« 8 »

« 8 »

8 0

لم يستغرقا وقتًا طويلًا حتي توقفت سيارة الأجرة أمام باب المطعم الذي يبدو بسيطًا لكن يحمِل طابعًا دافئًا.

دلَفا للمكان بابتسامة لتُقابلهم تيارات الهواءِ الباردة من المكيّفات، ورائحة الطعام اللذيذ المُنتشرة في الأرجاء، والحديث والضحكات التي تملأ المكان بالأُلفة.

كانَ يبدو كـمعطم مخصّص للأحبّاء أو الأصدقاء، أو حتّي العائلة.

اتخذا طاولة لاثنين بجانبِ النافذة المطلّة على الطريق، وجاءَ النادل مُسرعًا بابتسامته ومدوّنته الصغيرة ليأخذ طلبهما.

طلَبت ليليث طبقَ سلطة صغير وكوب عصير، بينما ناثان طلَب حساءًا لذيذًا.

سارَ النادل مُبتعدًا عنهما، ليسأل ناثان بابتسامة هادئة

« ما رأيكِ بالمكان؟ »

تأمّلت ابتسامتهُ للحظه، قبل أن تُجيبَ بنبرةٍ هادئة

« جميلٌ جدًا ودافئ »

اومأ لها مُوافقًا وهو يُناظر أرجاءَ المكانِ بنظرةٍ دافئة

« هذا المطعم اعتدتُ أنا وأصدقائي من الجامعة أن نأتي له دائمًا، مكانٌ يُعيد إليّ ذكريات جميلة »

لم تَكن مُنتبهة لأيٍ مما قال، كانَ تركيزها منصّبًا على ملامحه وابتسامتِه اللطيفة، التي تمنّت لو يُظهرها لها هي فقط.

لكنّها أجابت بهدوء

« هو مكانٌ يبعثُ على الراحة فعلًا »

دقائق مرّت حتّي أتت طلباتهما، فـ بدآ الإثنانِ في تناول الطعام بهدوء.

حتي قطعه ناثان متسائلًا

« لِما لم تطلبي شيئًا آخر؟! »

أجابته بهدوء

« لستُ ذاتَ شهية كبيرة »

ابتسم لها قائلًا بمرح وعفوية

« لا عجب في إمتلاككِ لمثل هذا القوام المتناسق »

ابتسمت له بخفة وهي ترفع حاجبًا، بينما هو ترك الملعقة من يده نافيًا بارتباك حينما أدرك ما قال

« لا.. لا أقصد شيئًا سيئا.. لا تفهميني خطأ.. »

هزّت رأسها وحدّقت في طبقها قائلة بهدوء

« لا بأس.. »

صمتا مرّة أخرى، وقُطع مرّة أخرى بقول ناثان

« أريد أن أسألكِ شيئًا... هل تسمحين؟ »

اومأت له ليُكمل بفضول

« أينَ عائلتكِ؟... لم تتحدثي عنهم أبدًا من قبل.. »

أظلَمت ملامحها لوهلةٍ لا تُري، قبل أن تُجيبه بهدوء وهي تحوّل بصرها للنافذة تُراقب المارّين فى الشارع

« ميّتون.. »

ارتبكت ملامحه وهو يقول بحزن

« أوه.. آسف لم أقصد تذكيركِ »

هزّت رأسها بدون رد، أمّا هو فآثر الصمتَ مكملًا حساءهُ وعيونه تتجه لها بينَ كلّ لحظةٍ وأُخرى.

ثم بعدَ مدة استأذَن للذهابِ للحمّام، فأومئت له فـذهب.

فيما انشغَلت هي بهاتفها تقلّب فيه بلا هدَف.

قَبل أن يظهر على شاشته إتصالًا واردًا باسم تحفظهُ عن ظهر قلب.

ضغطَت زرّ الإجابة ورفعَت الهاتف على أذنها، ليأتيها صوته الرجولي الذي اشتاقتهُ بقوّة قائلًا بنبرته العميقه

« كيفَ حالكِ صغيرتي؟ »

ارتسمت ابتسامة نادرة على وجهها وهي تُجيبه

« بخير... وأنتَ؟ »

سمعَت تنهيدتُه من الطرف الآخر قبل أن يقول مجيبًا

« أشتاقكِ جدًا لا أُنكر صغيرتي... لما لا تأتينَ لزيارتي؟.. أم أنّ حبيبَ القلب ذاك أخذ كلّ وقتكِ؟ »

نظرت أمامها بهدوءٍ وهي تُجيبه بأُلفة

« أبدًا... سآتي لكَ قريبًا بالتأكيد »

أجابها بنبرةٍ هادئة عميقه تخلّلتها سعادةٌ مُبهمه

« أتمنّي ذلكَ أميرتي.. »

أغلقَت المُكالمة بعدَ حديثهما القصير، لكن قبل أن تضعهُ على الطاولة توقّفت يدها تلقائيًا حينما تسلّلت جملةٌ بنبرةٍ أنثوية مُنزعجة لمسامعها

« لا أعرف ما الذي يُعجبكِ بفتي المخبز ذاك... هو مجرّد فتًا بسيط برغم وسامته »

حوّلت بصرها بحدّة باتجاه الصوت، لترى تلكَ الفتاة التى قابَلتها خارجَ المخبز صباحًا عندما كانت تدخل، وأمامها فتاةٌ أخرى يبدو أنها صديقتها وهي من تحدّثت.

« أنتِ لا تفهمين... أنا أحب بساطتهُ تلك، ابتسامتهُ اللطيفة، عيونهُ عندما تُصبح هلالًا مُبتسمًا، رموشه الكثيفه... »

لوّحت صدقتها بضجر قائلةً

« أنتِ مجرّد مراهقة حقًا.. »

أجابتها الفتاة وهي تُشير باصبعها بتحدي

« سترين... سأعترفُ له ولنرى من هي المُراهقه.. »

شقلبَت رفيقتها عيونها بملل، لكنّها انتبهت لناثان الذي خرج من ممرّ الحمام لتقول

« أليس هذا هو معشوقكِ؟ »

نظرت ليليث بالإتجاه الذي أشارت عليه، لترى ناثان يتقدّم منها لتتحوّل ملامحها تمامًا لابتسامةٍ لطيفة هادئة وكأنّها لم تسمع ما يُثير شرّها الآن.

قال بابتسامةٍ وهو يجلس أمامها

« آسفٌ على التأخير »

هزّت رأسها بلا بأس، ليتبادلَا أطرافَ الحديث عن أيّ شيء، لكن نظراتها كانت تنحرف بين كل لحظة لتلكَ الفتاة ورفيقتُها، ونظراتُها لا تُبشّر بخيرٍ أبدًا.

ابتسامتُها مثلَ صفحةِ ماءٍ صافية... لكن تحتَها يختبئ ركودٌ خطير.

.

.

.

.

أثناء عودتِهم في الليل، وعندما وصلوا أمام منازلهم، ودّعها ناثان بابتسامة قائلًا

« كانَ يومًا جميلًا لِيلي.. عمتِ مساءًا »

ردّت له الجملة وهي تسير باتجاه باب منزلها الصغير مغلقةً السياج خلفها.

بينما هو أيضًا اتجه لمنزله.

حينما أغلق باب المنزل، لم تمر دقائق حتّي فُتح باب منزلها مرّة أخرى، لكن المُختلف أنها كانت ترتدي رداءًا عليه هَودٌ يُخفي وجهها وملامحها.

رفعت الهاتف لأذنها وهي تُغلق باب السياج قائلةً

« أنا قادمةٌ لكَ الآن »

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بَينَ أحضَانِ قاتِلَة

المؤلف مَرام الصـيّاد
2025/11/17 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة