لم يكن الغياب شيئًا جديدًا في هذه البلدة... الناس يرحلون فجأة كما لو أنّ الأرض ابتلعتهم، وتبقى الحكايات مجرّد همسات تتردّد في الأزقّة.
لكن الغريب لم يكن في اختفاءاتهم بقدرِ ما كان في حضوره هو، الشاب البسيط الذي وجد نفسه، بلا قصد، محورًا لكل هذه الحوادث المريبة.
كل من اقترب منه كثيرًا اختفى، وكل ابتسامة صادقة وُجّهت إليه انطفأت في لحظة.
لم يفهم أحد كيف، ولم يستطع هو أن يجد تفسيرًا.
أحيانًا كان يسأل نفسه: هل أنا منحوس إلى هذا الحد؟ أم أنني مراقَب بعين خفية تنتظر اللحظة المناسبة لتنتزع من حولي كل شيء؟
هو لم يكن يعرف أن هناك من يراقبه من بعيد، بعينين تعرف كل تفاصيله، وتحفظ خطواته، وتتنفّس أنفاسه كما لو كانت له.
لم يكن يعرف أن تلك الملامح الهادئة التي تبتسم له كل صباح تحمل في أعماقها وعدًا أبديًا: أن يبقى لها وحدها، مهما كلّف الأمر.
هي لم تكن تبحث عن الحب، كانت تبحث عن امتلاك... عن حضن لا يشاركها فيه أحد.
وما لم يفهمه العالم، أنها حين أحبّت لم تعد تعرف سوى لغة واحدة: التضحية... لكن من أجلِها هي، وبطريقتها وحدها.
ولم يكن هو يدري، وهو يبتسم في المرة الأولى، أن النهاية قد كُتبت بالفعل.
لم يكن يدري أن تلك اللحظة الصغيرة كانت بذرة لقدر أسود، سيكبر ببطء حتى يبتلعه.
ويبقى السؤال الذي لا إجابة له: حين تأتي اللحظة الأخيرة... هل سيجد نفسه بين ذراعيها حقًا، أم سيكتشف أن الحضن الذي طالما انتظره لم يكن سوى حضن قاتلة؟
.
.
.
.
.
.
.
الليل في موسكو كان هادئًا نسبيًا، الأضواء الصفراء تنتشر على الأرصفة الرطبة وتنعكس على الحفر الصغيرة في الطريق.
الهواء بارد لكنه منعش، يحمل رائحة القهوة من مقهى قريب، مع صوت خفيف لعجلة دراجته على الرصيف.
كان فتًى يركب عجلته البسيطة بسرعة محسوبة، يسرع بين السيارات المنتظرة عند الإشارات.
نظرته توقفت للحظة على ساعته في المعصم، وعرف أنه تأخر عن البيت.
تذكر تحذيرات والدته عن هذه الأزقة الضيقة، لكن الوقت كان ضيقًا والاختصار الوحيد هو الانعطاف يمينًا، إلى زقاق أول، ثم آخر، يلتف بين المباني القديمة.
استمرّ في الممرات الخالية من البشر، حتى وصل لشارعٍ يفصله عن منزله شارعٌ آخر، لكن نبض قلبه بدأ يرفرف بإيقاع غريب.
الجو في هذا الشارِع ساكن حدّ القلق، لا يُسمع صوت سوى عجلات دراجته وهي تسحق الحصى، والهواء باردٌ جدًا رغم ارتدائه لمعطفٍ ثقيل، والمباني مهدّمة بلا ملامح.
لعن بصمت اتخاذه لهذا الطريق الخطر، فلطالما حذّره والده من استخدامه لما يحدث به من جرائم، وكان منذ صغره يسمع عن وحشٍ يعيش هنا ويقتل كل من يجرؤ على دخوله.
لكنه الآن كبير، ولا يصدق مثل هذه الترّهات... حتى هذه اللحظة.
فجأة، شعر أنه لم يعد وحيدًا.
خطوات راكضة خلفه، ارتفعت بسرعة، فالتفت بوجهه فزعًا ليرى رجلًا يركض، ملامحه مذعورة وكأن الموت يلاحقه.
اصطدم الرجل به بقوة، لكنه عاد للنهوض والركض مرة أخرى تاركًا الشاب ساقطًا على الأرض.
صوت الرجل ارتفع خلفه تاركًا صدًى
ـــ اهرب وإلّا ستقتلكَ.
لم يعرف الشاب لمن قال، ولم يدرك من ستقتله تلك التي يقصدها الرجل.
نهض بهدوء، دافعًا الدراجة عن جسده، وبينما يعدّلها، رأى شيئًا يمر كالريح من جانبه... ظل شخصٍ يركض بسرعة خارقة نحو الزقاق الذي اختاره الرجل.
لم يدع نفسه للتفكير كثيرًا وأخذ القلق يتسلل لقلبه، لينصاع أخيرًا له ويترك دراجته تسقط علي الأرض وهو ينطلق راكضًا فى نفس اتجاه الزقاق الذي دخله الإثنان.
لكنّه لم يصدّق عينيه حين أبصر بين الظلال ما كان يخشاه.
عند قدمه، تدحرجت رأسٌ بشرية تقطر دمًا، تلامس حذائه.
أمامه مباشرةً، جلس المجهول على جسد الرجل المبتور، يده تغوص في عنقه المقطوع، والدماء تتفجر في المكان، تنتشر على الجدران والأرضية.
توقف قلبه لوهلة، لم تعد قدماه تحمله.
أراد الفرار، النجاة، لكن عيونه المصدومة التقت بعيون القاتل، ظُلمةٌ تتلألأ بشهوةٍ وحشية لا تُوصف.
جلس المجهول يحدّق به بصمتٍ لبرهةٍ من الوقت من أسفل القلنسوة السوداء، لكن الفتي لم يحتمل أكثر وأغمض عينيه وكأنّه يستسلم لقدره وهو يصلّي داخله أن يكون موتًا سريعًا.
ثوانٍ، أقل من ثوانٍ، شعر بملمس حاد على عنقه، دم الرجل يُلامس جسده، وعقله يصرخ: إنه ميتٌ لا محالة.
مَرام الصـيّاد