هذِه المرّة كان مكتب التحقيقات يتوهّج بالتوتر، وقف براون أمام رئيسه وقال بعد تأدية التحيّة الرسمية
« تمّ التأكد من الضحية سيدي.. لا يوجد أي أثر لا لبصمة أو تحركات.. والطب الشرعي أكّد أنّها ماتت بصدمة عصبية.. ما يُرجّح أنّ القاتل فعل هذا بها بعدما أصابَها بالصدمة.. »
لم يتلقّى إجابة من رئيسه، الذي يجلس علي كرسي مكتبه بصمت وهو مغمض العينين، هادئ لدرجة أقلقَت من يقف أمامه.
ناظَر براون المحقّقين الواقفين بجانبه ليلاحظ أنهم بذات توتره.
لكن أنظاره عادت مرة أخرى لرئيسه الذي قال ببرود وهو يفتح عينيه
« هذا يعني أنّ القاتل مازال بأمان..؟ »
ابتلع براون ريقه وهو يومئ برأسه، ليهمهم الرئيس بتفهّم، قبل أن يسأل وهو يمسك بأحد الأقلام أمامه
« ممّا يدل أنّك فشلتَ في مهمّتك؟.. »
حاولَ براون تبرير فشله، لكن قبل أن ينطق بكلمه كان القلم مغروزًا في الأوراق على المكتب وصوت رئيسه الغاضب هزّ أرجاء المكتب
« ألَم أخبركَ أنني لا أريد ضحيّة مُشابهه؟.. ألا تكفي تلك البشاعة؟!.. من يرى ثقتكَ وأنت تقول إنك ستتبّع كل الخيوط لا يراكَ الآن وأنتَ تأتي لي بأخبار فشلك.. »
تشوّهت ملامح براون وهو يُخفض رأسه ويشد على قبضة يده بغضبٍ مكبوت، لم ينطق بكلمة.
ليقول الرئيس مرة أخرى بنبرة أقل علوًا لكن الغضب بها مازال حاضرًا
« أتعلَم ما المشكلة؟.. أنّ لا خيوط تتبعها، ذاكَ القاتل لا يترك خلفه أي أثر، لا بصمة، لا حركة، لا أداة.. فقط جثّة ميّته بصدمةٍ عصبية ومشوّهه وقلبها مُنتزعٌ من مكانه... لا يوجد دليل.. إذًا أخبرني كيف سنمنع الجريمة التالِية؟! »
رغم حرجه من صراخ رئيسه عليه، لكنه رفع رأسه وهو يقول بخفوت وثقة وكأنّه يحاول استرداد كرامته التى سُحقت
« أنا لديّ شك في شخصٍ ما.. وأعتقد أنّه القاتل.. »
جلس الرئيس مرّة أخرى على مقعده وهو يسأله
« ومن هو؟.. »
أجابه براون بثقةٍ أكبر وهو يقدّم له بضع ملفات
« اسمه ناثان مارك ساميت.. شاب بالثانية والعشرين من عمره.. يعمل في مخبز.. لكنّه كانَ حاضرًا في ملف الضحيتين.. »
تصفّح الرئيس الأوراق فى يده قليلًا قبل أن يومئ له، ليتابع الآخر
« في القضيّة الأولى ذُكر أن الضحية كانت تُلاحقه باستمرار.. وربّما قتلها بسبب ذلك، والقضية الثانية ذكرت صديقة المجنيّ عليها أنّ آخر مرّة رأتها بها كانت في مطعم وعلمت أنها تحب ذاك الفتي... لكن بعدها لم تستطع الوصول لها وعندما سألت عائلتها أخبروها أنها لا تخرج من غرفتها كثيرًا و.. »
قاطعه الرئيس مشيرًا بيده
« أفهم قصدك.. لكن هل تظن أن هذه أسباب معقوله لقتلهم؟.. »
« أعرف هذا.. لكن منذ متي والقتَلة يبحثون عن أسباب منطقيّة للقتل؟.. »
همهم له الرئيس بفهم، مدّ له الملفات مرّة أخرى وهو يقول
« افعل ما يلزَم.. المهم أن نُمسك ولو طرَف الخيط.. »
اومأ له براون، لكن قبل أن يتحدث مرّة أخرى أشار له الرئيس بنبرة تهديد واضحة
« ولعلمكَ هذه آخر قضيّة تمسكها متعلّقة بهذا القاتل وآخر محاولة لك... إن لم تنجح فقُل لحياتكَ الهنية وداعًا.... »
اومأ له براون وفي قلبه توتر بسبب التهديد، قبل أن يؤدّي التحية هو ومن معه، ثم خرج من المكتب وهو يغلق الباب خلفه متمتمًا بهمس ساخط
« ذاكَ القاتل اللعين... »
لكن لربّما لن يكون توديعًا لحياته المهنية فقط...
.
.
.
.
أمّا عند ناثان، فقد كان يقف أمام طاولة ويمسح عليها بالقماش، لا يدرى بأيًا من الشكوك التي تدور حوله، وبجانبه جاكسون ينظّف طاوله أخرى وهو لا يكف عن الثرثرة.
ثم بلا سبب فتح موضوع مقتل جاكلين، فقال بأسَى وهو يحرك الممسحة بعشوائية
« حقًا الأمر مُحزن.. كانت فتاة لطيفة جدًا وقد اعتدتُ عليها هنا.. »
اومأ له ناثان وهو ينتقل لطاولة أخرى قائلًا
« هذا أمرٌ مريع نوعًا ما.. أقصد طريقة القتل.. »
أيّده جاكسون، ثم قال وهو يمسح يداه في مئزره
« أعتقد أنهم سيستجوبوننا جميعًا هذه المرّه.. فهي زبونتنا المُعتادة.. »
تمتم ناثان بخفوت وهو يلقي بالممسحة على طاولة صغيرة فى الزاوية
« أتمني أن يمر الأمر على خير.. »
لكن قاطع كلامهم فتح باب المخبز، التفت الإثنان كي يرحّبوا بالزبائن، لكنهم اندهشوا عندما رأوا رجل يرتدي زي محقق الشرطة يقف أمامهم.
تمتم جاكسون بهمس
« يبدو أن الأمر بدأ.. »
تحدّث ذاك المحقق بصرامة وهو يناظرهما
« أيكما هو السيد ساميت؟!.. »
نظرا لبعضهما بدهشة قبل أن يرفع ناثان يده قائلًا بحيره
« إنّه أنا.. هل هناك شيء؟.. »
أجابه المحقق بشيء من الحده والغطرسة
« ستأتي معي للقسم للإستجواب.. »
شعر جاكسون بالضيق من نبرته ليقول مدافعًا عن صديقه الذي تصنّم مكانه
« لكنّه ليس مجرمًا ليتم استجوابه.. ويمكنكَ قولها بطريقة أفضل بدل هذا التعجرف.. »
حدّق ناثان بين صديقه والمحقق الذي قال بنبرة لزجة مستفزّة
« هذا أمر قانوني.. أما طريقتي فهي حريتي الشخصية وأتكلّم كما أريد.... هيا سيد ساميت وإلا ستزداد الشكوك حولك.. »
استعد جاكسون للرد عليه مرة أخرى بضيقٍ واضح، لكن يد ناثان أوقفته وهو يقول بهدوء للمحقق
« حسنا سآتي حالًا.. »
ناظره المحقق من الأعلى للأسفل قبل أن يقول مُستديرًا
« سأنتظركَ بالخارج.. »
فور خروجه انقض جاكسون على ناثان بعتاب قائلًا
« لما لم تتركني أوقفه عند حدّه؟ وكيف ستذهب معه ولما سيستجوبك؟.. أنت لست.. »
لكن ناثان قاطعه بابتسامه مطمئنة وهو يمسك كتفا الأخير
« لا تقلق جاك.. هو مجرّد استجواب بسيط وسيمر لا داعي لكل هذا القلق.. تعلم مجرّد إجراءات روتينية.. »
لكن كلماته لم تمنع جاكسون من القول بقلق واستسلام
« أتمني أن تكون هكذا حقًا.. »
خلع ناثان مئزره وابتسم ليطمئن صديقه ولو قليلًا قبل خروجه.
لكن جاكسون ظلّ يحدّق فيه وهو يركب سيارة ذاك المحقق من خلف زجاج الباب الشفاف
« أتمنّى أن يكون شيئًا بسيطًا ناث.. »
لكن فجأة قوطع شروده بصوت ليليث وهي تفرقع أصابعها أمام وجهه
« هييي جاك هل أنت هنا؟!.. »
هز رأسه بقوة كي يفيق، قبل أن يقول بابتسامة باهته قليلًا
« أوه لِيلي.. منذ متي وأنتِ هنا؟.. »
أجابته باستغراب من حالته
« هممم منذ دقيقتان تقريبًا وأنت شارد.. ماذا بك؟.. »
تنهد وهو يستند بذراعيه على الطاولة الزجاجية الخاصة بالكاشير، ثم قصّ عليها ما حدث.
تمتم بقلق واضح وهي تضع يدها على قلبها
« لعلّه خيرًا بإذن الله... »
قرّرت البقاء معه حتي عودة ناثان لتطمئن عليه، فانشغل هو مع الزبائن وهي جلست على أحد الطاولات بهدوء شاردة الذهن.
مرّت ساعات وشعروا أنّها كالدهر، حتّي أخيرا دخل ناثان وظاهرٌ عليه الإرهاق الشديد وهناك هالة غريبة تحوم حوله.
اقترب منه الإثنان فورًا وتحدّثت ليليث وهو تمسك بوجهه
« ناث، هل أنت بخير؟.. هل فعلوا لك شيئًا؟.. »
لم يجبها، فقط اكتفى فى التحديق بوجهها بهدوء يائس، ثم خرجت تنهيدة منه وهو يمسك يداها ويبعدهما بلطف
« لا لم يفعل أحد لي شيئًا.. »
سار متخطيًا إياهم باتجاه أقرب طاولة وألقى جسده على الكرسي بارهاق، ليقتربا منه بقلق، قال جاكسون وهو يجلس على كرسي بجانبه
« إذا ما سبب حالتكَ الواهنه هذه؟!.. »
قال ناثان بارهاق
« يشكّون بي.. »
نظر الإثنان لبعضهما بعدم فهم ودهشة، ليقول موضّحًا
« يشكّون أنني القاتل.. »
توسّعت عيونهم بدهشة، فيما صاح جاكسون
« أَهم مجانين؟.. أنت حتي لا علاقة لك بهما... »
هز ناثان رأسه بيأس قائلًا
« لا أعرف... قال لي ذاك المحقق أنني مشتبه به رسميًا.. أما الأسباب فتبدو تافهه لكنّه يتحجج فقط أن القاتل لا يحتاج أسبابًا للقتل.. »
سألته ليليث بشك
« هل هو ذات المحقق الذي أتى هنا في قضيّة هانا؟..»
اومأ لها بتأكيد، ربّت جاكسون على كتفه متنهّدًا
« لا تقلق.. بالتأكيد التحرّيات ستُظهر الحقيقة وأنك لستَ الفاعل.. »
هزّ ناثان رأسه بوهن، ليحثه جاكسون على أخذ بقية اليوم راحة ويعود للبيت ومديرهم لن يهتم بما أنه لا يأتي للمكان كثيرًا.
أيّدت ليليث فكرته ليستسلم فى النهاية تحت إلحاحهما، وذهبت معه ليليث بعدما أخبرت زميلها فى العمل أنها ستأخذ بقية اليوم إجازة لأمر طارئ.
بينما ناثان لم يتوقّف عن التفكير لحظة.
لما أصبح فجأة مركز كل الأحداث؟.. لما هو مشتبه به؟... لا يوجد أي دافع لديه حتي لقتلهم..
هو يخاف من أفلام الرعب ومنظر الدماء.. ومازالَت الكوابيس تزوره كل مدّة بسبب ما رآه تلك الليلة.. فكيف وهو القاتل؟!..
هل كان كل شيء صدفة؟.. أم مدبّرًا؟... أم ربّما خطئًا؟
مَرام الصـيّاد