تنهد وربّت على كتفي قائلاً وهو ينظر إلى فارس مثلي تماماً ولكن ليس بنظرات غضب وسخط..
_ما تكبرش الموضوع هو بس كان خايف عليك يا أويس إنت فعلا أهملت بصحتك ولحد دلوقتي لسة بتعاند نصايحنا.
أومأت برأسي له وأنا في الحقيقة لم أكن منتبهاً لما قاله أو لم أءخذه على محمل الجد لإنشغالي بأفكار كثيرة دارت بعقلي آنذآك.
ربّت على كتفي عدة مرات متتالية ليقول بعفوية كما لو أنه يحاول التقليل من ثقل الجو...
_يلا بقا زي الشطور هتنفذ الأوامر.
تجاهلت كل ما قاله وتقدمت خطوات إلى الأمام قائلاً بدون تردد(ثبات وثقة)..
_أنا آسف ولكن مش هقدر أغادر التحقيق دلوقتي.
مرت بعض الدقائق الأخرى في صمت تام كما لو أنه يرتب كلماته بماذا سيجيب ليقول لي بعدها قاطعاً صمته..
_بص يا أويس أنا متفهم الأمر بس أنا بردوا بنفس الوقت خايف عليك وإصرارك على الشغل بصحتك دي ممكن يعرضك للخطر دا غير إن المجرم المرة دي مش عادي .
أومأت رأسي بفهم ليس لأنني متقبل إجابته تلك ولكن لأنني كنت أعلم من البداية أني أخوض حديث لا مجال للنقاش فيه فلم أجب بشيء وظللت صامتاً، مكتفياً بإلتصاق ضروسي بعضها ببعض وتكور قبضة يدي كردة فعل فقط ومتذكراً فارس .
"بسبب الكلام إلى قاله فارس له بقى خايف مني إني أتعب فجأه أو أخرب الشغل ومسرح الجريمة".
قلتها في نفسي فأنا لن أستطيع قولها في وجهه. ومن ثم عبرت مدخل البوابة الرئيسية للقاعة قائلاً له بصوت خافت...
_شكراً يا حضرة الرئيس.
***
أسدلت السماء ستارها الأسود ليعلن الليل وصوله، بدأ فارس والرئيس رائد إستجواب كل المشتبهين بهم وقد هدأ المكان ولم تعد هناك ضجة أحدٌ ما . نظرت إلى السماء أنفث دخاني بضيق كما لو أنني أحاول أن أزيحة من على قلبي. كانت قد تركزت نظراتي للتحديق بالفراغ أمامي فقط، كنت واقفاً وحيداً بالساحة الخالية ، الخارجية عند القاعة بينما الجميع منشغل بالداخل في العمل. تنهدت وزفرت نفساً غاضباً لأدعس بإصرار وكره وحقد وغضب السجارة التي لا ذنب لها تحت حذائي، لاحظت إقتراب فارس وظهورة في الساحة فجأه كالشبح المجهول الغامض. إقترب و وقف بجواري في صمت متحاشياً النظر إلي كما لو أنه لا يقوى على ذلك.
ثم قلت له بنبرة جافة بادئاً الحديث وقاطعاً الصمت...
_عاوز إي؟
ليقول بنبرته الهادئة..
_مش إتفقنا إننا هنبطل؟
إلتصقت ضروسي بعضها ببعض وإكتفيت بالصمت معبراً عن عجزي على الرد ليقول...
_أنا آسف أنا بجد مش نيتي إني أئذيك ولا إني أقطعك في وسط عملك وأعطلك أو إني أزعلك أو أخدعك حتى، أنا بقالي فترة بلاحظ تعبك وصحتك إلى بتدهور يوم بعد يوم وإنت مش بتلاحظ ولا بتاخد بالك ودايما بلاقيك بتصر وبتعافر والنهاردة أنا وصلت لاخر نقطة في غضبي منك فإشتكيت للرئيس عن إهمالك بصحتك منك، صحيح حلو إن الواحد بيحاول دايماً ويقاوم تعبه عشان يحقق مهامة بكفائة ودقة ويحاول أنه ما يخلي حاجة تأثر على إنتاجيته لكن لازم بردوا يعرف إن الإستراحة جزء من العمل وإنها مش تضييع وقت أو كلام فارغ وإن الصحة أهم من كل حاجة، ما تخافش على حاجة تفوتك وما تضغطش على نفسك يا أويس أنا هنا موجود ثم إن كل دا مش في مصلحتنا ولا في مصلحتك في النهاية حتى!، صعب يا أويس جداً إنك تشوف حد بتحبه بيعاني وإنت واقف مكانك مش بتعمل حاجة مقدرتش أفضل واقف ساكت أكتر من كدا.
كانت دقائق صمت مرت بعد أن أنهى حديثة شعرت كما لو أنها مرت كالسنوات، عجز لساني عن التكلم كما لو أن به عقدة خيالية لا اعرف ماذا اقول وبماذا أعبر عن ما أشعر به الآن، ضربات قلبي تسارعت ويداي بدأت تتعرقا، شعور غريب لا أعرف كيف أشرحه حتى، ولكني اكتفيت فقط أنني عانقتة بصمت لعلي أستطيع التعبير عما أشعر به بالفعل لعجزي عن التعبير به بالكلمات، كان عناق قوي كقوة صداقتنا كدت أسحقه فيه ثم قلت له بصوت خافت وقد بدأت ضربات قلبي التي كانت ستسحق صدري من الألم تهدأ وتوتري خف قائلاً...
_شكراً..
***
بعد ذلك عدت مع فارس إلى القاعة وذلك بعدما أخبرني أنه قد أخذ من رئيس المباحث الإذن ليسمح لي العودة مجدداً لمسرح الجريمة. كان فارس قد أنهى إستجواب جميع المشتبهين بهم. بينما أنا دخلت أنظر فيما فعلوه أثناء غيابي، لقد وضعوا الحدود الأمنية الداخلية، وبدأوا في تصوير الأدلة الجنائية ومسرح الجريمة لتوثيقة.
_اي دا فين الضباط المدنيين؟!
قلتها بإنزعاج من هذا الإهمال ليقول فارس...
_طلبت منهم ينقلوا الأدلة بعد ما غلفتها.
_طيب إي أخبار تقارير الطب الشرعي؟
_لسه لسه هيحتاجوا يومين تلاتة.
ربّت على كتفي قائلاً..
_براحة شويه مش كدا خف ع الاسئلة بلاش توتر.
تنهدت قائلاً وقد هدأت ضربات قلبي المتسارعة وأنفاسي الغاضبة بعد أن زفرت وأخذت نفساً عميقاً عدة مرات.
_هحاول.
إستدرنا على صوت صرير الباب لنجد شاباً في نهاية العشرينات دخل القاعة ثم قال بعفوية مصطنعة بدت على ملامح وجهه واضعاً كف على كف ليقول على مضض..
_أهلين وسهلين.
قالها بثبات وثقة.
نظرت إلى فارس بعدم فهم ليقول..
_دا الأستاذ صاحب القاعة.
رفعت إحدى حاجباي وأنا أنظر إلى ذاك الرجل مجدداً قائلاً بهدوء.
_واحد من المشتبهيين بيهم يعني.
أومأ فارس بإيجاب ليكمل الرجل قائلاً بذات النبرة.
_لا مؤاخذة يا بشوات أنا إسمي صهيب ثم إني والله إني برا الموضوع ومعملتش حاجة!.
تجاهلت ما قاله فكل المجرمين يقولون نفس الجملة الشهيرة وتقدمت بضع خطوات لأقترب من الباب ثم وضعت يداي في جيبي قائلاً...
_أنا هروح أشوف مصطفى.
ليستوقفني صهيب قائلاً بنبرة علت صوته فيها..
_إستنى لو سمحت يا أستاذ، أنا جاي هنا عشان أستفهم عن موضوع مهم تقوم متجاهلني وكأني هوا قدامك؟!
إلتفت إليه قائلاً بصوت غاضب ونبرة جافة.
_عاوز إي يعني؟
_ا ا ا كنت عاوز أعرف إمتى التحقيق هيخلص عشان طول ما أنتم مطولين كدا أنا سمعتي بتخرب يا باشا.
_ما إنت لو كنت خايف على سمعتك بجد كنت زمانك حطيت كاميرات مراقبة عشان أي حاجة تحصل الكاميرا تكشف حقيقته وكنا خلصنا والدنيا تسهل.
وكزني فارس بكوعه بخفة لأنتبه لما قلت له فأردفت بسرعه قائلاً وأنا أشير إلى سقف القاعة..
_قصدي طبعا كاميرات هنا عشان نعرف مين الداخل ومين الخارج.
رد صهيب قائلاً بلين و ود مصطنع.
_مينفعش يا أستاذ عشان خصوصية ضيوفنا.
_طب والكاميرات الخارجية؟
_موجودة
_روح هاتها.
بعد ذلك خرج صهيب لينفذ ما أمرته به ثم خرجت أنا من القاعة لأقابل مصطفى "فني الادلة الجنائية".
***
وقفت بجواره بينما كان هو جالس على ركبتيه منشغل بتعديل عدسة كاميرته ثم قلت له.
_إي أخبار الشغل يا مصطفى؟
_أهو تمام الحمدلله
_في أي ملاحظات أو حاجة لاحظتها؟
_لحد دلوقتي لا
أومأتُ رأسي بتفهم ثم إبتعدت عنه مغادراً لأدعه يكمل عمله بدون إزعاج مني. ثم زفرت نفساً بضيق واضح بشده على وجهي أثناء سيري متجهاً نحو مسرح الجريمة ومتمتماً ببضع كلمات قائلاً في نفسي..
كله بسببك يا فارس.
لأشعر بدوار ورجفة حلت على جسدي فجأة بسبب نسمة هواء عابرة لأتوقف ثابتاً بمكاني لأهدأ وأستعيد ثباتي ولظهور فارس فجأة أمامي. إقترب و وقف أمامي قائلاً..
_أي يا عم الملل دا إنت قاعد بتلف وبدور هنا وهنا زي النحلة التايهة تعال عشان هوريك أقوال المشتبهين بهم.
_أيوه أيوه كنت بشوف كم حاجة كدا وقلت هاجي أتطلع على أقوالهم دلوقتي.
قلتها بسرعة وبهدوء لكي لا أجعله يشك ولأحاول أن أخفى توتري الذي حل بي فجأة ورجفة يداي ، مدعياً القوة لتجنب عدم إخراجي من التحقيق مرة أخرى. ليتنهد فارس بضجر حاول أن يخفيه لكن عينيه القلقتين كشفته قائلاً..
_يلا تعال
توقعت أنه سيقول شيء آخر عن أنه لاحظ تعبي مجدداً لأنني كنت متأكد وقتها أنه لاحظه ولكن يبدوا أنه قرر أن يتغاضى هذه المرة ويحاول ألا يشعرني بالإنزعاج، ليقطع خططنا فجأه صوت جلال...
_أنا خلصت كدا وموضوع الكاميرات دا خربان مش مفيدنا بحاجة دا غير انه مفيش أي دليل قدرنا نخرجة..
نظرت إليه بعينين نصف مفتوحة وقد إلتصقت ضروسي ببعضها وأصبح وقتها السؤال الوحيد الذي يدور بعقلي هو كيف أتى هنا ولماذا؟! لأقول له قاطعاً هذا التساؤل.
_وإنت إلي جايبك هنا؟
رفع ذقنه للأعلى لينظر إلي قائلاً بغرور.
_رئيس المباحث طلب مني أساعدكم وأمد لكم إيد العون لو عندك مشكلة إتفضل روح إتكلم وأفتح بقك مع الرئيس دا إذا قدرت.
لم أجب عليه وتكورت قبضة يدي في غضب تام حاولت ألا أخرجة عليه وعلى رأسه الكبير كالبطيخة وإلتصقت ضروسي بعضها ببعض فلا شك أن الرئيس قد طلب منه هذا لإني قد توقفت عن عملي بالقضية لعدة ساعات قبل قليل.
Salma Hamdy