ـــ بعد يومَين ـــ
فى صباحِ يومٍ جديد، وفي تلكَ الحديقة الجميلة، تَملأُها الأشجار والنباتات، والمقاعد البُنّية في أماكن الظِلال.
الأطفالُ يركضونَ هنا وهناكَ حول عائلاتِهم، الأولادُ يركلونَ الكرة لبعضهم، والفتياتُ يُمثّلن مسرحيّات بالدمى خاصتِهم.
ومِثلَما كانَت ملجأ للأطفالِ، فـكانت ملجئًا للعُشّاق.
على أحدِ المقاعد، جلست فتاة ذاتَ قوامٍ ممشوق، خُصلها الذهبية انسدلَت برِفقٍ على كتفيها وُصولًا لخصرها، عُيونها البحرِية تتجنّب النَظر للجالِس بجانِبها بانزعاجٍ واضح، وبشرتها المحمرّه بملامحها الحاده تكشِف عن تكشيرة.
بجانبها جلَس دافيد، بشعره البنيّ وعيونه الخضراء الحزينة، يتمسّك بذراعِها مثلَ الطفل المُعاقب من والدتِه ويرجو السماح.
« هـــيــا سِــيلـي... أُقسم أنني لم أقصِد »
تجاهَلته الفتاة وهي تُحاول شدّ ذراعِها منه، لكنّه تمسّك أكثر بها قائلا بأكثر نبرةٍ حزينة مُحاولًا استعطافَها
« سِـيـلـي.. أميرتي الذهبية... حقًا حقًا أنا آسف.. أرجوكِ لا تحزني منّي.. »
ناظَرته بطرف عينِها وكأنّها تقيّم صدقه، قبلَ أن تتنهّد وتقول بصوتِها الأُنثوي الحاد
« كَـم مرّة أخبرتكَ أن تتجاهَل الفتيات دافيد؟! »
أجابَها بحزنٍ يشوبُه استنكار
« هـيَ من كـانَت تسألني عن شيءٍ في العَمل أُقسم.. »
دلّكت جبينَها وكأنّها تُحاول طرد صورة تلكَ الفتاة البغيضة وهي واقفة مع حبيبها المتذمّر وكانَت قريبة جدًا منه، لكنّه كالأحمق لم ينتبه وكانَ مُنشغلًا بشرح ذلك المقال اللعين لها.
فـبحُكم عمله فى جريدة محلّية كانَ اختلاطهُ بالنساء واردًا، ولا سِيما أنّه يجذبُ انتباهَ زميلاتِه بلُطفه اللعين.
زَفرت الهواءَ بثقل قبل أن تنظّف حلقها وهي تُجيبه بخفوت وقلّة حيلة
« حسنًا حسنًا... توقّف فقط عن التذمر المُزعج هذا.. »
لمَعت عيناهُ بسعادة وإلتصق بها وهو يهتف بحماس
« إذًا لستِ حزينة منّي بعد الآن؟ »
اومأت له بابتسامة صغيرة لينقض عليها مُعانقًا إياها، بينما هي ضحكَت على تصرفه الطفولي وهي تُبادله العناق.
ابتَعد عنها بعد لحظه، ولكن عندما نظرت لوجهه لاحَظت أن عيونه تتجه لمكانٍ آخر.
نظرت فى الإتجاهِ ذاته لتلمَح جسدَ فتاةٍ مُستلقي أسفل شجرةٍ كبيرة وشعرها الأسود الطويل منتشرٌ حولها، بفُستانُها البندقيّ الطويل.
نظرت مرّة أخرى لدافيد بحدّة وحنق، لكنه عندما لاحظ نظرتها الحادّة لوّح بيده سريعًا وهو يقول
« أقسم ليسَ كما تُفكّرين.. »
رفعت حاجبها وكأنّها تنتظر تبريره لنظرِه على أُنثى أخرى، ليُكمل وهو يُشير بيده للفتاة البعيدة عنهم
« هذه ليليث... صديقة أخي ناث.. »
خفتَ الشك من عيونِها قبل أن تأخذ نظره أخرى لملامِح ليليث الغير واضحه لهم لكنْ هُدوئها ظاهرٌ.
همهمت له وهي تقول
« هذه هيَ إذًا زوجة أخيكَ المُحتملة... »
اومأ لها بالإيجاب، قَبل أن يقول وهو يُمسك يدها واقفًا
« لنذهب لها.. سأعرّفكِ عليها... »
لكنّها لم تتحرك بل سحبتهُ مرة أخرى وهي تقول موبّخة
« نذهب لمن؟.. ألا ترى أنها غيرُ متفرّغه؟.. »
ناظرها باستغرابٍ قائلًا
« كيفَ لا وهيَ فقط تستلقي هكذا ولا تفعل شيئًا؟.. »
أجابتهُ وهي تربّت على رأسه وكأنّها تعلّم طفلًا مُتطفلًا
« هيَ تفكّر.. هدوئها وسكينتها، سيكون من المُشين مُقاطعة أفكارها أو حتّي وحدتها الآن.. انتظر قليلّا فقط.. »
اومأ لها وهو يقول بخفة
« حسنًا... قليلًا فقط وسأعرّفكِ عليها... »
.
.
.
.
مِثلما كانَت الحديقة مُلتقي العُشاق والأطفال.
فقد كانَت ملجئًا وراحةً للمُتعبين، التائهين.
استلقَت بهدوءٍ تحت شجرةٍ كبيرة لتستظلّ بظلّها، ولم تهتَم إن تلطّخ فُستانها أو امتلأَ شعرُها بالعُشب.
أغمضت جفنَيها بهدوءٍ واستندَت برأسها على ذراعِها.
مَن يراها قد يقِفُ مُتأمّلًا جمالَها، فقد بدَت كـتُحفةٍ فنّية، صافيةٍ ونقيّة.
لكن ربّما ذاكَ الصفاءُ لَم يطَل قلبَها، أو أنّها مازالَت تبحثٌ عنه، فى مكانٍ ما أو.. شخصٍ ما.
هدوئُها الخارجي لم يعكِس حربها الداخليّة، أفكارُها تتصارَع، كـشِباكِ عناكِب، لا تستطيعُ الفِرارَ منها طالَما أمسكتكَ.
بينَ حياتِها، فَتاهَا، معلّمها... ماضيها الباهِت.. حاضِرها المُضطرب.. وربّما مُستقبلُها المجهول.
لكنّها فجأة شعرَت بصداعٍ يُداهم رأسَها، وشعرت بشيءٍ سائل تحت أنفها.
فتحت عيونها وزحَفت للخلفِ حتي استندت على جِزع الشجرة.
وضعت يدها أسفل أنفها ثم نظرت لها، لترى بقعةَ دماءٍ كبيرة، فتّشت في حقيبتها المُلقاة بجانبها وأخرجت منديلًا لتوقف النزيف.
رفعت رأسها للأعلى بهدوء وهي تهمس
« تبًا... نسيتُ أخذَ الدواء.. »
بعدَ مدّة أزالَت المنديل وجفّفت بآخر آثار الدماء الباقية، قَبل أن تقف بهدوء وهي تنفّض ملابِسها وشعرها، وسُرعانَ ما سارَت خارِج الحديقة.
أمّا عندَ دافيد وسيلين، فقد نظَر الأخير على مكانِ استلقائِها السابق ولم يجدها، ليقولَ لسيلين التي انتبهت لذلك
« انظرِ... لقد رحلَت.. »
اومأت له وهي تقولُ مبتسمة
« لا بأس.. عاجلًا أم آجلًا سنتقابَل... إنْ لم يكُن اليوم فـبآخر »
اومأ لها مُوافِقًا، قَبلَ أنْ ينشغِلوا فى أحاديثِهم ورومانسِيّتهم المُعتادة.
فـدافيد وسيلين يتوعدانِ مُنذ عامين، عائلاتُهم تعرِف بالأمر، وقرّروا جعلَها خُطبة فقط حتّى تُنهى سيلين دراسَتها للماجستير.
فـهي خرّيجة جديدة ومازالَت فى رحلتِها المهنية.
أوّل لقاءٍ بينَهم كان دراميًا نوعًا ما، فقد كانَ هناكَ بعض الفتية يتحرّشون بها فى الطريق ولم يتدخّل أحد، عدا هو الذي تقدّم لمساعدتها.
لكن قَبل أن يصلَ لهم حتّي، كانَ الأربعُ فِتية على الأرض يتأوهون، وخامسهم فرّ هاربًا كالجبانِ من أمامها.
كانَ من الساحر بالنسبة لهُ أن يرى فتاة تُجيد الضرب هكذا، وكالمُتطفّل أصبح يُطاردها بالسر، حتّى علِم كلّ شيءٍ عنها.
وطلَب مُواعدتها فى هذه الحديقة ذاتِها، حينَها كانت لاتزال طالبة جامعية فى بداية سنتِها الثانية، لذا تمّت الخُطبة بينَهم بحضورِ عائلاتِهم فقط.
لم تحبّه سيلين فورًا، فقد كانَ بالنسبةِ لها فى البداية مجرّد متطفّل تجسّس عليها، لكن مع الوقت بدأت عدوى الحبّ تنتقِل منهُ إليها، حتّي أصبَح الإثنانِ يَهيمانِ في بعضهما عِشقًا.
وحبّهما لبعضهما ظاهرٌ للعيان، فـغيرة سيلين قاتلة، وجاذبية دافيد ومُحيطَ عملِه يزيدانِ الطين بِلّة.
مَرام الصـيّاد