« 6 »

« 6 »

7 0

فِي تلكَ الليلة وبعدما عادَ ناثان مع ليليث إلي الحي، ودّعها وهي تدخل منزلها الصغير ذو السياج والحديقة المرتّبه.

بينَما هو انتظَر حتي أغلقت باب المنزل واستدارَ ليدخل منزلهُ المُجاور لمنزلها تمامًا بسياجٍ مشترك.

حينَما دخل وأغلق البابَ خلفه، سمِع صوتًا خافتًا قادمًا من المطبخ، ليتسلّل على أطراف أصابعه مطلًا برأسه للداخل.

ليكتمَ ضحكتهُ بصعوبه حينَما وجَد دافيد يدهنُ قطعة خبزٍ بالجبن ويضعها بجانب الباقي وهو يدندن بلحنِ أغنيةٍ رومانسية ويهتز مع إيقاعها.

خطَى ناثان بخطواتٍ بطيئة حتي أصبح خلفه تمامًا وهمس فى أذنه بخبث

« ما سببُ هذه السعادة المُريبة أخي الكبير؟! »

انتفض الآخر بقوة فزِعًا ممّا أسقط الملعقه من يده أرضًا لتُطلق صدًى تردّد فى أنحاءِ المنزل.

وضع يده على قلبه وهو يُحاول تهدئة نبضه بأنفاسٍ متقطّعه

« تبًا لكَ ناث، كدتُ أموتُ أيها الأحمق »

سار ناثان بلامبالاه وجلس على كرسي بجانب الطاولة الصغيرة آخذًا قطعة خبز مما كان دافيد يصنعه، وهو يقول

« لكنكَ لم تمُت وهذا المهم »

جلس دافيد على الكرسي المُقابل له بعد أن هدأ وهو يشتمه

« أخ صغير مُزعج »

« وأنتَ أخ كبير مُريب »

« أحمق »

« وغد »

« مُنحرف »

« لستُ منحرفًا يا حبيبَ سيلين »

قالها بمكرٍ وهو يحشر آخر قطعة خبز فى يده ويأخذ غيرها.

ليُجيبه دافيد بغيظ وهو يسحق الخبز فى فمه

« وأنا لستُ وغدًا يا محبّ لِيلي »

كاد ناثان يختنق وهو يسعلُ مرارًا، التقط كأس ماءٍ بجانبه وارتشفَه كلّه.

قبل أن يقول بحنق وهو ينظر لدافيد الذي يُراقبه بتسلية انتقامية

« لستُ محبًا لأحد »

همهم له دافيد وكأنّه غير مُقتنع، قبل أن ينبس بمكرٍ

« لكنكَ توصلُها كلّ ليلةٍ للمنزل »

أجابه ناثان وهو يهز أكتافه بلامبالاه

« هذا أمرٌ من أمّى وأنتَ تعلم ذلك »

« هممم.. وهل أمرتكَ أمّي أيضًا أن تقفَ أمام منزلها حتي تُغلق الباب وتلوّح لكَ من النافذة؟! »

عضّ ناثان شفتيه بحنق هامسًا باستسلام

« حسنًا، نقطة لك »

ضحك دافيد بانتصارٍ وهو يسحب قطعةَ خبزٍ أخرى، ليسترسِل ناثان بتذكّر

« صحيح.. لقد زُرت لوتيا اليَوم، مع ليليث.. »

حرّك دافيد حاجبيه بخبثٍ للآخر، لكن قبل أن ينطق بكلمة قال ناثان بسرعة وإحباط

« لا تنطق، نعم أنا من طلبتُ منها ذلك »

أشار له دافيد بقطعة الخبز فى يده قائلًا بنبرة مكتومة بسبب الحشوة فى فمه

« يالكَ من سهلٍ يا أخي الصغير.. »

أدار ناثان عينيه بملل، قبل أن يقول

« لكن هذا ليسَ الأمر، لقد قابلنا... هانا »

جاءَ دور دافيد هذه المرّة ليختنق في لُقمته ويشرب كأس الماء دفعةً واحده وهو يصيح

« تلكَ المُلاحقة المجنونة من الجامعه؟! »

اومأ ناثان بمللٍ واضح، ليُكمل دافيد متسائلًا بفضول

« وكيفَ كانت ردّة فِعل ليليث؟ »

أخفض ناثان عينيه للحظة وكأنه يتذكّر ملامحها اللطيفة وهي تكشّر بانزعاج ثم تُخفيه

قال

« ظهَر عليها الإنزعاج للحظه ثمّ اختفي »

فرقَع دافيد بأصابعه وهو يقترب من أخاه بحماس

« إذًا تغار.. إذًا تحبكَ »

تجاهل ناثان جُملته الأخيره كيْلا يزدادَ خجله، قائلًا باستغراب

« وكيفَ عرفت أنها غيرة؟ أليس من الممكن أنّه انزعاج بسيط لتجاهل هانا لها؟ »

هزّ دافيد رأسه بسرعة قائلًا وهو يرفع أصابعه كالمحقق

« لا، هذه غيرة واضحه.. تمامًا مثلَ سيلين، لكن الفرق أنّ سيلين تضربُ ولا تُبالي، أمّا حبيبتكَ لطيفة جدًا لذا تتجاهَل فقط... »

ظهرَ احمرارٌ خفيف على أذني ناثان عندما فكّر أنها تغارُ عليه، لكنه همس

« إذًا؟ »

تابع دافيد بحماسٍ وهو يُمسكه من أكتافه

« إذًا هي تُبادلكَ المشاعر »

لم يُمنح ناثان فرصة للرد لأنه سُحب لحضن شقيقه الذي قال بدراما وهو يحتضنه

« آهٍ يا أخي الصغير، أخيرًا وجدتَ حبّكَ الحقيقي وشخصٍ آخر تُزعجه بعيدًا عنّي »

« ابتعد عني أيها الأحمق »

« وأنا أيضًا أحبكَ عزيزي »

وتعالَت أصواتُ المُشاغبة بينَ الشقيقين ليمنَحوا المنزِل دفئًا ملحوظًا.

لكنّهما كانا غافلَينِ عنْ ماهِية ذاكَ الحبّ الحقيقي الذي تكلّما عنه.

فـهَل انجذَب لمظهرهَا اللطيف وابتسامتِها المُشرقة؟ أمْ أنّه فعلًا حبّ حقيقيّ كَما قالَ دافيد؟!

لا يُمكن أن يُعرف هذا من مجرّد كلمات، بلْ من صدمة.

صدمة حقيقية تُعيد موازينَ العلاقة.

فـهل ستمرّ هذه الصدمة عَلي خيرِ ما يُرام؟...أم...؟!.

.

.

.

.

.

مرّ يومَين بهدوءٍ، يستيقظُ على إزعاجِ شقيقه، يذهبُ لعملهِ مع ليليث كعادةٍ روتينية، يتبادَلانِ النكاتَ والضحكَ، ثم يعودانِ معًا للمنزِل ليلًا.

لكن اليومُ الثالث بدا مُختلِفًا بعضَ الشيء.

دَخل للمخبز بابتسامةٍ مُشرقة بعدما ودّع ليليث، ليُقابله جاكسون وهو يقولُ ضاحكًا

« تبدو سعيدًا جدًا هذه الأيام ناث؟ »

اومأ له ناثان باشراق وهو يهروِل لغرفة تغيير الملابِس، ثم خرَج وهو يربط مئزرهُ على خصره بإتقان.

بدأَ يومهُ العمليّ بروتينيّة، وجاكسون يُلقي عليه العباراتِ الماكرة كلمّا مرّ بجانبه، وهو فقط إمّا يتجاهَلهُ، وإمّا يضربهُ بخفة حتّي يصمتَ معتذرًا، ثم لا يَلبث أن يعودَ مرّة أُخري لمَكره.

قرّر جاكسون أنّ الجو ممل بعض الشيء، فأمسكَ بجاهزِ التحكم فاتحًا التلفاز.

ظلّ يقلّب بين القنواتِ بضجرٍ وهو يتمتم

« ألَم يعد هناكَ شيئًا مسليًا في التلفاز اللعين؟! »

لكنْ فجأة توقّف عن التقليب حينَما مرّ علي قناة إخبارية، كان سيتجاهلها كالعادة لكن شيئًا ما جذب انتباهه بها.

ثوانٍ مرّت قبل أن يصدحَ صوت المُذيع قائلًا بنبرة إعلامي مُتمرّس

[  .... والمجنيّ عليها هي ' هانَا ديريك ' ابنةْ رجل الأعمال ' ديريك هيل ' ... وُجدت مقطّعة الأطرافِ الأربع وموضعَ قلبَها مفرّغ بالكامل... لم يُعثر حتي الآن على القاتِل المتوحّش.. لكن الشرطة مازالت ..... ]

أغلق جاكسون التلفاز بدهشة خفيفة وهو يلتفت لناثان الذي توقّف عن تحريك القماشة وتصنّمت يده على الرف الذي كان ينظّفه.

تمتم بدهشةٍ خفيفه وهو يُناظر التلفاز المُغلق

« هانا... قُتلتْ؟..»

.

.

.

.

.

.

فى مكانٍ مُجاور، حيثُ تنتشر رائحة زهور اليلَك واللاڤندر المُنعشة.

حدّقت ليليث في التلفاز لتلكَ الصورة المشوّشة لـ هانا المقتولة بوحشيّة.

بينَما تمتم زميلُها وهو يُعيد نظَره لهاتفه بملل

« لا شكّ أنّ هذا القاتل متوحّش جدًا.. »

عادَت بمقلتَيها العشبية البريئة لباقةِ الزهور وهي تُكمل تغليفِها، بينَما هناكَ ابتسامة صغيرة جدًا بدأت بالنمو على شفتيها.

صغيرة جدًا.... لكنّها؛ خطيرة جدًا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بَينَ أحضَانِ قاتِلَة

المؤلف مَرام الصـيّاد
2025/11/17 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة