احبه، شعرت بعدها بنشوة سعادة جعلني أبتسم ولكني حاولت تمالك نفسي فأنا في الشارع وان رأني أحد من المصلين الخارجين من المسجد سيظن وقتها اني قد جننت وأصبحت أبتسم لنفسي.

***

بعد ذلك كنت قد دخلت المنزل بعد أن أدرت مفتاحي به ليستقبلني بهدوءة المعتاد في ذلك الوقت. ففي هذا الوقت تعود عائلتي للنوم مجدداً بعد تأديتهم لصلاة الفجر، لمحت وجود أقلام وأوراق على السفرة وكانت أختي "سلمى" مستلقية على الأريكة نائمة عليها، فإستنتجت أنها قد عادت لعادتها القديمة ترسم حتى الفجر وتنام بعد أدآئها للصلاة بعد أن يتغلب عليها إرهاق وتعب السهر فتظل نائمة بعدها كالفسيخة حتى وقت الظهيرة. نظرت نحو جزامة الأحذية فلم أرى أحذية اختي هند وطفلتها المشاكسة رقية فعلمت أنهما قد رحلا من هنا.

إبتسمت إبتسامة صغيرة معلناً أني قد تركت كل همومي خلفي وعائداً للحياة العادية التي يعيشها أي أحد من جديد براحة عجيبة في قلبي. بالنسبة لي الحياة العادية الروتينية المملة أحياناً لبعض الناس أفضل بالتأكيد من حياة الضابط والمحقق المغامر المتهور. فاليوم العادي نعمة، وانا لم أدرك هذه النعمة إلا بعد ان دخلت العمل بمجالي، فأنا كنت بالسابق ضمن النلس الذيين يجدون أن حياتهم العادية مملة، أما الآن فأنا احب تلك الحياة بمللها وبكل شيء فيها. هي التي تجعلني أشعر أني إنسان عادي له مشاعر، على عكس حياتي في العمل فمن كثرة عملي بالقضايا تبلدت مشاعري واغلق عقلي نظام التعاطف من عندي.

إقتربت بضع خطوات نحو الطاولة و وضعت يدي عليها متحسساً إياها، كانت قد وضعت عليها سلمى أقلام "نيون" الخاصة بالتلوين وعليها أيضاً أوراقها المستطيلة البيضاء الخشنة والسميكة .

لا تستعجبوا من أين أعرف كل هذه المعلومات عن الرسم رغم أني لست رساماً فمن ستكون أخته فنانه سيكون هو أيضاً خبير بالفن والرسم مثلها، سيعلم بأنواع الماركات العالمية الخاصة بالتلوين وسيكتسب مهارة التفريق بين مختلف انواع الدرجات الكثيرة المتعلقة بلون واحد فقط، وسيعلم ما هي الأدوات الرديئة والجيدة، وسيعلم كيف ينسق الألوان وسيصبح له حث فني.

دائماً كانت سلمى تتحدث معي عن هذا وذاك وعن كل شيء هي تعرفه بالفن والرسم.

مددت يدي على الطاولة لأنظر في الأوراق المعثرة التي كانت عليها ولأنظر في آخر رسومات قد رسمتها. لتعود بي الذاكرة الى الأيام التي كنا نجتمع بها جميعاً انا وأخوتاي و والداي وقت صغرنا. وتحديداً في ليالي فصول الشتاء الباردة، فكنا نتجمع جميعاً بجوار المدفأة الكهربائية نشاهد كرتوناً او فيلماً وثائقياً إجبارياً يكون من إختيار والدنا ويضعه لنا. "علت على وجهي إبتسامة صغيرة لتذكري التالي" فقد كانت سلمى عندما تجد ان مشاهدة التلفاز مملة ترسم وتعرض لنا ما رسمته. فيصفق لها والدنا تشجيعاً لها على هذه الموهبة ويترك مشاهدة الفيلم و يبدأ بعدها الطلب منها أن ترسمه مثلاً وهو على فَرس يحمل سيفاً كبيراً وأمور خيالية كهذه.

إبتسمت في نفسي إبتسامة حزينة على تذكري هذه الذكريات عندما أدركت أنها حقاً قد مرت في لمح البصر وأصبح الآن كلاً منا منشغل بشيء ما، وبما قد نسوا الماضي الجميل أيضاً.

