تسلّلت أشعة الشمس بخفّة من بينِ الستائر الزرقاء لتسقطَ على وجه ذاكَ النائِم بهدوء.
رفرفت رموشه بإيقاعٍ بطيء، قبل إنفصالِ جفنيهِ ليكشفوا عن مقلتانِ بلونِ السماءِ الصافيه تشوبها نظرةٌ مُرهقة.
تحرّك بتثاقلٍ وهو يرمُق غرفتهُ بشيءٍ من الإستغراب، قبل أن يهمس لنفسهِ بإرهاق
أَيُمكن أن يكونَ مجرّد كابوس؟!»
لكن ظلّ سؤالهُ معلقًا بينَ الشكّ واليقين، كلّ ما رآهُ، كلّ ما شعرهُ، ملمسُ تلكَ الرأس المذعوره على صندله، عينَا ذلك المجهول الحادّه السوداء ونظرتهُ الشرِهة للدماء.
كانَ حقيقيًا، حقيقيًا حدّ الفَزَع.
لكنّه حاوَل إقناع ذاته أنّ كلّ هذا كابوسٌ مُريع، فـها هو الآن، نائمٌ على سريره، ملابسهُ نظيفه ومُختلفة، ولا أثر لشيءٍ سوى بذاكرته.
وبينما هو شاردُ الذهنِ مستندًا بظهرهِ علي جدارِ السرير، طُرق الباب ثلاثَ طرقاتٍ مُتتالية، ليَسمع بعدها صوتَ أخيهِ الكبير يستأذنُه للدخول.
أجابه بنبرةٍ مبحوحه أثر النومِ، ليُفتح الباب سريعًا ويدخل أخاهُ ذا الثالثة وعشرونَ عامًا.
ابتسمَ له أخاهُ بشيءٍ من القلق قائلًا
«هَل أنتَ بخيرٍ الآن ناثان؟»
انكمشَ حاجباهُ بإستغرابٍ نابسًا وعيونهُ معلّقة على أخيه الذي اقتربَ منه
«بخيرٍ الآن؟... لما؟... ماذا حدَث؟»
نظَرَ أخاهُ للبابِ لثانية قبلَ أن يعودَ ببصرهِ له هامسًا
«لقَد وجدتكَ أمس فاقدًا للوعي على قارعةِ الطريق ودرّاجتكَ ساقطه بجانبكَ، لذا أحضرتكَ وبدّلتُ ملابسكَ قبلَ أن تنتبه أمّي لشيء فأنتَ تعرفُ قلقَها»
راقَب انكماش ملامِح ناثان بقلق وكأنّه يفكّر في شيءٍ يُثير خوفه، ليُسرع بالسؤال وهو يقبضُ على يديه
«أخبرني أخي، كيفَ فقدتَ وعيكَ هكذا؟ ولما كان هناكَ آثارٌ للدماء على ملابسك؟... هل حدث لكَ شيئًا؟»
انتبهَ الآخر لقلقِ أخاه، ليربّتَ على كفّه بابتسامةٍ مهزوزه وهو يقول بنبرةٍ حاول جعلها هادئة قَدرَ الإمكان
«لا تقلق دافيد.. كنتُ مرهقًا من العمل فقط، والدماءِ كانت لجرحٍ أصيبَ به أحدُ الزبائنِ ولطّخني...»
لم يبدو على دافيد أنّه اقتنعَ بمبرّراتِ أخيهِ الصغير، لكنّه لم يضغَط عليهِ أكثَر وهو ينهض مربتًا على شعرِ الآخر ذو اللون الأشقر
«حسنًا ناث... انتبه لنفسكَ جيدًا من الآنَ وصاعدًا.. سأذهبُ الآنَ حتّي لا تشكّ أمي في شيء..»
اومأ له الآخر بابتسامةٍ واهنه وهو يراقب ظهرهُ الذي يبتعدُ عنه، حتّي اختفي تمامًا من ناظرَيه.
جلس ناثان على حافة سريره، عيناه معلقتان على المكان الذي اختفى فيه أخوه، قلبه يخفق بسرعة غير معتادة، كل خفقة تذكره بما حدث بالأمس، والذي أيقنَ أنّه لم يكنْ كابوسًا.
حاول أن يتنفس بعمق، لكن الهواء بدا ثقيلاً، وكأن أثر الدماء والصدمة لا يزال يملأ كيانَه.
رفع يديه إلى وجهه، يفرك عينيه، محاولًا محو الصور المروعة من ذاكرته: الرأس المقطوع، الدماء المتناثرة، عينا القاتل المليئتان بالشهوة والشر.
كل محاولة للتهدئة باءت بالفشل، وخفقان قلبه ظلّ يتسارع.
شعر بالوحدة تتسلل إليه، ومعها إحساس بالخطر المستمر، وكأنّ كل زاوية قد تخفي ما لا يُتوقع.
ظل ساكنًا، صامتًا، يحاول ترتيب أفكاره، بينما صدى تلك اللحظة المرعبة لا يغادر ذهنه.
.
.
.
.
.
الغرفة مظلمة، إلا عن ضوء المدفأة المشتعلة الذي يكسو الجدران بوهجٍ دافئ، ليكشف جزءًا من الأثاث الفخم ذو الطراز الفكتوري، المقاعد المزخرفة، والسجاد العميق الذي يغطي الأرضية.
أمام المدفأة، يجلس شخص في كرسي هزاز، ملفوف بالكامل بالسواء من الرأس حتى القدمين، ومع ذلك تظهر منحنيات الجسد بوضوح، مما يدل على أنها فتاة.
في يدها كأس بِه سائلٌ أحمر قاتم، لا يُعرف ماهِيته.
يميل بين أصابعها بلا مبالاة، وعيونها الحادة مثبتة على النار، وخُصلةٌ نارِية تسقُط علَى كتفِها تتوهّج تحت ضوءِ النار، تائهة في شرود بعيد، وكأنها تغوص في عالمها الخاص، غير مدركة بالزمان أو المكان.
صدَرَ صوتٌ خفيف إثَرَ فتحِ البابِ بهدوء، سُمعت خطواتٌ متأنّية تتجه نحوَها، لكنّها لم تحرّك ساكنًا، وكأنّها لا تشعر بِما يحدثُ حَولها.
«أَمازِلتِ تُفكّرينَ به؟»
لم تلتفتْ له، اكتفتْ فقط بهمهمةٍ خفيفة بحنجرتِها البارده، ليتّخذَ كرسي آخر جالسًا بجانِها قائلًا
«وهَل تقعُ قاتلة بالحبّ؟»
رفعَت عيونُها ببطءٍ تجاههُ، وتوقّفت يداهَا عن تحركِ الكأس، ولم تنطِق بكلمةٍ واحده.
ليتنهّدَ وهوَ يمدّ يدَه الخشِنه للتربيتِ على قُلنسوتِها قائلًا بنبرةٍ هادئه
«أعلَمُ يا صغيرتي ما تُفكّرينَ به، ولنْ أمنعكِ عنهُ، لكنْ فالتأخذي حذركِ فالحبّ مؤلِمٌ لأمثالِنا»
اومأت له وقد ظهَر شبحُ ابتسامةٍ على شفتيها، اللتانِ تحركَتا بنبرةٍ هادئه وكأنّها قادِمة من أعمقِ خَندق
«شُكرًا»
مَرام الصـيّاد