الفصل 12
سجناء الظلال: أسوار قلوبهم ومفاتيح ماضيهم.
اللقاء
وقفت سيارة سوداء قرب مخفر الشرطة وترجل منها رجل طويل القامة بثياب مهندمة مرتبة، كان يحمل مظلة سوداء في يده وبالأخرى أمسك بمقبض الباب، ما إن دخل حتى نهض كوفن بفزع وخفض راسه بذل، ألقى الأب نظرة خاطفة عليه بعده بدأ يتحدث مع رجال الشرطة مطولًا، تقدمت السيدة عنان وقالت بصوت عملي: " مساء الخير سيد ليون، لقد مر وقت طويل منذ آخر مرة أتيت فيها للمشفى. "
التفت الأخير وأومأ براسه ببطء وقال بنبرة أقرب للندم
_ كيف حالكِ أيتها الطبيبة عنان، لقد أخبرني الضابط كل شيء، شكرًا لكِ لإجاد ابني، أنا مدين لكِ حقًا. إلتمعت عيناء الطبيبة البندقية وأجابت بصوت ذا مخزى: " لن تكون مدين لي لو طلبت من ابنك زيارتنا في المشفى كل يوم. "
_ كل يوم! حسنًا لن أعترض هذه المرة، سأدع كوفن في عهدتك آمل أن تعيدي هذا الابن لشخصيته الحقيقة.
إبتسمت بمرح وأجابت: " سأفعل وسترى، أستميحك عذرًا الآن إلى اللقاء. "
فتحت الطبيبة عنان مظلتها ولوحت لكوفن وغادرت المكان بوجه بشوش. مخلفة خلفها سكون وجو مشحون بالتوتر، كسره السيد ليون، إذ توجه لكوفن الذي إنكمش وأغمض عينيه كأنه سيتلقي ضربة موجعة، لكنه تلقي بدل منه يد ناعمة مربتة على شعره الرطب، قال الأب بصوت يسمعه كوفن لأول مرة.
_ لا تتكرر ما فعلته مرة أخرى، فقد كادت قلوبنا من أن تنفطر.
( رفعت رأسي ببطء وحدقت في الوجه الصارم الجاد الذي كان فيه لمحة من الحزن والألم، والندم. بدأت عيناي تغرورق فخفض رأسي بسرعة وأجبت ب" حسنًا"
لم يعلق والدي بشيء، صعدنا للسيارة التي كان يقودها وجلست في المقعد الخلفي أراقب السماء الصافية بعد تلك العاصفة والنجوم المتلألئة التي تزينه، شعرت أن تلك السيدة قد بددت تلك العاصفة بطريقة ما إنها تشبه أمي في الشكل لكن الصفات بعيدة كل البعد عن بعضهما، ترى ماذا سيفعل والدي بعد هذا؟ أراهن أنه سيعيدني حيث وجدني. )
رفع كوفن راسه ليطرح سؤلًا فقاطعه الأب بصوت هادئ: " سنتحدث عن هذا الموضوع في الغد، لذا عندما نعود بدل ثيابك بسرعة وتناول عشاءك وأخلد للنوم. "
_ حسنًا أبي.
وصل الاثنان لذلك المنزل الضخم القابع عند نهاية التل، ما إن ولجا حتى أسرع كوفن لغرفته لتنفيذ ما طلب منه؛ فعسى أن يخفف هذا من غضب الأب. هذا إذا كان غاضبًا. عندما وضع الابن النادم العابس راسه على الوسادة سمع صوت شقيقته صوفي القلقة.
_ أخي! هل أنت بخير؟
لم يجب الأخير وإدعى أنه نائم؛ فكيف سيواجه صوفي بعد ما فعله هذا اليوم. وهكذا غادرت الشقيقة بقلق أكبر لكن بقلب مرتاح؛ ففي النهاية لم يحدث ما كانت تخشاه وتخافه، لكن الغد سيكون أشبه بمعطلة كبيرة، الجميع كان يتجهز الخدم والاب والابنة إلا كوفن الذي نسيى أمر الغد وأنه هرب بسبب هذا، فقد نام قرير العين بل وتعالى شخيره أرجاء المنزل، والغريب في الأمر أن تلك الظلال لم تكن تراقبه، بل لم تظهر حتى ترى ما السبب؟.
في هذه اللحظة على الطرف الأخر من المدينة ظلت جينفر مستيقظة تفكر بيوم الغد والحفلة التي ستقيمها عائلة سارة، كانت تتساءل عن التهنئة التي ستلقيها لوالد سارة؛ بمناسبة عمله الجديد، بل كيف ستندمج مع أشخاص لم تتعرف عليهم من قبل( لا بأس سارة ستكون هناك وسيكون كل شيء على ما يرام، أتمنى أن يكون جميع أفراد عائلتها يحبون الثرثرة مثلها؛ ليوفروا علي عناء الحديث، أنا سعيدة لأن عمتي سمحت لشاسا بالذهاب معي، أراهن أنها ستستمتع بالحفلة؛ فهي تحب أشياء من هذا القبيل.... حسنًا علي النوم الآن لأنهض باكرًا آمل أن ألا تظهر تلك الظلال هذا اليوم وإلا...)
وقبل أن تكمل جين جملتها غلبها النعاس ونامت بعمق دون أن ترى أي ظلال أو كوابيس فقد أحلام جميلة تدور عن عائلتها السعيدة. على ذكر العائلة السعيدة كانت هناك واحدة داخل طائرة سفر، وتحديدًا في مقاعد درجة رجال الأعمال، فقد ظل طفل ذو أربعة سنوات يراقب بعينيه الذهبية الكبيرة غيوم جامدة في ظلام الليل الهالك، التفت لسيدة نائمة تجلس بجواره وسأل ببراءة بينما يهزها لتستيقظ: " ماما! ماما! أنظري لماذا الطائرة لا تتحرك؟ "
استيقظت الأم هلعة وظلت تجوب بعينيها البندقية الخائفة في الأرجاء حتى إستقر على وجه صغير ينتظر إجابة، عانقته بلطف وقالت بغموض بينما تمسد على شعره الأصفر الباهت: " يبدو أننا إقتربنا من المنزل يا صغير، أغمض عينيك وسنرى ما يخبئه لنا الصباح. "
لم يفهم الصغير شيء ولم يطرح المزيد من الأسئلة؛ فقد غلبه النعاس واغمضت جفونه ببطء بعده سافر لعالم الأحلام. لم تسافر الأم معه؛ فقد بدأ قلبها يخفق بقوة كانت ترتعد قليلًا وقد جحظ بصرها كأنها ترى مشهد مروع، هزت رأسها بقوة وبدأت تفكر في أشياء أكثر بهجة؛ مثل الثياب الجديدة وتصاميم قبعات الخريف، والجولات الممتعة مع صديقاتها، والاهتمام بصغيرها. الذي لم يعرف حقًا ولم يدرك أن هذه الأم اللطيفة متخبطة الافكار والمشاعر بل ومرعوبة ومذعورة، مِن مَّن؟ هذا سنكتشفه قريبًا.
في الصباح الباكر وقبل أن تستيقظ الشمس وترسل أشعتها لترتع على ربوع البلاد، هبضت طائرة سفر ضخمة في مطار المدينة الكبير، حدق سائق السيد ليون فيها بعدها راقب ساعته مع تنهيدة، فرك شعره بإنزعاج، وتحدث مع زميله بصوت خافت. مرت عدة دقائق حتى ظهرت سيدة ممشوقة القوام كانت ترتدي نظارات شمسية وقبعة غالية الثمن، ركض صغيرها ليرحب بالسائق الذي حمله وقذفه بعيدًا، ظل الصغير يضحك بإستمتاع فسألت والدته السائق بعملية.
_ شكرًا لمجيئك لتقلنا، هل نذهب الآن.
_ هذا هو عملي يا سيدتي، أرجوا أن تكوني قد حظيتي برحلة مريحة.
صعدت السيدة وأجابت بصوت مرح: " بالتأكيد، أعتقد أنني سأكثر من هذه الرحلات في المستقبل. "
وهكذا إنطلقت السيارة المحملة بحقائب السفر والهدايا على الطريق الرئيسي حيث كانت جينفر وساشا تسيران على رصيفه بخطى متأنية بينما تحملان هدايا صغيرة لوالد سارة.
قالت ساشا المتثائبة: " أعتقد أننا خرجنا باكرًا اليوم، لا أعرف لماذا تصر أمي للذهاب في وقت كهذا! "
تحدثت جين بهدوء بينما تراقب بذهول طيور ابا الحناء النادرة فوق السور: " تقول عمتي أن الفتاة حسنة التربية تساعد صديقاتها وتمد يد العون. "
_ أي يكن يمكن أن نكون فتيات جيدات بشراء هدايا كما فعلنا الآن... على كل حال لن اتذمر لنسرع الخطى يا ابنة العم.
_ حسنًا
( كانت ساشا تسير بخطوات واسعة وبالكاد تمكنت من مجاراتها، لقد لاحظت للتو أن ساشا تشبه والدي في طريقة السير، وعندما تتحدث أيضًا. والدي لم أره منذ أيام، ترى هل نسى أن لديه ابنة؟ ماذا عن أمي قالت أنها ستاتي نهاية هذا الأسبوع، آمل أن تفي بوعدها...لحظة! ساشا هذا هو منزل سارة. "
وقفت الفتاتين أمام منزل متوسط الحجم، ذو طلاء أصفر باهت، ونوافذ كثيرة وشرفات ضيقة، دفعت ساشا جين للأمام؛ لتقرع جرس الباب، وقبل أن تقدم الأخيرة على فعلها فُتح الباب وخرجت سارة التى صرخت بمرح وسحبت زائرتيها كأنها ستطير معهما وخلال دقيقة واحدة أصبحت كل من جين وساشا على دراية بجميع أفراد العائلة، أسمائهم، صفاتهم، ماذا يحبون وماذا يكرهون، وكل التفاصيل المتعلقة بهم. فوالدتة سارة البشوشة المرحة مثل ابنتها تمامًا؛ تحب الثرثرة والمرح.
_ سعيدة بمجيئكما يا صغيرتاي، لقد إصطحب الاولاد والدهم في جولة صباحية، ونحن الآن نستغل غيابه لتجهيز المكان، أتعلمان لقد أردنا شراء الزينة الملونة، لكنها كانت غالية الثمن لكن جارنا صاحب متجر الألعاب منحنها.......أوه! لقد نسيت الفطائر في الفرن.
ركضت الأخيرة للمطبخ خلفها ساشا الذي أعجبها الجو المليئ بالحركة والحديث، فعرفت أنها لن تندم على القدوم لهنا. توجهت جين لسارة التي كانت تناول شقيقها الذي يقف فوق السلم أشرطة الزينة، وسألتها بحيوية أذهلت سارة: " أريد المساعدة! ماذا علي أن أفعل يا صديقة؟ " التفت الأخيرة وقالت وهي تشير لصندوق مليئ بالبالونات: " يمكنكِ مساعدتنا في نفخ هذه البالونات بالمنفاخ. "
_ حسنًا!
أسرعت جين للصندوق وبدأت تعمل بهمة كبيرة بينما تضحك على شقيقتي سارة المشاغبتين، ظلت تتحرك هنا وهناك دون أن تشعر بالإرهاق، فسأل أحد أشقاء سارة ببعض السخرية: " إعتقدُ أننا نملك سناجب كثيرة الحركة، لكني لم أرى قط شخص يتحرك كأنه يعمل بمدخرة عالية الجودة، هل صديقتك هذه تعاني من مرض ما؟ "
_ باسل! أيها اللئيم! هل حصول المرء على بعض المرح يعتبر شيء غريب؟
_ لا أعلم، لكن حدسي يخبرني أنها مريضة أو ما شابه..آآآه! علينا الإسراع بترتيب المكان؛ فأبي سيعود قريبًا.
غادر الشقيق وبقت سارة تراقب صديقتها التى كانت تعرفها بهدؤها وقلة حديثها، إضافة لخجلها المفرض، فشعرت أن هناك خطب ما، خاصة بعد ذهاب صديقتها للمشفى قد تغيرت تغير جذري، وفي خضم شرودها وتفكيرها، فرقع شقيقها الواقف فوق السلم إصبعه، فعادت سارة لتناوله الأشرطة. التي كانت تفتح في مكان آخر في طرف المدينة، وتحديدًا منزل كوفن حيث جلس الأخير في غرفة الإستقبال الكبيرة يراقب بتوتر شقيقته صوفي الجالسة على الأرض وسط أكوام مكدسة من الهدايا، التي كانت تفتحها بحماس طفل صغير. ظل الخدم يدخلون الحقائب والهدايا التي ذادت من توتر كوفن، بقى يحرك قدمه بسرعة بينما يرخي ربطة النق البغيضة التي أجبرته مدبرة البيت على إردائه، بدا يحدث نفسه بإنزعاج ( إذن ليس هناك مهرب، علي تقبل الأمر وحسب...لم أتوقع أن يصفح والدي عني ببساطة، بل ولم يلغي الإتفاق بيننا بأمر المدرسة، كانت نظراته أقل حدة وكذلك نبرة صوته، هل الشخص الذي كان يتحدث معه عبر الهاتف له يد بهذا؟ ربما....صحيح أنه سامحني لكن بشرط أن أذهب للمشفى كل يوم.... هذا مزعج نوعًا ما لكن علي تقبله. )
_ مرحبًا جميعًا!!!! أختي صوفي هل إشتقتي إلي؟
كان هذا صوت الصغير الصادح مالؤف للجميع خاصة صوفي التي أسرعت لتعانقة بنشوة.
_ أرو الصغير لقد إشتقت لك كثيرًا، كيف كانت الرحلة؟
ابتسم الصغير التي كانت تحمله صوفي بمرح، وأراد أن يحكي كل شيء لكنه رأى كوفن الذي يهم بالصعود لغرفته وأسرع ليعانق قدمه: " أخي الكبير لنلعب في الحديقة بالحصان الجديد. "
أبعده كوفن بلطف ومع إبتسامة صفراء أجاب: " ليس الآن! ليس الآن، إلعب مع صوفي هيا ...."
هنا دخلت السيدة باركر وألقت التحية للجميع بحيوية ونشاط، إرتعش جسد كوفن لدى سماعه وتسمرت قدماه، رفع رأسه ببطء فإلتقت عينها الفيروزية بعينان يعرفهما جيدًا، عينان سيدة تخلصت من ابنها في الماضي بدم بارد.
يتبع.....
ك/azaher
AZAHER_AA