« 12 »

« 12 »

8 0

مُستلقيًا على سريره، مقلتاه السماويّتان تحدّقان في السقف الغارق في العتمة.

ملامح غرفته بالكاد تُرى وسط هذا الظلام الثقيل.

لم يكن يشغل عقله سوى ما حدث اليوم.

ذلك الحوار الذي دار بينه وبين المحقّق لا يفارقه، يعيد نفسه مرارًا كأنه سدٌّ منيع بينه وبين النوم.

كلمات المحقّق ما زالت تتردّد في أذنيه كصدى مُرهق

«الضحيتان كان لهما علاقة بك.. أليست مصادفة غريبة؟»

تذكّر كيف حاول الدفاع عن نفسه، وكيف جاء الرد كطعنة

«المجرمون دومًا يقولون هذا..»

تلك النظرات المقيتة من رجال القسم أثقلت صدره، جعلته يدرك كم هم سطحيّون وظالمون.

عاد ذهنه إلى والديه.. قلق أمه، غضب أبيه.

يعلم أنّ الأمر لن يظلّ سرّيًا طويلًا، وغدًا أو بعد الغد ستعرف البلدة بأسرها أنّه متهم.

انقلب على معدته، شدّ الوسادة بين ذراعيه.

وبين كل تلك الذكريات المُرهقة لعقله وقلبه البريء، طفت على السطح ذكرى قديمة.

ذاك القاتل المجهول الذي سلبه النوم ليالٍ طوال.

يا تُرى.. هل هو الفاعل هذه المرة؟

هل ينتقم لأنه شاهده يومًا؟

أم يكتفي بتخويفه حتى يظل صامتًا؟

لكنّه لا يجرؤ على البوح بما رأى.. لا يملك الشجاعة.

أم أنه يظلمه حتى في ظنونه؟

لربما شخص آخر تمامًا..

دفن رأسه في الوسادة القطنية، يحاول أن يُسكت أفكاره المرتجفة.

أفكاره تتزاحم، يهرب من فكرةٍ لأخرى دون أن يجد مهربًا سوى صورتها.

غرق في ذكرياته معها.. ضحكاتها الدافئة، مظهرها الملائكي، ملمس يدها الحانية، عيناها العشبيّتان، شعرها الأسود الحريريّ.

هو يحبها. نعم، يعترف بذلك لنفسه أخيرًا.

الجميع يعلم، ربما هي فقط من تتجاهل الأمر.

أو لعلها تنتظر أن يمدّ هو يده أولًا..

هو يحبها... لا مفر من ذلك.

وحدها فقط كانت الضوء الوحيد في ليله المظلم...

فـهل حقًا هي النور في ظلامِه؟... أم العَكس..؟!

:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

انقضى اليوم ببطءٍ أثقل كاهل ناثان.

كل خطوة يخطوها في المخبز كانت محمّلة بقلق، وكل نظرة من الزبائن بدت له كسهمٍ مسمومٍ يترصده.

ابتساماته التي اعتاد أن يوزّعها بحرارةٍ صارت اليوم متكلّفة، باهتة، لا تنجح في إخفاء ما يختلج صدره من ارتباكٍ وتوجس.

أحيانًا كان يظنّ أنّ الهمسات العابرة بين الناس تدور حوله، وأحيانًا أخرى كان يخيّل إليه أن الأعين تتجنبه، أو تراقبه بريبةٍ غير مبرّرة.

لم يعد قادرًا على التمييز بين الواقع ومخاوفه.

مع ذلك، لم يكن وحيدًا تمامًا.

جاكسون ظلّ بجانبه كعادته، يُلقي النكات ويثير الضحكات بين الزبائن، كأنه يحاول أن يسرق بعض التوتر من قلبه ويذوّبه في هواء المكان.

أما ليليث، فكانت لطيفة الحضور، لا تتكلّم كثيرًا، تأتي وتذهب كل لحظة بين المخبز ومتجر الزهور.

لكنها بلطفها وهدوئها خلقت جدارًا خفيًا يحميه من نظرات الآخرين.

لم تكن بحاجة إلى كلمات مطمئنة؛ يكفي أن يرى في عينيها ثقةً صافية، وفي وقفتها بجانبه إيمانًا لا يتزعزع ببراءته.

ومع انقضاء النهار وإغلاق الأبواب، أدرك ناثان أنّ وجودهما –كلٌ بطريقته– هو ما أبقاه واقفًا.

جاكسون بمرحٍ مفتعلٍ يُشعره أنه ما زال طبيعيًا، وليليث بلطفها وابتسامتها المطمئِنة التي واجهت عنه العالم.

حلّ المساء بهدوءٍ مبهجٍ أشبه ببطانيةٍ دافئة تغطي كل شيء.

في منزِله، الطابق الأرضي ملأه ضحك خافت من التلفاز المنخفض الصوت، ورائحة طعامٍ منزليّ تحنّت من المطبخ، وأضواء المصابيح الصفراء أعطت الغرف دفءً لطيفًا يجعلها تبدو آمنة من الخارج.

ناثان دخل وكأنّه يعود إلى ملاذٍ صغير. تباطأت خطواته ليتذوق تلك اللحظات.

روزا  تمسك كوب شاي، مارك يطالع جريدة، دافيد يلعب على هاتفه.

حركةٌ بسيطة تعيد إليه جزءًا من طمأنينةٍ ضائعة. صوت طبق يُقلب في المطبخ، همسة أمّه تطلب المساعدة، مشهدان أو ثلاثة من الودّ والألفة التي تربطه بهذه الروابط.

إذًا لا خبر بعد.

لم يسمع جرس الباب يحمل أخبار التحقيق، ولا طرقات الحي تحمل همسات الفضول.

هذا الواقع أعطاه نفَسًا قصيرًا من الراحة؛ لم تتحول الشكوك بعد إلى ضغطٍ عام، ولم يصعد الحديث في المقاهي أو على الأرصفة.

كانت البلدة، على الأقل حتى الآن، لم تصدر حكمها جهارًا.

مع ذلك، لم تكن الراحة كاملة. كان يعلم، في أعماق صدره، أن الهدوء هشّ.

إحساس المراقبة لم يأتِ دائمًا من عيون الآخرين؛ أحيانًا بدا له أن الجدران تهمس، أن صور المنزل تطالع وجهه بتعابيرٍ مختلفة، أن آذان الجيران أكثر يقظة.

فكر أن أي زائر، أو أي حمّالة طرود، قد تحمل معها سؤالًا أو نظرةً جديدة.

لكن هذا المساء كان مختلفًا قليلاً.

أمٌّ تُدافع عنه بصمت، أبٌ يَحاول أن يُخفي قلقه بابتسامةٍ قوية، وأخٌ يرمقه بعينين تمزجان بين الفضول والولاء.

كانت عائلة صغيرة تقف حوله كما تحوطه شجرةٌ بظلالها، تمنحه دفءً يكفي ليبقى واقفًا.

هو مجرّد فتاً هادئ حياته بسيطه.. علاقاتهُ مع الضحيتان لم تكن متطوّره.. وهل يُعاقب المرء على علاقاتِه..؟

جلس للحظة على كرسي المطبخ، يمسك كوبًا من الشاي دون أن يشربه فعلاً، ينتظر أن تشغله ضجيج الحياة عن السؤال الذي يلاحقه: متى ستنتقل النظرات المشكِّكة من وراء الأبواب إلى حديثٍ جهير في الشارع؟

أخبر نفسه أن اليوم مجرد اتهام بلا دليل، أن البلدة لم تنهض بعد لتحكم، وأن حياته ما تزال تحت سقف هذا البيت آمنة إلى حدٍ ما.

لكن قلبه لم يهدأ.

وهكذا نام ذلك المساء بمزيجٍ من راحةٍ طفيفةٍ وغصةٍ صغيرة.

الراحة لأن الخبر لم ينتشر بعد، والغصة لأن العين التي تراقبه قد تأتي من حيث لا يتوقع.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بَينَ أحضَانِ قاتِلَة

المؤلف مَرام الصـيّاد
2025/11/17 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة