الغرفة غارقة في صمتٍ خانق، لا يقطعه سوى همسات الريح التي تداعب أطراف الستائر البيضاء.
ضوء القمر المتسلّل من النافذة ألقَى ظلالًا باهتةً على الجدران، كأنها أطيافٌ تراقب في سكون.
على السرير كانت تستلقي، جسدها منهك كمن عبر معركة.
العرق يتصبّب من جبينها، وأنفاسها اللاهثة المرتجفة تفضح ما عانته منذ لحظات.
أصابعها تقبض على الملاءة بقوة، وكأنها ما زالت تتمسّك بالهرب من شيء يطاردها في الأعماق.
جفناها يرتجفان قبل أن تنفتح عينان داكنتان، يكسوهما بريق الذعر الذي لم يخفت بعد.
جلست ببطء، تضغط بيدها على صدرها محاولة تهدئة دقات قلبها المشتعلة.
لم يكن مجرد كابوس... كان استدعاءً قاسيًا لبدايةٍ بعيدة، لطفلةٍ صغيرة وُلدت في عالمٍ لم يفتح لها ذراعيه قط.
ذاكرتها تسحبها للخلف، إلى أوّل بيت، وأوّل وجوه، وأوّل جرحٍ لم يُشفَ...
ومن هناك بدأ كل شيء.
::::::::::::::::::::::::::::::::::: Flash back ::::::::::::::::::::::::::::::::::
وُُلدت كأي طفلة، صرختها الأولى اخترقت جدران الغرفة الضيقة، لكنها لم تكن مجرد صرخة حياة، بل كأنها محاولة لتعويض كل الصرخات التي سُتُكتم في حلقها إلى الأبد.
كانت بداية حياة لا تشبه الطفولة في شيء، بداية مسار محفور بالشقاء.
في أيامها الأولى، تولّت إحدى الجارات العجائز رعايتها، ولفترة قصيرة بدت الدنيا كأنها مكان يمكن أن يمنح الدفء.
لكن سرعان ما عادت الصغيرة إلى بيتها الحقيقي؛ بيت يبتلع كل ما هو نقي.
أبٌ سكير لا يعرف سوى قعر الزجاجة، وأمٌّ يبيعها زوجها بدمٍ بارد مقابل بضع ملاليم.
لم يكن بيتًا، بل مسرحًا للعار.
لياليها لم تعرف السكينة.
كانت تنكمش أسفل السرير الصدئ، جسدها النحيل يرتجف مع كل صوت يتسرّب من الغرف الأخرى.
أحيانًا كان الصراخ الوحشي بين والديها يقتحم سكون الليل، وأحيانًا أخرى كان ذاك الصوت البشع ــ الصوت الذي علِق في ذاكرتها كوصمة ــ يخرج من غرفة أمها.
لم يكن أمامها سوى أن تُغلق عينيها بقوة، وتحبس أنفاسها، كأن ذلك وحده قادر أن يحجب عنها حقيقة ما يجري.
لكن الخارج لم يكن أكثر رحمة.
في الشارع، كان الأطفال يبتعدون عنها كما لو أن وصمة عائلتها لعنة تنتقل باللمس.
أما الكبار فكانوا يرمقونها بنظرات احتقار، كأنها شريكة في خطايا والديها، كأنها هي من اختار أن تولد في هذا البيت الملوث.
كم مرة أرادت أن تصرخ: أنا بريئة.. لم أخترهم، لم أختر هذا العار!
لكن صوتها ظلّ حبيس صدرها، لم يسمعه أحد، ولم يشفق عليها أحد.
مع مرور الأيام، بدأت البراءة تنسحب من ملامحها الطفولية.
كل ليلة تختبئ فيها بلا جدوى، كل نظرة كراهية تواجهها، كل صفعة أو ركلة تتلقاها بصمت، كانت تُطفئ بداخلها شعلة من مشاعرها.
شيئًا فشيئًا، تحوّل قلبها إلى حجر، وصارت تتلقى الضرب بلا دموع، بلا صراخ، بلا ألم.
لم يعد في داخلها سوى برودة تزداد يومًا بعد يوم، وبذرة مظلمة تنمو في أعماقها كشتلة سامة لا يعرف أحد متى ستزهر.
ومع ذلك، بقيت تلك الطفلة حبيسة الجدران، جسدها صغير لكن عقلها أثقل من عمرها بأعوام.
في السابعة من عمرها، كان قلبها أبعد ما يكون عن الطفولة، وأبعد ما يكون عن النقاء.
وفي ليلة من ليالي موسكو الباردة، تحت سماء يغطيها الثلج ونفَس يتجمد في الهواء، تغيّر كل شيء.
رأته.
لم يكن مجرد رجل، بل كابوس يتجسد أمامها.
عينان لا تحملان سوى دفء الدّماء، يدان ملطختان بالسائل اللزق، حضور يثير الرعب والرهبة.
لكنه في نظرها لم يكن الرعب وحده؛ كان يحمل شيئًا آخر، شيئًا لا تعرف له اسمًا.
كان القاتل والمنقذ معًا، الجاني والحبيب، المعذّب والعائلة.
ومنذ أن التقت عينيها بعينيه، انقلبت حياتها رأسًا على عقب.
لقد وجدت فيه شيئًا يشبه الجحيم.. أو ربما الخلاص لطفلةٍ افتقدت الدفء..
حتّي لو كانَ ذاكَ الدفء هو دفءُ سائلٍ أحمرٍ قاني ملقّب بالدماء...!
:::::::::::::::::::
ارتجفت جفونها قليلًا، لتفتح عينيها على نفس الغرفة الغارقة في صمت الليل.
الستائر ما زالت تتحرّك ببطءٍ مع نسيمٍ بارد، وضوء القمر لا يزال مرسومًا على الجدار.
لكن صدرها كان يعلو ويهبط ببطء، كأنها خرجت لتوّها من أعماق بحرٍ مظلم.
مدّت يدها إلى جبينها المبلل بالعرق، تنفست بعمق، محاولة طرد بقايا الصور التي التصقت بذاكرتها.
لم يكن الماضي يرحمها، كلما حاولت الهروب عاد ليقبض عليها من جديد.
اعتدلت ببطء على حافة السرير، قدماها العاريتان لامستا الأرض الباردة.
وقفت أمام الخزانة، سحبت منها ثوبًا قاتم اللون، كأنه انعكاس لظلامها الداخلي.
ارتدت ملابسها ببطءٍ متزن، كأنها تُحضّر نفسها لمواجهة عالمٍ لا يعرف سوى القسوة.
حين اقتربت من النافذة، تسللت لمخيلتها صورته.
وجهه البريء، عيناه السماويتان المليئتان بصفاء لم تره قط في بشرٍ من قبل.
ارتجف شيءٌ خفي في صدرها، ويدها قبضت بقوة على حافة النافذة، حتى أبيضت أناملها.
عيناها تلتمعان ببريقٍ متناقض بين الحنين والجنون، بين الحماية والدمار.
ثم، قبل أن تدفع جسدها للهواء البارد وتقفز، خرج همسها خافتًا لكنه حاد، كأنه قَسَمٌ معقود بالدم
« لن أدع هذه الطيبة تضيع.. لن أسمح للنقاء أن يُمحى..
حتى لو اضطررتُ أن أضحّي بالعالم كلّه... »
ارتد صدى كلماتها في صمت الليل، كأن المدينة بأسرها صارت شاهدة على العهد... عهدٌ كُتب بقلبِ قاتلة...
.
.
.
.
تقلّب في سريره وهو يدفن رأسه فى الوسادة بانزعاج بسبب صوت المنبّه، لكن محاولاته بائت بالفشل فرفع ذراعه بضعف ليغلق المنبّه، ثم نهض بتثاقل فاركاً عينيه.
تحرّك نحو الحمّام ثم عندما خرج منه أخرج ملابسه المكوّنه من بِنطال جينز وتي-شيرت أسود، ثم ارتداهم وارتدى فوقهم سُتره بيضاء ثقيلة لتحجب عنه برودة الجو.
صفّف شعره الذهبي بسرعة وهو ينظر لساعة يده، ثم بخطواتٍ سريعة خرج من غرفته ونزل على السلالِم.
لمحته والدته من المطبخ لتصيح عليه وهي تخرج
« انتظِر حتّي تتناول طعامكَ بني.. »
التفتَ لها ويده مُمسكة بمقبض باب المنزل هاتفاً
« سأتناوله في المخبز كي لا أتأخّر.. »
أجابته وهي تومئ برأسها بسرعة
« إذاً انتظر لحظة.. »
دخلت المطبخ وغابَت دقائق وهو ينتظرها واقفاً وكل ثانية ينظر لساعته بقلق، خرجت أخيراً وبيدها حقيبة قماشية أعطتها له قائله بحب أموي
« هذا فطورك وغداؤك، وهناك أيضاً حصّة لـليليث وجاكسون.. »
نظر للحقيبة وهو يمسكها ثم رفع نظره لها مبتسماً وقد تبدّد قلقه أمام نبرتها، فقال
« شكراً أمي.. »
اومأت له بابتسامة مُحبّة، خرج من المنزل وعندما وصل لسياج الحديقة عند الباب الخارجي التفتَ ولوّح لها لتصيح به
« اعتنى بنفسك جيداً بني.. »
اومأ لها وهو يخرج سريعاً، نظر للحظات لمنزل ليليث المغلق ويملؤه الاستغراب، فلما ليست بانتظاره اليوم؟
نفض أفكاره بسرعة وهو ينظر لساعته مرة أخرى ويُسرع بخطواته، فلسوء حظّه دراجته منذ ذلك اليوم ولا يستعملها وكأنها تُعيد له ذكريات سيئة.
مرّت عشر دقائق ثم خمسة عشر، ثم أخيراً وصل للمخبز، فورما التفت جاكسون له قائلاً بقلق
« ناث لما تأخرت؟ هل أنت بخير؟.. »
اومأ له متنهداً براحه لأنه لم يصل متأخراً جداً، ارتدى مئزره بسرعه وقال وهو يربط خيطه على ظهره
« بخير.. هل تأخرت كثيراً؟.. »
هز جاكسون رأسه وهو يعود لمسح الطاولة متذمّراً
« حتي لو تأخرت فلا أحد يأتي كثيراً مثل البداية، حتي أنه لم يعد أحد يجلس على هذه الطاولات.. حقاً لما أُرهق نفسي بتنظيفها..؟! »
كاد يُجيبه ولكن صوتها الهادئ قاطعه
« لا تتذمر جاك، النظافة جيّدة.. »
توجها بنظريهما إليها وهي تترك الباب الزجاجي ليُغلق تلقائياً خلفها، لوّح لها جاكسون وهو يلوى فمه بحنق
« لا أحد يجلس عليها على أي حال.. هذا اسرافٌ لطاقتي.. »
ابتسمت بهدوء وهي تناظر ارفف الخبز، فيما ضحك ناثان قائلاً
« لا تقلق جاك، سنستخدمها ثلاثتنا اليوم.. »
التفت له الاثنان باستغراب وبعض السعادة لرؤيته مُرتاح ولو قليلا، فقال جاكسون وهو يلقى قماشة التنظيف على كرسي وحيد متهالك فى الزاوية
« وكيف هذا سيّد ناثان..؟! »
أخذ حقيبة الطعام من فوق المكتبة ووضعها على تلك الطاولة التي كان جاكسون ينظفها، وتحت أنظارهما المترقبة أخرج ثلاث علب طعامٍ منها قائلاً بابتسامة فخورة
« ستتناولون اليوم أشهى فطور من صُنع أفضل طبّاخه وهي أمى.. »
تحمّس جاكسون وهو يجلس على الكرسي ويسحب احدى العُلب، سرعان ما سال لُعابه وهو يستنشق رائحة الطعام المُغرية.
ضحك الإثنان عليه وسارع ناثان باغلاق باب المخبز حتي يتناولون الفطور بدون مُقاطعة، ثم جلس بجانبهما على الطاولة.
كانت كل علبة تحوى بها قطع بسكويتٍ دافئة وخبز منزلي، بالإضافة إلى الجبن والزبد والبيض المقلي بشكل قلبٍ شهي.
شرع الثلاثه فى تناول طعامهم بتلذذ، لكن ناثان لاحظ شيئاً غريبا فى ليليث لأول مرة، هناكَ هالات سوداء أسفل عينيها وإن بدت غير واضحه جداً بسبب مساحيق التجميل الخفيفه التي تضعها.
ساوره القلق عن سبب هذه الهالات، ليتسائل مُحاولاً اخفاء قلقه
« ليليث.. ألم تنامي أمس؟.. »
رفعت رأسها له وهزّت رأسها بنظرات مستغربة
« نِمتُ قليلاً... لما؟ »
هز رأسه أنه 'لا شيء' فأكملت طعامها بدون أن تهتم لسبب سؤاله، أما هو فنظر لها للحظه ولملامحها الملائكية البريئه، التي من الصعب مُلاحظة ذاك الإرهاق الذي يكسوها وتُجاهد بإخفاءه.
لكنّه حاول إلقاء قلقه جانباً والاستمتاع بطعام والدته اللذيذ الذي لا يتوقف عن ادهاشه كل مرة يتذوّقه.
أما جاكسون فهو كان منغمس فى إلتهام ما بعلبته، ولم يُعر اهتماماً لحوار الاثنين أو هالتهم الغريبة..
أبعد العلبه عنه أخيرا واضعاً يده على معدته منتشياً
« هممم لقد امتلأت حقاً... فطورٌ هذا أم ماذا؟!.. لا أظن أننى سأتناول شيئاً آخر اليوم.. »
حرك ناثان رأسه ساخراً
« أُراهن أنه بعد خمس دقائق ستقول أنك جائع وتلتهم الخبز الموجود كلّه.. »
لوى المعنيّ شفتيه بحزن قائلاً
« أنتَ قاسٍ حقا ناث.. تعلم أنني ذو شهية مفتوحة. »
اومأ له ناثان بمسايره وهو يغلق علبته الفارغه ويدثها فى الحقيبه
« نعم نعم.. لدرجة أنك قادر على إلتهامي شخصياً دون فقدان شهيتك هذه.. »
ضحكت ليليث على عراكهما اللفظي، قبل أن تهم بالنهوض قائلة وهي تنفض فستانها
« يُعجبني الجلوس معكم، لكن لا يمكنني ترك فيليكس وحده فى المتجر طويلاً فهو لا يستطيع التعامل مع الزبائن... »
أومأ لها ناثان فيما علّق جاكسون وكأنه يحوّل الحديث عنه
« لا أعلم ما فائدة زميلك هذا.. عوضاً عن أن هذا المتجر تم افتتاحه منذ شهر أو أقل، فهو يوظّف مثل هذا الشخص الغير كفء.. »
أجابه ناثان بحدّة صغيره وهو يسير باتجاه الباب ليُدير تلك اللوحه
« أولاً لا تتكلم عن شخص في غيابه، ثانياً لا دخل لك به.. »
هز الأخير رأسه بضجر وهو ينهض ويمط جسده وكأنه يستعد لحرب لا لتغليف طلبات.
بينما ابتسمت ليليث ابتسامه صغيرة لهم وهي تودّعهم خارجة من المخبز.
توجهت لمتجر الزهور، لكنها توقفت لحظة أمام صندوق الجرائد، لتحمل واحده وتسير بنظراتها على كلماتها.
وعندها ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجهها وكأنها وجدت ما يُسعدها، لفّتها وأخذتها معها لداخل المتجر.
استقبلها فيليكس قائلاً بتذمر
« تذهبين للجلوس مع حبيب القلب وتتركيني هنا أُعاني من هؤلاء البشر الحَمقى.. »
تقدمت باتجاه زهور الأقحوان وكأنها لم تسمعه، وبدأت فى دندنة أغنيةٍ هادئه، بينما هو وقف قليلاً يتأمل ملامحها السعيده تلك، ثم نظر بينها وبين الجريدة التي وضعتها على المكتب.
أمسكها وهو يحدق بها بشك متسائلاً عن سبب سعادة زميلته..
لكنه سرعان ما رفع نظراته لها مرة أخرى متأملاً ابتسامتها وسعادتها الحقيقية وهي تستنشق عبير الزهور وتدندن أغنية غريبة لكنها تحوى سعادة مريبه فى طيّاتها..
تنهد وهو يضع الجريدة على المكتب مرة أخرى، ثم عاد للجلوس على كرسيّه خلف المكتب ممسكاً بهاتفه يتصفحه بملل..
وبين دندنة ليليث السعيدة ورائحة الزهور المُبهجة، تسللت الرياح بخفةٍ لتجعل تلكَ الجريدة المُقفله تنفتح على أوّل صفحاتها.. ثم كأنّها توّجست ممّا فيها، هدأت تماماً لتتركها مفتوحه كما هي..
ومازالت ليليث تغنّي للزهور، وفيليكس يتصفّح هاتفه بملل، ورحيق الزهور يملأ المتجر بعبقٍ جميل..
وعلى رأس تلكَ الصفحة.. كُتب بالخط العريض
[ اختفاء المحقق براون هارولد فجأة بدون أي أثر ]
وأسفله قبعت صورة رجلٍ بملامح رجولية واثقه وشعرٍ قصير مرتب بعناية ويزيّن وجهه شارب ولحية صغيران مناسبان لرجلٍ فى بداية الثلاثينات.. ويرتدي بذلته الرسمية... وعلى الطرف الأيمن من الأعلي للصورة، وُضع شريطٌ بلونٍ رمادي...
اختفي.. أم..؟!
مَرام الصـيّاد