الى أن لمحت توقيعاتها في نهاية طرف كل ورقة.

كل ورقة نهايتها كانت تحمل نفس التوقيع نفس الشكل.!

"خط متعرج مرسوم يمثل دقات القلب". تصلبت مكاني في صدمة لأدرك أمراً هام ومتذكراً ذلك اليوم بكامل تفاصيلة كما لو أنني أرآه يُمثل ويُعاد أمامي مجدداً.

***

كانت جالسه بجواري على الأريكة كالعادة تطلعني وتشاركني آخر رسوماتها. في يوم عادي كانت ليلته هادئة وعادية ومريحة في نفس الوقت حيث لم يكن وقتها لدي ضغوطات بالعمل. وكنا نحتسي الكاكاوا الساخن جميعاً انا واختي و والدتي، كان أبي ليلتها قد خلد لنومه مبكرا واختنا هند حينها كانت قد تزوجت ولم تعد موجودة معنا تشاركنا الوقت الذي كنا نجتمع به منذ صغرنا كما إعتدنا.

أثناء تلك الجلسة تذكر كل منا ابأيام التي كنا نجتمع فيها صغاراً بنفس ذاك المشهد المتكرر. ولكن حينها لم نكن مجتمعين معاً كلياً وكنا في حالة صمت تام كما لو اننا كنا قد إتفقنا وقتها تذكر ذكريات المضي تلك لنشعر بعدها بالفقدان او بالحزن او كما لو أننا كنا حينها في حالة نوستالجيا عميقةنراقبها في صمت شاربين أكوابنا.

خرجت من حالة النوستالجيا تلك والتي قد تذكرت بها العديد من الذكريات في آن واحد وقت أن لفت إنتباهي أمر هام...

ألا وهو تكرار ذلك التوقيع في طرف كل ورقة رسمتها. لتعود بي ذاكرتي الى الوراء وأبدأ أتذكر بعدها ما حدث تلك الليلة.

سألتها حينها بريبة مصطنعة مدعياً الإهتمام قائلاً.

_اي الرمز الى رسماه جمب توقيعك دا؟.

إبتسمت إبتسامة حانية ثم تحسست بإبهامها طرف ورقتها لتجيب...

_دا اخر حاجة شفتها على شاشة قياس نبضات قلب جدو.

قالتها بهدوء بريء كما لو أنها لا تهتم بحجم الألم الناتج عن هذا.

هي لا تزال تتذكر هذا الحادث لدرجة أنها حفظت ذلك اليوم وطبعته في مخيلتها فأصبحت تتخذ ذاك الخط المتعرج قليلاً والذي إنتهى وقتها بإشارة خط مستقيم ليعلن لنا أن جدنا الحبيب قد مات في آخر غيبوبة له كرمز وضعته بجوار توقيعاتها....

***

إستفقت من هذه الذكريات وهززت رأسي نافياً لأطردها. فتركزت وقتها نظراتي نحو تلك النائمة بعمق كما لو أنها لم تنم منذ زمن، لاحظت الدم الذي قد جف على شفتيها المتشققتين إثر تنفسها من فمها كثيراً والذي قد إستنتجت كذلك من فمها المفتوح. كنت فقط أحدق بصمت دون أي سبب شارداً في ذهني أفكار كثيرة، ولكن إحتدت حدقة عيني فجأة وإتسعت عيناي عندما شعرت أن هذه ليست مجرد أمور عادية. أنفاسها غير منتظمة و جبينها تتصبب عرقاً. من خلال هذه الملاحظات شككت ان الحمى قد عادت لها، بتلقائية وضعت كفي على جبينها لأجس حرارتها فشعرت كما لو أن كفي قد قربتها للتو من نيران ملتهبة. لاحظت من جوارها منشفه صغيرة ملقاه بإهمال، فخمنت أنها ربما قد تكون قد وضعتها من قبل على جبينها لتهدأ الحرارة. أخذت المنشفة الصغيرة ودخلت المطبخ في صمت ثم بللتها عدة مرات وآخر مرة قمت بتجفيفها. ومن ثم عدت مجدداً عند الأريكة حيث كانت نائمة وضعت المنشفه برفق على جبينها. سألت في نفسي "هل والدتي تعلم ان الحمى قد عادت لها؟ ام لا تعلم ؟ وهل يجب ان أؤقظها وأخبرها ام لا؟، وماذا أفعل الآن؟".

لا أعرف فأنا لم يسبق لي أن اواجه موقف طارئ كهذا.

لذا..

لم أفعل شيء آخر بعدها..

أدرت ظهري ومن ثم إتجهت نحو الدرج المؤدي لغرفتي بالأعلى وصعدته. بعد عدة لحظات عاد الهدوء والسلام إلي، شعور لا أعرف هل هو سعادة ام حزن أم ماذا ولكن ربما هو الفراغ. وأيضاً في نفسي الوقت هو ليس شعور بالضيق او أي شيء من المشاعر السلبية الأخرى.

***

ألقيت نفسي على السرير واضعاً رأسي على وسادتي الناعمة التي قد ملأها العطر، حركت رأسي فيها مستمتعاً بسعادة وإبتسامه رُسمت على وجهي!.

ولكن كالعادة فلحظات الراحة لا تدوم كثيراً فإذا بي شعرت فجأة بنغزات قوية في صدري، جعلتني أتلوى في مكاني محاولاً مقاومتها، لكنها كالعادة لا تقاوم. وشعور بصداع خفيف بدأت أشعر به في راسي بمجرد أن شمت أنفي رائحة العطر منذ لحظات. بعد أن تغلبني شعور باليأس قمت جالساً على السرير وإذا فجأة شعرت بأني عدت لطبيعتي ولم أعد أشعر بأي شيء كما لو أنه كان كالضبابولكنه إنقشع وإختفى فجأه عني تماماً. تنهدت،. ... أرجعت رأسي الى الوراء فإتكَأَت على الحائط، وقد أرختُ كل دفاعاتي، محدقاً أمامي بالفراغ بصمت. فهذه هي الطريقة التي تجعلني أسترح والتي تشعرني بالهدوء، وقتها تبدأ أعصابي المشدودة والغاضبة طيلة الوقت بالهدوء هي الأخرى.

***

لا اعلم كم مضى من الوقت وأنا هكذا ولكني أعلم اني قد أخذت وقتي الكافي وزيادة من السرحان في الفراغ والتفكير وأعتقد الآن ان عقلي قد بدأ يعود لنشاطة الآن وقد تم إعادة شحنة بالكامل.

لا اأتذكر الإسم العلمي لهذه التجربة ولكني أفضل أن أسميها "التركيز على وضعية الطيران".

فحينما ادخل في تلك الحالة أشعر كما لو أنها تكون المفتاح لعقلي فينهمر بالأفكار، حيث يبدأ في ذلك الوقت بأخذي في جولة أمر بها على العديد من الافكار الكثيرة خلال ذلك الوقت، قد لا تكون الأفكار مترابطة بعضها ببعض، وقد تبدوا أيضاً عشوائية لمن يطلع عليها، ولكنها حقاً تكون أعظم أفكار تأتيني، حيث اني أستطيع أحيانا في بعض القضايا الإعتماد عليها في ربط الأدلة والتفاصيل الذي لا يستطيع لعقلي الواعي أن يدركها أثناء إنشغالي وتشتتي في اليوم، على عكس هذا النوع من التركيز فهو يسمح لعقلنا اللاواعي وقتها ان يخرج لنا كل أفكاره وما قد عمل عليه أثناء إنشغالنا في يومنا. أتذكر أن لها اسم علمي حدثتني عنها أختي سلمى ذات مرة فهي كثيراً ما تحب قراءة كتب علم النفس، ولكن للأسف خذلتني ذاكرتي ولم تستطع تذكرها، فذاكرتي ذاكرة سمكة عجوز، لا أتذكر هذه الأمور كثيراً.

***

ما علاقة توقيعات سلمى بتوقيعات ذاك المجرم؟، أشعر أن الأمر مرتبط ببعض بطريقة ما او بأخرى!، لكني الآن لا أستطيع تحديد الرابط بينهما بالظبط، "اهههه صداع".

قلتها واضعاً يدي على عيني اليسرى فأنا دائماً عندما أشعر بالصداع أجد عيني اليسرى تؤلمني ولا زلت لا أعرف ما العلاقة الى الآن.

***

على كلٍ لم أظل جالساً كثيراً مكاني، لقد أدركت شيء هام حينها فأخذت سريعاً جوالي من على الخزانة الصغيرة المجاورة للسرير ثم إرتديت بعدها حذائي الأسود الذي قد وضعته على الارض بإهمال منذ فترة قصيرة. بعدها نزلت من على الدرج على عجل ثم مررت بالصالة ومن ثم خرجت من المنزل أخيراً.

كنت أسير في الشارع دون أن أنظر في الإتجاه الذي سأسلكة فأنا بالفعل أحفظه عن ظهر قلب ثم أن منزله قريب مني ولن يأخذ مني السير سوى فقط عدة دقائق.

كنت ممسكاً بهاتفي حدقت به للحظات، ضربت عدة أرقام متتالية لأطلب رقم شخص ما لإتصال هاتفي، كانت عيناي في ذات الوقت تَشُرّ حماس ،كما لو أنني أترقب أنتظر شيء هام و حاسم سيحدث بعد قليل، فأنا على وشك أن أحقق نظريتي!. قصدت رقم "والد جلال". الرئيس السابق لقسم الشرطة لهذه المنطقة والذي قد تقاعد منذ فترة، إتصلت عليه..

فأجاب رن الهاتف ثم قال بصوت هادئ تماماً.

_اويس! ازيك؟ عامل اي؟.

لأجيبه بنفس تلك النبرة الهادئة

_الحمدلله يا حضرة الرئيس انا بخير.

_دايما يا رب. اي اخبار الشغل معاكم دلوقتي.؟

_والله يعنييي الحمدلله.

_اممم بالتوفيق شدوا حيلكم واجتهدو كدا عاوز ان شاء الله الاخبار الجاية اسمع انكم اترقيتوا كدا.

_يا رب دعواتك بس.

قلتها ثم صمت لا أعرف كيف سأدخل في صلب الموضوع، كنت أركل الحجارة الصغيرة التي تعترض طريقي أثناء سيري إلى أن أكمل قائلاً...

_ربنا يعينكم يا رب. ها؟ اتفضل يا اويس قول انت عاوز اي؟ اساعدك ب اي يا ابني؟.

إستفقت من شرودي قائلاً.

_اي دا انت عرفت؟

ضحك ثم قال...

_هههه لا يا اويس انا محدش يقدر يضحك عليا بالذات انت انت اخر واحد متوقعش حتى انه يجي يقدر يضحك عليا.

إلتصقت ضروسي بعضها ببعض قائلا بغضب مصطنع.

_بس دي على فكرة صفة كويسة ان الواحد ما بيعرفش يضحك على حد.

رد مجيبا بنبرة شعرت فيها شيئاً من الحزن والحسرة كما لو انه تذكر شيئاً قديماً....

_هه دا كان زمان أما دلوقتي الزمن خلاص إتغير يا ابني وبقى الطيب والمحترم بيدعس عليه لو فتح بقه عشان يطلب حقه، لازم يتجرأ في طلب حقه لأن الناس دلوقتي بقاش قلبها فيه رحمة ولا ميعرفوش حتى الطيبة بقت قلوب سودة متحجرة يهون عليهم إنهم يشوفوا الباطل وعادي يسكتوا يتكتموا على الحق ويضحكوا.

إنخفض جفناي ببطء وشعرت بالدمعة في عيني التي قد شوشت رؤيتي لعدة لحظات، ءَ هل يقول ذاك حقاً كنصيحة عابرة أم ان هذه الحكمة أدركها بعد أن مر بتجربة قاسية؟، لا أعلم ولكني لم أدع هذا الحديث يطول كثيراً فنتعمق بأمور لا داعي لها ومن ثم قطعته قائلاً بنبرة عادت بها الجدية وأنه حان وقت العمل.

_معاك حق، انا جاي عاوز أسألك على قضية انت قفلتها سنه ١٩٨١، فاكرها؟ قضية حضرتك إشتغلت بيها فترة بعدها لما إترفعت للمحكمة والنيابة إتقفلت ضد مجهول. انا عاوز أعرف تفاصيل أكتر عن القضية دي لأني حاسس ان فيها رابط بالقضية الي بعمل عليها دلوقتي، انا كنت سمعت عنها قبل كدا بس مكنتش مهتم اوي بيها لكن القضية الى بعمل عليها دلوقتي ذكرتني ببعض التفاصيل الي فيها، فحضرتك فاهم قصدي؟.

رد مجيباً بهدوء..

_ايوه ايوه فاهمك انت قاصدك قضية إختفاء "يوسف عبدالرحيم".

_ايوه.

قلتها بنبرة حماس كمن أمسك أخيراً بفريسته الضالة ومن ثم رددت في نفسي اسم الطفل "يوسف عبدالرحيم".

_اسمع يا ابني.

قالها الرئيس السابق لأنتبه له ويتحضر جميع تركيزي وقتها منصتاً لكل حرف سيقوله قائلاً.

_حاضر.

_القضية دي حصلت سنه ١٩٨١ يوم ١٢ شهر ١، يوميها كانت اسرة يوسف وسيف والدتهم وجدهم وجدتهم كدا يعني راحوا على جنينة كدا الى هي دلوقتي بقت دريم بارك، كانت الأم اسمها "سميحة"، ودي معلومة إنت مش هتحتاجها، بتجهز فرشة الأرضية الى هيقعدوا عليها في الجنينة وقالت لعيالها التوأمين يوسف وسيف ولاد عبدالرحيم إنهم يبدأوا ينطلقوا في الحديقة ويلعبوا. والعيال كعادتهم نفذوا كلام والدتهم فهو دا كان هدفهم أصلاً من إنهم جم للحديقة، العيال يلعبوا شوية ويغيروا جو بدل ما هم كدا عايشين لوحدهم، والدهم عبد الرحيم راجل سعودي عنده شغل في السعودية والست مراته مصرية حبت تزور بلدها فأخدت العيال معاها ومنها يشوفوا جدهم وجدتهم. لكن المشكلة مش هنا العيال فجأه فص ملح وداب وأمهم ما أدركتش غيابهم عن عنيها، كانت مشغولة قاعدة مع ابوها وامها وكانوا بيتكلموا في نقاش جدال عائلي كدا. المهم قعدوا بعدها يدوروا على العيلين لما لاحظوا انهم مش موجودين ملاقهومش في الحديقة خالص فقرروا وقتها يجيبوا البوليس عشان يساعدوهم ولكن بردوا معرفوش وبقت قضية إختفاء.

الطفلين دول كان عندهم تمن سنين وقتها، بدأت الشرطة تتوسع أكتر في المنطقة والى حواليها عشان تبحث عن العيلين دول لكنهم كانوا مختفين ومكانوش عارفين مكانهم، فمفيش اي دليل عرف يوصلهم ليهم أبداً. إلا وفجأه عارف ايه الى حصل بعدها بيوم ونص من إكتشاف غيابهم؟ فجأه كدا بدون سابق إنذار ظهر سيف وكان واضح عليه انه تعبان فبقاله بقى يوم ونص وأكتر قاعد بدون حاجة تدخل معدته!. الواد وقتها رجع ومعهوش اخوه الى كان راح معاه في البداية مع بعض عشان يلعبوا!. فضلنا وقتها نسأله فين اخوك وكدا قال انه ما يعرفش؟. قال انه اخوه مشي وسابه. وقال انه وقتها حاول انه يروح وراه لكن معرفش. وانه تاه فعشان كدا رجع متأخر. بعدها بعد عناء بحث طويل دام سنه كاملة للاسف دون اي حصول على اي دليل كمان يدلنا على مكان يوسف في النهاية أُغلقت القضية بإنها إختطاف والمجرم مجهول لعدم وجود أدلة كافية.

ثم صمت بعد أن أنهى قصته فقلت له بهدوء وإمتنان.

_شكرا لمساعدتك بجد يا حضرة الرئيس انا مش عارف اردهالك ازاي ممتن جدا لمساعدة حضرتك ليا.

رد بهدوء قائلا بلكنه فرنسية بها حرف الآر ينطق غين.."pardon لو احتجت اي حاجة قلي ولو هقدر اساعدك وقتها هساعدك، ربنا يوفقككم يا ابني، ثم صمت وتثائب بعدها قائلاً،... يلا سلام متنساش تسلم لي على فارس وتبعت له تحياتي".

_حاضر سلام مع السلامة..

***

أغلقت المكالمة التي دامت نصف ساعة. نظرت نحو العمارة التي كانت متوسطة الحال لا تختلف عن عمارات هذا الشارع والتي كنت قد توقفت أمامها منذ مدة قصيرة، نظرت الى الأعلى محدقاً ببلكونه الدور السادس حيث توجد الشقة التي يسكن بها فارس ومن ثم رفعت هاتفي نحو أذني ثم قلت...

_السلام عليكم...

ليجيب علي صوت إمرأه كبيرة علمت صاحبته للتو فهذا صوت خالتي.!

_ايوه يا اويس ازيك يا ابني عامل اي؟، فارس دخل قبل شويه اوضته وقال هينام عاوز اصحيه؟

"هاتي يا ماما لا انا صاحي"

سمعته كان صوت فارس بعيد عن ميكرفون الهاتف وخمنت انه ليس بجوارها فقلت لها..

_ايوه الحمدلله بخير يا خالتو لو صاحي ممكن ينزل عاوز اقول له حاجة.

_اي دا يا ابني انت تحت؟

سمعت صوتها من فوق فنظرت للأعلى فوجدتها تميل برأسها الذي قد وضعت عليه خمارها من الشرفة فرفعت لها يدي ولوحت لها تحية سلام وقد أغلقت المكالمة بأصابع يدي الأخرى فقالت لي.

_اطلع بسرعة هحضر لكم فطار!.

لم أُرد أن يطول منظرنا هكذا في الشارع فأومأت لها بإيجاب برأسي ومن ثم صعدت لألبي طلبها مرغماً في نفسي. فتحت باب العمارة الأسود الحديدي الذي قد صدأ قليلاً فهذه بناية قديمة قليلاً، فأصدر صريراً عالياً مزعجاً، ظهرت بعدها ساحة صغيرة الحجم أمامي تنتهي بسلالم تؤدي الى الطوابق التي في الأعلى، نظرت إتجاه زجاج المصعد فكانت إضائته مغلقة فعلمت أنه لا يزال معطل. تأففت في نفسي بتذمر فصعود الدرج سيرهقني ولكن تذكري أن خالتي تنتظر ان أصعد لها جعلني هذا أتحامل على نفسي بأن أصعد السلالم لا أريد ان أحزنها بعدم إجابة طلبها ودعوتها لي على الفطار.

***

أخيراً صعدت لآخر درجة. وقفت بجوار باب منزلهم لاهثاً و مسنداً مقدمة رأسي على ذراعي التي قد وضعتها بعرض الحائط لأنظم أنفاسي وضربات قلبي التي تركل صدري بعنف دون توقف وسابباً في نفس الوقت سكان العمارة في نفسي وذلك لتأخيرهم دفع مصاريف صيانة المصعد، ولأنهم هم السبب في جعلي أصل لتلك الحالة ولو أنهم كانوا قد دفعوا ما عليهم من مصاريف لما أضطررت لكل هذا. ضغط بسبابتي زر رن الجرز ففتح فارس الباب.

كان يرتدي تيشيرت قطني أبيض خفيف وسروال رمادي بيتي كذلك، وكان ممسك بكوب قهوة بيده اليسرى أنهى نصفها. ثم بذراعة اليمنى أشار لي بالدخول وهو مستغرب من حالتي تلك، ينظر لي في صمت وإستغراب. دخلت ثم أغلق الباب فرفع صوته قائلاً..

_يلا يا ماما اويس جه.

_حاضر.

قالتها وهي في المطبخ وكنت وقتها أستطيع سمع صوت تقليب شيء ما في حله. إتجه فارس نحو الكولدير فملأ كوب ماء بينما انا كنت قد دفنت رأسي بين ذراعي على الطاولة فضربات قلبي متسارعة ونغزات مؤلمة تخترقني.

قرب الكوب مني قائلاً...

_خد.

ثم جلس على كرسي آخر قائلاً وهو يكمل إحتساء قهوته..

شفت هادي واحدة من اضرار التدخين بردوا.

رفعت رأسي صوبه قائلاً بحزم وجدية...

_فارس انا خلاص عرف المجرم في حاجات مهمة لازم أعرفك عليها، دا مش وقته.

نظر نحو المطبخ في ترقب كي لا تسمع والدته ثم أخفض صوته قائلاً في دهشة غير مصدق ما يسمع...

_بجد.؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سلسلة ظل أويس - قصة قضية ثلاثة دوائر - 1

المؤلف Salma Hamdy
2026/01/26 مستمرة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة