« 5 »

« 5 »

8 0

مرّت الأيّام بهدوء، وكأنّها خُيطت بخيوطٍ من اعتيادٍ لطيف.

ليليث وجدت نفسها شيئًا فشيئًا جزءًا من تفاصيل عائلةٍ صغيرة لم تكن لها بها صلة، لكنّها غدت مألوفة حدّ الحنين.

كان حضورها اليومي إلى المخبز يُثير ابتسامة ناثان، حتى أنّ والدته بدأت تستقبلها وكأنّها ابنة الدار، تسألها عن عملها في متجر الزهور وتقدّم لها قطعة حلوى صغيرة كلما مرّت.

أمّا ناثان نفسه، فقد تحوّل من مجرد بائع خبز مبتسم إلى رفيقٍ يوميٍّ، يمرّ عليها ليلًا عند إغلاق متجرها ليعرض عليها مرافقتها إلى المنزل.

حجّته كانت دائمًا واحدة

"والدتي تقلق، وأنتِ آنسة جميلة لا ينبغي أن تعودي بمفردكِ"

مع الوقت، صارت خطواتهما المتجاورة في الطريق حديثًا يوميًّا لا ينقطع.

أحيانًا يروي لها مواقف طريفة حدثت مع الأطفال الذين يتجمعون حول المخبز، وأحيانًا كانت هي تصمت مكتفية بمتابعة انفعالاته وحماسته.

وكل ليلة كان هذا الاعتياد يُرسّخ مكانةً جديدة له في عالمها، مكانة لم تعهدها من قبل، مكانة جميلة حدّ الخطر.

وفي تلك الليلة، كان الطريق أكثر هدوءًا من المعتاد. أضواء المصابيح الصفراء ترسم ظلالًا طويلة على الأرصفة، والهواء يحمل برودة خفيفة تُداعب وجهيهما.

سارا جنبًا إلى جنب كما اعتادا، لكنّ عيني ناثان انجذبتا فجأة نحو شارع جانبيّ ضيّق.

حيث ما زالت ذاكرته تخبّئ ما لا يريد استدعاءه، توقّف بصره لثوانٍ وكأنّه علق بما وراء الظلّ.

بدا صمته أثقل من خطواته، وكأنّ قلبه انقبض على ذكرى لم يُشفَ منها بعد.

لكن فجأة، شعر بلمسةٍ دافئة تطبّع على راحة يده. التفت إليها بدهشة، ليجد ليليث تُمسك يده بخفّة، وعينيها تلمعان بابتسامة مطمئنة كأنّها أرادت أن تُبعد عنه ما أثقله، دون أن تسأله شيئًا.

تردّد للحظة، ثم تنفّس بعمق، كأنّ تلك اللمسة أزالت عن صدره حملًا صامتًا.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة تحوّلت تدريجيًّا إلى حقيقية، وأكمل خطواته معها، يترك صمته يتناثر خلفه في ذلك الشارع المظلم.

أمّا هي، فظلّت تنظر أمامها، بنفس الابتسامة الهادئة الغريبة.... ابتسامة تحمل شيئًا أعمق من الطمأنة، وكأنّها تستمتع بهشاشته أكثر مما تُسعفه.

.

.

.

.

.

ـــ بعد مرورِ ثلاثةِ أسابيع ـــ

في صباحٍ دافئ، كان المتجر غارقًا في هدوئه المعتاد.

وقفت ليليث بين الزهور تُرتّب أوراقها بعناية، تُقرّبها من أنفها بين حينٍ وآخر لتستنشق عبيرها، وعيناها شاردة في الفراغ وكأنها تغازل صمت المكان.

فجأةً دوّى صوت جرس الباب، فرفعت رأسها سريعًا، لتجد ناثان يتقدّم بخطواتٍ هادئة نحوها وهو يُلقي التحية بابتسامة ودودة.

ردّت عليه بابتسامة رقيقة، فبادلها القول

«كنتُ أرغب في باقةٍ من الزهور المتنوّعة... على أن تكون ذات رائحة جميلة، ولكن غير نفّاذة»

هزّت رأسها موافقة، وبدأت تختار له بعناية أزهارًا متناسقة تُرضي طلبه، بينما كانت أنامله تتابع حركتها بإمعانٍ صامت.

وبينما كانت تلفّ الباقة بشريطٍ أبيض سألها بهدوء

«أيُّ نوعٍ من الزهور تفضلين لِيلي؟»

ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، ثم أمالت رأسها باتجاه زاويةٍ معينة من المتجر.

اتّبع ناثان نظرتها، ليقع بصره على أزهار الأقحوان البنفسجية المتفتحة.

أزهار صغيرة، أوراقها الدقيقة تشبه أشعة شمسٍ زهرية تلتف حول قلبٍ أصفر مشرق، يكسوها لونٌ بنفسجي رقيق يبعث على السكينة، ورائحتها الناعمة تكاد تكون همسًا لا يُسمع إلا للقريب منها.

قالت بصوتٍ رقيق

«الأقحوان البنفسجي... أحبّه كثيرًا، لونه ورائحته كلاهما رقيقان وجميلان»

لكنها لم تُضف ما دار في خاطرها... أنّ لهذه الزهرة جانبًا آخر مخفيًا، معنى مظلمًا لا يُدركه سوى من يحملون في قلوبهم أسرارًا مشابهة.

سلّمته الباقة أخيرًا، فتوقّف لحظة وهو يتأملها قبل أن يرفع بصره إليها قائلاً بتردّدٍ لطيف

«هل... تودّين مرافقتي الآن؟ لديّ زيارة صغيرة لمستشفى الأطفال... هناك طفلة مريضة أودّ رؤيتها»

لم تتردّد ليليث، بل أومأت بالموافقة بابتسامة دافئة، ثم التفتت نحو زميلها الجالس في زاوية المتجر منشغلًا بهاتفه المحمول وقالت بهدوء

«اعتنِ بالمتجر حتى أعود»

أجابها بلا مبالاة، فيما كانت تخطو إلى الخارج بجانب ناثان، يرافقها إحساس غامض بأن هذا الصباح لن يكون عاديًا.

.

.

.

كانت خُطواتهما تسير بهدوءٍ متناسق في الطريق، يتبادلان حديثًا خفيفًا يخفّف صمت الشوارع.

فجأة، انقطع الجوّ بصوتٍ أنثوي رقيق ينادي

«نــاث!»

توقّف كلاهما في اللحظة ذاتها، والتفت ناثان، بينما تباطأت خطوات ليليث وملامحها أظلمت على الفور.

كانت هناك فتاة صهباء تتقدّم نحوهما، شعرها يلمع تحت أشعة الشمس، ملامحها جميلة، وابتسامتها واسعة وهي تتجاهل وجود ليليث تمامًا لتلقي التحيّة على ناثان قائلة بمرحٍ صادق

«كيف حالك؟ لقد مرّ وقت طويل»

بادلها ناثان ابتسامة صغيرة مرتبكة، لكن قبل أن ينطق، التفتت الفتاة أخيرًا إلى ليليث وضحكت بخفة وهي تقول

«أوه... هل حصلت على حبيبة جديدة بهذه السرعة؟»

اشتدّ ظلام النظرة في عيني ليليث، لكن وجهها بقي ساكنًا بلا ملامح تُفصح عمّا يدور في أعماقها.

شيء مظلم بدأ يتكوّر داخلها، يتغذّى على المشهد أمامها.

قال ناثان سريعًا بتوتّر واضح

«لا، هذه ليليث... جارتنا وصديقة العائلة»

اقتربت الفتاة أكثر، وبنبرةٍ ماجنة أمسكت بذراعه وقالت بنعومة متدلّلة

«ظننتكَ نسيتني.... لكنني لم أنسكَ لحظة واحدة، ما زلتُ أفكّر بك حتى الآن»

شدّ ناثان ذراعه بلطف بعيدًا عنها، وحدّق فيها بحزمٍ متوترٍ

«هانا... كفّى عن هذا»

بينما تبادلا الحديث، كانت ليليث تتابع المشهد بعينين تقدحان شررًا، إلا أن ملامحها ظلّت ساكنة، صامتة، هادئة بشكلٍ مريب.

عقلها كان ينسج سيناريوهات متتالية عمّا جمع ناثان بهذه الفتاة.... وكل سيناريو يزيد من الظلام المتصاعد داخلها.

قاطع شرودها دفء يدٍ توضع على كتفها، يد ناثان، وصوته الهادئ يهمس بابتسامة صغيرة

«لا تهتمّي... هيا، سنتأخّر»

التفتت برفق، لتلاحظ أن هانا قد ابتعدت بالفعل.

تابعت سيرها بجانبه في صمت، يداها تقبضان على حافة فُستانها الأصفر الرقيق، وكأنها تُخفي وراء هدوئها اضطرابًا داخليًا.

وبعد خطواتٍ قليلة، قالت بصوتٍ خافت

«هل كانت... حبيبتك؟»

زفر ناثان بهدوء قبل أن يجيب

«نعم... أيام الجامعة، لكننا انفصلنا منذ عامٍ تقريبًا»

أومأت ليليث بتفهمٍ صامت، ثم التفتت إليه بابتسامة هادئة وهمست

«يبدو أنها ما زالت تحبّك»

ضحك ناثان بارتباك وهو يمرّر يده في شعره

«نعم... يبدو ذلك. لا تنفكّ عن الظهور في كل مكان، وتلاحقني باستمرار»

حينها اتّسعت ابتسامة ليليث، بهدوءٍ غامض يكسوه سحرٌ مقلق، وقالت بصوتٍ خافتٍ

«حقًا؟.... لا تقلق، كل شيء سيكون على ما يرام»

< في حين مضى هو مطمئنًا، كانت خطواتها تحمل صدى وعدٍ خفيّ لا يعرف أحد ثمنه >

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بَينَ أحضَانِ قاتِلَة

المؤلف مَرام الصـيّاد
2025/11/17 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة