كانَ نائماً.. غير عالمٍ بما سيحدث له.. أو بتلكَ الأخبار التي انتشرَت كالنارِ في الهشيم، تتردّد على جميع الأَلسُن، وتلكَ الجملة التي تصدّرت أخبار اليوم..
كان الصباح ما يزال يزحف على البلدة، الضوء الرمادي للفجر يتسلّل بخجل عبر الستائر.
استيقظ ناثان على أصواتٍ غريبة، ضوضاءٌ تتعالى في الخارج، خطواتٌ، صرخاتٌ مكتومة، وصوت محرك سيارة متوقف أمام البيت.
فتح عينيه بتوجّس، ثم نهض بسرعة، التقط سترته وألقاها على كتفيه فوق ملابس نومه، وغادر غرفته بخطواتٍ حذرة.
لكن ما إن بلغ أول درجات السلم حتى تجمّد مكانه.
المنظر أمامه بدا كأنه كابوسٌ مفتوح العينين.
الشرطة تقف عند باب المنزل، الأضواء الحمراء والزرقاء تتراقص عبر الزجاج، ووالده 'مارك' في مواجهتهم، ملامحه غاضبة مشدودة، بينما تقف والدته خلفه، خائفة، وعيناها تبرقان بالدموع.
صوت والده اخترق التوتر
«ابني ليس قاتلًا!.. لا يحقّ لكم اعتقاله!»
أجابه الشرطي بنبرةٍ حادة لا تحتمل الجدل
«لدينا أوامر رسمية، وأيّ اعتراضٍ آخر سيجعلنا نضطر لاعتقال الجميع، لا المجرم وحده.. »
صرخت والدته بغضبٍ مرتجف، خطواتها تتقدّم رغم الرعب
«ابني ليس مجرمًا!.. لا تتجرأ حتى على قول هذا عنه!»
وقف ناثان في أعلى السلم، عاجزًا عن الحركة، عيناه متسعتان وذهنه يدور بعنف.
الكلمات تتصادم في رأسه دون أن يستوعب معناها بعد، كأن الواقع أبطأ فجأة وهو يرى نفسه في قلب عاصفة لا يعرف مصدرها.
شرطة... اعتقال.. مجرم.. هو!
ثم انقطع شروده بصوتٍ جديد، صوت الشرطي نفسه وهو يرفع رأسه نحوه
«جيد... أتيت بنفسك.. »
استدار والده نحوه بملامح صخرية لا يُقرأ فيها شيء، بينما أمه هرعت إليه كمن تتشبث بخيط النجاة الأخير.
وقفت أمامه، كأن جسدها حاجزٌ بينه وبين العالم، وصرخت بصوتٍ مرتجفٍ باكٍ
«لن يقترب أحدٌ من ابني!.. ابتعدوا عنه!»
قال الشرطي بصرامةٍ لا تخلو من تهديد
«قلت إنها أوامر... ولا مجال للاعتراض.. »
رفع يده إشارة لاثنين من العناصر خلفه، فتقدّما بخطواتٍ ثابتة نحو الداخل.
تخطّوا مارك الذي لم يتحرّك، وجهه مزيجٌ من صدمةٍ مكتومة وغضبٍ لا مخرج له.
حين حاولت الأمّ أن تعترضهم من جديد، شعرت بلمسةٍ خفيفة على كتفها.
التفتت لتجد ناثان يقف خلفها، ابتسامة باهتة مرهقة ترتسم على شفتيه وهو يهمس بصوتٍ واهن
«ثقي بي... سآتي بسرعة، أعدك... »
هو يعلم.. أي اعتراض، فقد تتأذّي عائلته أيضاً.
احتضنته بعنفٍ وكأنها تخشى أن يختفي بين ذراعيها، دموعها تسيل على عنقه وهي تهمس بلا وعي
«لا تذهب... أرجوك لا تذهب.. »
لكنه ربت على كتفها برفقٍ صامت، ثم ابتعد ببطء، مستسلِمًا للشرطيَّين اللذين كبّلاه بالأصفاد.
لم يقاوم، لم يتكلم، فقط ألقى نظرةً طويلة نحو أمه، ثم نحو والده الذي لم يزل صامتًا كتمثال.
خرج معهم إلى البرد الصباحي، أضواء الدوريات تومض فوق الطريق، وجيرانه يقفون على الأرصفة يراقبون المشهد بفضولٍ خبيث.
ركب السيارة، الباب يُغلق خلفه بصوتٍ معدنيٍّ حادّ كأنه يُغلق فصلاً من حياته.
تحرّكت السيارة ببطء، والأرض تبتلع المسافة بينه وبين بيته شيئًا فشيئًا.
رأى أمه تركض خلفهم للحظة، دموعها تنعكس على الزجاج، قبل أن تختفي ملامحها تدريجيًا مع انحناءة الطريق.
نظر لوجوه الشرطيين الجالسين أمامه، أوجعتهُ تلكَ النظرة الحذرة والمُستحقرة وكأنهم ينظرون لمجرمٍ حقيقي..
لكن ما كانَ بيده سوى أن نظر للأصفاد على يديه بصمت وهو يتمنّي داخله أن يمرّ هذا الأمر على خير...
وفي مكانٍ آخر، كان دافيد يقف أمام بائع الخضروات متذمراّ وهو ينظر لساعته
« لا أعلم حقاً لما وافقت على الخروج مبكراً هكذا.. »
استعجل البائع مرة أخرى، ليملّ منه قائلاً بلكنةٍ ريفية عجوزة
« اصبر يا فتي.. لا أعرف ماذا دهَى شباب هذا الجيل.. »
تنهد دافيد محاولاً الصبر، وسار بنظراته على ما حوله، حتّي وقعت على التلفاز الصغير في متجر بجانب بائع الفواكه، خطَى خطوات ليقترب من التلفاز وقلبه ينبض بايقاعٍ غريب وكأنّه شعر أن شيئا سيئاً حدث.
ولم يقف طويلاً حتي توسّعت عيناه بصدمه.
ذاك منزله.. والدته تذرف الدموع.. أخيه الصغير يَنقاد لسيارة الشرطة.. والدته تركض خلف السيارة ثم تقف بتعب وهي تصرخ بألم على ولدِها...
ركض..
ركض، وركض، تجاهل كل شيء حوله، تجاهل لعنات الماره، ونداء ذاك البائع العجوز..
تجاهل كل ما حوله، ولم يعد يرَى بين عينيه سوى منظر أخيه وهو يُؤخذ كالمجرم لسيّارة الشرطة.. ووالدته الباكية..
بعد مدة ليست بقصيرة وصل أخيراً لمنزله، لكنه تفاجئ بكمية البشر الواقفين أمام الباب..
دفعهم بوقاحة وهو يدخل باحثاً بعينيه عن والداه، وعن أخيه.. ومازال داخله يكذّب أن ذاك كان ناثان.. ربما شخص يُشبهه.. نعم، ربما.
ركض لغرفة المعيشة، ثم تجمّد.
تكسّرت آماله وهو يَرى والدته تجلس باكيةً ومن جانبيها ليليث وسيلين تُحاولان تهدئتَها.
حاولَ تمالك صدمته، تراجع بخطواتِه للخلف ووقف أمام الجيران الدُخلاء وقال بهدوء بارد
« لا يوجد شيء هنا يستدعى وُقوفكم هكذا..»
تجاهل أصواتهم المُستنكرة وقاحته وأجبرهم على التراجع وأغلق باب المنزل بإحكام، ثم عاد لغرفة المعيشه مُحاولاً استجماع هدوءه.
تقدّم بهدوء نحو والدته وجثَى أمامها على الأرض، وهي فورَما رأته اندفعت له وعانقته بقوة وكأنها تخشَى أن تَفقدهُ هو أيضاً، وهو أحاط جسدها مُحاولاً عدم السقوط بجلستِه الغير مُعتدلة.
سمع صوتها المتقطّع بشهقاتٍ في أذنه
« هو ليس مجرِم.. أخاكَ ليس مجرماً دافيد.. »
اومأ لها وهو يبعد يداها من حول عنقه ببطء ورقة، لكنها أمسكت بأكتافه بانهيارٍ قائله
« أنتَ لا تصدّق أنه مجرم صحيح؟..»
أجابها بجدّية وهو يحُوط وَجنتاها بكفّيه
« أنا أصدّق أي شيء عدا أن أخي البريء مجرم.. أنا من ربّيته في انشغالكُم.. لذا لا تقلقِ أمّي.. »
نظر لسيلين لتفهم فورا قصده وتأخذ والدته فى حضنها مُربته عليها علّها تكفّ عن البكاء.
بينما هو نهَض ناظِراً لورالده، الذي يجلس على الأريكة الأخرى مُمسكاً بصحيفةٍ ويُطبق عليها بعصبية مخفيّه.
سار اتجاهه حتي وقف خلفه، وسقطت عيونه على تلكَ الكلمات التي احتلّت الصفحة الأولي بخط عريض
{ وُجدت جثة المحقق "براون لاستر" مقطّعة بطريقة متوحشة في قبو منزله، بعد اختفائه يومين كاملين عن العمل. وتشير التحقيقات الأولية إلى أن نمط الجريمة يتطابق مع حالتين سابقتين، بينما تشير الأدلة الجديدة إلى تورط أحد المشتبهين السابقين الذي كان يخضع للتحقيق من قبل القتيل نفسه... }
قبض بقوة على يده مُلقياً بجسده على الأرض بارهاق، اسند ظهره للأريكه ووضع كفّيه على رأسه بـهَمّ.
ومن طرف عينِه جالَ ببصره على المتواجدين.
والدهُ المُمسك بالصحيفة ويُناظرها بشرود وتكاد تتقطّع في يده.
والدته الباكيه المُتشبّثه بـسيلين التي هي الأخرى تُحاول مُواساتِها والتربيت على جراحها.
ثم ليليث الجالسه على كرسي وحيدة ناظرةً للأرض ويداها مُتشابكتان على حِجرها، ويبدو أنها غَير واعِيه لِما حَولها، ولاحظَ أنها ترتدى تلكَ القبّعة الصوفية كعادتها منذ يومين.
ثم عادَ بنظره للأسفَل، لكن قَبلها بثانيه استطاع رؤية والده وهو ينهض من مَجلسه ويده تمتد لجيبه مُخرجاً هاتفه..
.
.
.
.
.
.
كانت رائحة الحديد والعرق والعفن تختلط في الهواء، والبرد ينفذ من بين الجدران الرمادية الخشنة.
جلس ناثان على الأرض، ظهره ملتصق بالجدار، ويداه ما تزالان تحملان آثار القيود التي أزالوها منذ قليل.
كان المكان ضيقًا إلى حدّ الإختناق، الضوء الأصفر الباهت في السقف يتأرجح كل بضع ثوانٍ، يلقي بظلالٍ مشوهة على وجهه الشاحب.
رفع رأسه نحو الباب المعدني، الصدأ يأكل أطرافه، والصوت المزعج للسلاسل من الخارج يذكره كل لحظة أنه ليس في كابوس، بل في حقيقة.
تنفّس ببطء، يحاول أن يلتقط أنفاسه، لكن عقله لم يتوقف عن الصراخ
"لماذا أنا؟.. ما الذي حدث؟.. من هذا القتيل الذي يتحدثون عنه؟.."
أغمض عينيه، وصوت أمه وهي تصرخ باسمه لا يزال عالقًا في أذنه.
حتى الآن لا يدرك كيف خرج منها كل ذلك الألم، أو كيف وقف عاجزًا لا يفعل شيئًا سوى أن يعدها بالعودة.
ضرب الحائط خلفه بقبضته، الألم الحاد في مفاصله كان أهون من الألم الذي يعتصر صدره.
مرّت ثوانٍ قبل أن يسمع وقع خطواتٍ تقترب، ثم صوت الباب المعدني يُفتح ببطء.
دخل أحد الحراس، يحمل كوبًا من الماء ودفترًا صغيرًا.
نظر إليه ناثان بعينين متعبتين، لم يمد يده نحو الكوب.
قال الحارس ببرودٍ روتيني
«ستُستدعى بعد قليل للتحقيق الأول، جهّز نفسك... »
لم يُجب، فقط حرّك رأسه بإيماءةٍ واهنة، فخرج الحارس وأغلق الباب من جديد.
عاد الصمت، ثقيلًا كأنّه غطاء من الرصاص.
أسند رأسه إلى الحائط، وحدّق في الفراغ أمامه، ثم تمتم بصوتٍ بالكاد يُسمع
«أنا لست قاتلًا... لست كذلك... أقسم أنني لست كذلك...»
تسللت ابتسامة باهتة على وجهه، خليطٌ من تعبٍ وسخرية، كأنّه يحدّث نفسه
"لكن مَن سيصدّق؟ عندما يكون الدليل جاهزًا... والدماء ليست على أيديهم، بل على يديك.. "
رفع يده ونظر إليها، كأنّه يرى عليها آثارًا خفية من دمٍ لا يعرف مصدره.
ثم دفن وجهه بين كفّيه، والليل من خلف الجدار بدأ يزحف ببطءٍ كأنه يطوي صفحة يومٍ لم يكن له أن يبدأ أبدًا.
.
.
.
.
.
كان المكتب فخمًا على نحوٍ صامت، تتوزع فيه الأناقة كأنها قانون غير مكتوب.
جدران من الخشب الداكن تتلألأ تحت ضوء الثريّا الكريستالية، ورفوفٌ عامرة بالملفّات والكتب المصفوفة بعنايةٍ تكاد تكون عسكرية.
خلف المكتب الضخم، جلس "آدريان كرايف"، الرجل الذي تُهاب كلمته داخل أروقة الشرطة وخارجها.
بدت ملامحه صارمة، وهدوءه أشبه بصمت عاصفةٍ قبل الانفجار.
كانت عيناه تتنقّلان بين بعض التقارير أمامه حين انقطع صمته بنغمة الهاتف.
نظر إلى الشاشة، وللحظةٍ واحدة ذابت كل الجدية عن ملامحه.
ارتسمت على وجهه ابتسامة صادقة لم تُرَ عليه منذ زمن، ورفع الهاتف قائلاً بنبرةٍ مرحة دافئة
«أخيرًا تذكّرتني أيها الوغد!»
ضحك بخفوت، لكن الضحكة لم تدم طويلًا.
ما إن سمع الصوت على الطرف الآخر حتى تغيّرت ملامحه فجأة، كأن البهجة اختنقت قبل أن تكتمل.
قال بنبرةٍ متبدلة، يكسوها القلق
«ما بك مارك؟»
ساد صمتٌ قصير، لم يُسمع خلاله سوى صوت أنفاسه التي بدأت تثقل.
ازدادت خطوط وجهه قسوة، والعتمة انسكبت على ملامحه مع كل كلمة يسمعها.
حتى أنه أغمض عينيه لحظة، ثم فتحهما وقال بجديةٍ باردة
«حسنًا... لا تقلق، سأحلّ الأمر. وداعًا صديقي.. »
أنهى المكالمة دون تردّد، وأسند الهاتف على المكتب بقوةٍ خفيفة، كمن يحاول كبح انفعالٍ يغلي في صدره.
ثم مدّ يده بسرعة إلى الهاتف من جديد، وبدأ يُقلّب في قائمة الأسماء بعصبية واضحة، حتى توقّف عند اسمٍ بعينه.
ضغط عليه واتصل.
لم ينتظر أكثر من ثانيتين حتى أتى الرد، لكن صوته سبق أي ترحيب
«ما الذي فعلتَه أيها الغبي؟!»
ساد صمت مشحون للحظات على الطرف الآخر، قبل أن يتابع بضحكةٍ ساخرة غاضبة
«تسأل ماذا فعلت؟ أنت عارٌ على رؤساء الأقسام، تأمر باعتقال شابٍ بريء دون أي دليلٍ يُدينه؟ دون أن ترجع لي حتى؟!»
ارتفع صوته مع كل كلمة، نبرته باتت كالسياط، قبل أن يقاطعه تلعثم المتحدث الآخر.
فقال آدريان بنبرةٍ ناريةٍ حادّة، تحمل تهديدًا صريحًا
«لكن ماذا؟! حالًا تُخرج ذاك الفتى، وتمنع أي صحيفة أو محطة إعلامية من نشر أنه مجرم.
طالما لم نتأكد، فلا أحد يُلطّخ سمعة بريء، افعل هذا فورًا... أمامكَ حتّي صباح الغد... وإلا، أنت تعرف تمامًا العواقب.. »
ثم أغلق الهاتف بعنفٍ دون أن ينتظر ردًا، وتركه على الطاولة كأنه يطرد الغضب من داخله.
ظلّ صامتًا لثوانٍ، ثم زفر بعمقٍ مُتعب وهو يدلّك جبينه براحة كفه.
مدّ يده نحو زرٍ صغيرٍ على طرف المكتب وقال بصوتٍ منخفض
«أحضر لي ملفات القضايا الأخيرة فورًا... »
لم تمضِ دقيقة حتى فُتح الباب ودخل أحد الموظفين واضعًا مجموعة من الملفات الثقيلة أمامه.
أومأ له آدريان دون أن يرفع نظره، وأغلق الباب خلفه.
أمسك النظارة ووضعها فوق عينيه، وبدأ يتصفّح الملفات بسرعةٍ دقيقة، عيناه تتحركان بثباتٍ لا يترك سطرًا دون أن يقرأه.
كانت ملامحه أثناء القراءة جادّة، مركّزة، كأن كل ورقة تحمل سلاحًا أو سِرًّا.
وبعد وقتٍ بدا طويلاً، أسند ظهره على المقعد، ثم أمسك الهاتف من جديد، دون أن يخلع نظارته أو يغلق الملفات المفتوحة أمامه.
ضغط على رقمٍ يعرفه عن ظهر قلب.
وما إن سُمع صوت الرد من الطرف الآخر، حتى قال بهدوءٍ حازم
« أريدك حالًا.. »
مَرام الصـيّاد