« 4 »

« 4 »

10 0

انشغلت ليليث لبعض الوقت بين الزبائن، تُرتّب الأزهار وتستقبل الطلبات بابتسامتها اللطيفة.

وما إن خفَّ الزحام قليلًا، حتى اتجهت نحو زميلها في العمل قائلةً بصوتٍ خافت وقد وضعت يدها على بطنها

«لقد شعرتُ بالجوع، سأذهب لأشتري بعض الخبز من المخبز المجاور ثم أعود»

ابتسم زميلها ذا الشعر الكستاني والقزحيتان الزرقاوَتان وهو يومئ برأسه قائلًا

«حسنًا»

دفعت الباب الزجاجي الصغير وخرجت إلى الشارع، لتستقبلها رائحة الخبز الطازج المتسللة من المخبز المجاور.

المكان كان دافئًا مقارنة بالبرد الخارجي، رائحة الزبد والطحين المحمص غمرت أنفاسها بمجرد دخولها. رفوف خشبية مصطفّة عليها أرغفة ذهبية اللون، وقطع كرواسون تلمع تحت الإضاءة الصفراء.

أغلقت الباب الزجاجي برفق، ودخلت لتطلب رغيفًا طازجًا.

وفي تلك اللحظة، خرج ناثان من غرفة تبديل الملابس، يشدّ مئزره حول خصره، فرفع بصره إليها مبتسمًا وهو يحيّيها بتحيةٍ قصيرة قبل أن يناولها طلبها.

رفعت ليليث عينيها تتأمل المكان قليلًا، ثم ابتسمت قائلة

«إنّ أجواء المخبز جميلة، تفوح منه راحة غامرة للنفس»

بادلها ناثان الابتسامة وهو يضع الرغيف في الكيس

«حقًا.... أنا أحب هذا المكان كثيرًا، فهو يمنحني شعورًا بالطمأنينة»

مرَّ زميله جاكسون بجواره، وربت على كتفه ضاحكًا وهو يقول بنبرة مازحة

«لن تكفّ عن إسقاط الزبائن في حبك بهذه الإبتسامة، أليس كذلك؟»

لثانيةٍ واحدة غامت ملامح ليليث، وتحوّل بريق عينيها إلى ظلالٍ ثقيلة، لكنّها سرعان ما استعادت هدوءها وضحكت بخفّة قبل أن تقول

«سأعود الآن إلى المتجر، حتى لا أتأخر»

أومأ ناثان موافقًا، يراقبها وهي تغادر بخطواتٍ متزنة.

وما إن اختفى ظلّها خلف الباب، حتى اقترب جاكسون مرةً أخرى، يرفع حاجبه بخبث ويقول

«ومن تكون تلك؟ تبدو وكأنها تعرفك جيّدًا»

ضحك ناثان وهو يربت بخفة على رأسه، قائلاً

«إنها جارتنا الجديدة، انتقلت منذ نحو أسبوع فقط»

قهقه جاكسون بخفوت وهو يلوّح بيده مبتعدًا، ثم قال ساخرًا وهو يتجه نحو إحدى الطاولات ليمسحها

«جارتكَ إذن... وجميلة جدًا أيضًا، يا لك من محظوظ!»

ابتسم ناثان، يشيح بصره عنه، لكن صدى الكلمات ظلّ يتردد داخله على نحوٍ لم يتوقّعه.

غادرت ليليث المخبز بخطواتٍ هادئة، وفي يدها كيس الخبز الذي ما زال يتصاعد منه البخار الدافئ.

لم يلحظ أحد التوتر الخفيف الذي شدّ ملامحها، ولا القبضة التي انعقدت حول الكيس بقوة زائدة، وكأنّها تكادُ تفقد أغلي ما تملك.

عيناها، اللتان كانتا منذ لحظات تشعّان بالهدوء، غمرهما بريق غامض أقرب إلى الشرود الغاضب.

بينما كانت تعبر الطريق عائدة إلى متجر الزهور، ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة لا تحمل أي دفء؛ ابتسامة خالية، أشبه ما تكون بظلّ لابتسامةٍ حقيقية.

في داخلها كان شيء ما يغلي ببطء... مزيج من نفورٍ صامت وغيرةٍ دفينة لا تعترف بوجودها أمام أحد.

وما إن دخلت متجر الزهور حتى استقبلتها رائحة الياسمين واللافندر التي عادةً ما تهدّئ أعصابها، غير أنّ شيئًا في داخلها أبَى أن يهدأ.

وضعت كيس الخبز جانبًا، واتجهت مباشرةً لترتيب باقة ورد على الطاولة.

أصابعها، التي عُرفت بدقّتها ونعومتها، انزلقت فجأة لتسحق زهرة ناعمة بين كفّيها.

تأمّلت بتجمّدٍ أوراقها الممزقة، ثم أطلقت ضحكة قصيرة متصنّعة، كأنّ الأمر مجرّد هفوة عابرة.

وما إن أنهت ترتيب الباقة، حتى رنّ جرس الباب معلنًا دخول أحد الزبائن.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة لطيفة صافية، كأنها لم تسحق منذ قليل حياة زهرة صغيرة بين أصابعها.

اقتربت بخطوات هادئة، رقّ صوتها وهي تقول

«مرحبًا، تفضّل... هل أساعدك في اختيار شيء مميّز؟»

كان دفء نبرتها كافيًا ليجعل الزبون يبادلها الابتسامة مطمئنًا، فيما واصلت هي أداء دورها المعتاد ببراعة، تُخفي خلف ملامحها الوديعة شيئًا أكثر قتامة يتربّص في صمت.

.

.

.

.

.

كان يقف فوق سطح المبنى، جسده الممشوق شامخًا رغم ثقل السنين، شعره الأسود يتماوج مع نسيم الليل، وملامحه الحادة لا تزال تحمل وسامةً لم يقدر العمر أن ينتزعها.

عيناه السوداوان تلمعان بحدة، كأنهما مرآتان تعكسان ظلامًا أعمق مما يظهر على السطح.

تعلّقت نظراته بما يجري في الأسفل؛ ناثان يضحك مع الأطفال، يركض بينهم ويمد يديه ليمسك بواحدٍ منهم ثم يتركه يفلت ضاحكًا.

مشهد بسيط، لكنه كافٍ ليوقظ في قلبه شيئًا غريبًا... شيئًا جعله يتذكّرها.

ابتسم ابتسامة جانبية، نصفها حزن ونصفها سخرية، وتمتم

«الآن أفهم... لِمَ انجذبتِ إليه.

أنتِ قطعةٌ من الظلام، وهو يفيض بالنور... المتضادّان ينجذبان دومًا»

صمت لحظة، وصوته يخرج بعدها همسًا مشوبًا بمرارةٍ لم يعتد أن يُظهرها

«لكن، هل سيكتمل انجذابكما؟ أم ستقف حقيقتكِ سدًّا لا يمكن تجاوزه؟... أخشى أن يكون خوفه أقوي من قدرتكِ على البقاء»

أدار وجهه، كأنّه يكلّم طيفها الذي يرافقه أينما ذهب، وهمس بحرارةٍ غريبة

«أتمنى فقط... ألا تنكسري، يا قاتلتي... ويا طفلتي الوحيدة»

قفز بخفةٍ ورشاقة نحو سطحٍ آخر، ثم اختفى في الظلال كأنه لم يكن موجودًا.

في الأسفل، شعر ناثان بوخزة غريبة، كأن نظراتٍ ما تتسلّل إلى روحه.

التفت من حوله بقلق، لكن لم يكن هناك أحد.

قبل أن يسترسل في شكوكه، قفز طفل على ظهره وهو يهتف ضاحكًا

«أمسكتكَ ناث! لن تفلت هذه المرّة!»

تلاشى القلق، وغمرته الضحكات من جديد، فيما كان الظلام يتوارى بصمتٍ أعلى المدينة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بَينَ أحضَانِ قاتِلَة

المؤلف مَرام الصـيّاد
2025/11/17 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة