الفصل 5
سجناء الظلال: أسوار قلوبهم ومفاتيح ماضيهم
بداية المصائب
نهضت جينفر في الصباح أو بالأحرى لم تنم، كانت جالسة في كرسي طاولة الدراسة، تقرأ الكتاب الذي أحضره خالها أليكس، بينما تربت على بيسي النائمة في حِجرها مطلقة خرخرة لطيفة، حدقت جين لأولى خيوط الصباح من نافذتها الكبيرة، نهضت بتعب ووضعت القطة في السرير وذهبت لتغسل وجهها، إستعدادًا ليوم مدرسي جديد.
( كُنت منهكة للغاية وبالكاد تمكنت من جري قدماي، عندما حدقت لإنعكاسي في المرآة كِد أن أصرخ؛ فقد بدوت كشبح شاحب بهالات سوداء، هل عدم النوم ليوم واحد فقط يفعل هذا؟ لا بأس سأغسل وجهي جيدًا ولن تلاحظ العمة ميرا هذا...)
نزلت جين لأسفل حيث أستقبلها صرخة العمة القصيرة، التى أوشكت أن تسقِط طبق البيض المقلي. قالت بدهشة
_ جينفر! ما الذي حدث لكِ؟
_ ماذا هناك يا عمتي؟
_ وجهك ما به! لماذا تبدين كأنكِ ستشارفين على الموت، لا تقولي لي أنكِ سهرتي الليل بطوله!؟
تململت جين وأرادت الكذب لكن العمة وضعت الطبق فوق الطاولة وسحبت الفتاة وأجلستها على كرسي أمام الطاولة قائلة.
_ إجلسي الآن وتناولي فطورك سأجلب المزيد من البيض لتتحسن صحتكِ، روي ذلك لماذا لا يهتم بصحة ابنته وكذلك صوفي لم تتصل إلى الآن، على الأقل يجب أن تطمئن على صغيرتها، وذلك الخال ألم أخبره بألا يسهر ويقص قصص مخيفة.
دافعت جين عن خالها قائلة: " هو لم يساهر بنا، بل أنني لم أتمكن من النوم بشكل جيد، وقصصه كانت كلها مضحكة...."
تنهدت العمة البدينة التي وضعت طبق بيض إضافي وقالت بصرامة: " كُلي هذا ولتعديني بالنوم باكرًا"
_ حسنًا أعدك.....عمتي أين والداي وخالي؟
حاولت العمة أن تُشغل نفسها بتلميع الطاولة بينما تُجيب؛ كي لا ترى وجه الفتاة الحزين.
_ والدكِ ذهب للعمل منذ الساعة الرابعة صباحًا وخالكِ خرج قبل قليل للعمل أيضًا، لكن لا تقلقي قال أنه ربما سيعود عند المساء.
_ ربما يعود... أممم
إنحنت جين على طبقها وبدأت تلتهمه بنهم ما أسعد العمة التى جلبت المزيد. جاءت ساشا وتناولت شريحة خبز وبيضة على عجل وغادرت لمدرستها، وكذلك جينفر التى سارت على جانب الطريق بإستمتاع.
( لا بأس أرى الجميع ذاهب لعمله وكذلك على أبي وخالي فعل المِثل، أنا أحب الصباح، نسيم بارد وزقزقة العصافير البريئة، كأني في حلم أرجواني سعيد، لو كان يمكنني الطيران لحلقت كل صباح فوق المدينة وثرثرت مع العصافير الصغيرة، بعيدًا عن ضجيج المدينة، وضخامة ناطحات السحاب البغيضة التى تُشعر المرء كأنه ضئيل الحجم، يكفني أنني ضئيلة مسبقًا. لو كنت عُمدة هذه المدينة لقم بتشجير كل الطرقات، حتى المباني سأغلِفها بالأزهار المتسلقة، نعم ستكون المدينة حينها ساحرة وبديعة.
مع هذه الثرثرة الجميلة مع نفسها بصوت عالٍ سارت جينفر بخطوات راقصة، دارت حول نفسها متجاهلة نظرات الناس لها، بددت هذا الصباح سعيدة بشكل غريب، ربما إستعادت جزء من شخصيتها الحقيقة محبة الطبيعة، وربما هذا الجو الصباحي الجميل أنساها هموهما التي عادت إليها مجددًا كغمامة سوداء ماطرة، حدقت لتقاطع الطريق حيث رأت صديقتها سارة رفقة والدتها التي كانت ذاهبة للتسوق، كانت الأخيرة تضحك مع إبنتها بسعادة، مسحت على شعر ابنتها الكستنائي الباهت برفق، وتحدثت معها قليلًا، لمحت سارة جين فلوحت لها وأخبرت والدتها بشيء، فتهلل وجه الأم ولوحت بدورها بسعادة، فردد جين التحية بإبتسامة مصتنعة، عانقت سارة والدتها وجاءت راكضة عبر الشارع لتمسك بيد جين وتقول منقطعة الأنفاس: " صباح الخير جيني، سعيدة برؤيتكِ ...مهلًا ما بال وجهكِ؟ "
أجابت جينفر بينما تسير أمام صديقتها: " لم أحظي بنوم كافي. على كل حال هل تلك السيدة والدتكِ؟ "
أجابت سارة بينما تُسرع الخطى لتسير جنب لجب مع صديقتها: " نعم إنها والدتي العزيزة وقد قالت أنها متحمسة لتتعرف عليكِ، فقد أخبرتها كل شيء يخص صديقتي الجديدة. صحيح جيني نحن صديقتان وعلينا معرفة الكثير عن بعضنا البعض. سأبدا أنا أولًا، والدي عامل صيانة ووالدتي ربة منزل، لدي خمسة أشقاء أكبر مني وشقيقتين، صغيرتان، والآن دورك.
وقفت سارة أمام جين فتنهدت الأخيرة وأجابت بملل
_ ليس لي أي أشقاء، والدي نائب مدير شركة البرمجيات العملاقة ووالدتي خارج البلاد في رحلة عمل. أعيش الآن مع عمتي وإبنتها هذا كل شيء.
ظلت سارة صامتة تحدق في صديقتها بعيون شاخصة، شهقت وقالت بصدمة: " جيني! والدك ناب مدير شركة البرمجيات العملاقة!؟ هل ناطحات السحاب الضخمة الموجودة وسط العاصمة هي شركة البرمجيات؟ "
أومأت جين بعدم إهتمام فرجتها صديقتها قائلة
_ لا تقوليها بعدم إكتراس، الجميع يتحدث عن تلك الشركة الحديثة التى ذات صيدها في الآونة الأخيرة، أتعلمين ذهب والدي ليقوم ببعض أعمال الصيانة في تلك الشركة، وقال أن المبنى من الداخل أعجوبة في الصناعة، حتى الموظفين بدو كأنهم ولدو ليعملوا هناك وحسب....أنتِ حقًا محظوظة يا جيني.
_ محظوظة! مُضحك
أسرعت جين الخطى بإنزعاج فلحقت بها سارة متزمرة
_ ما هي مشكلتكِ يا فتاة! هل أنتِ غاضبة مني؟ لا بأس أسفة لو أخطات في شيء، مع أنني واثقة من أنِ لم أخطئ. على كل حال لما تذهبين للمدرسة على أقدامك بدل سيارة فخمة؟
_ لأني أريد الذهاب بقدماي، ولو لم أسير بقدماي لما إلتقيت بكِ وصرنا صديقتان.
_ جيني أنتِ محقة في هذا، ستزور كل واحدة فينا منزل الأخرى إتفقنا؟
_ حسنًا إتفقنا
_ أوه! لقد وصلنا للمدرسة، أنظري! أليست تلك صوفي زميلتك في المجموعة؟
كانت صوفي تتحدث مع شقيقها الذي يقرأ كتاب ما، لوحت صوفي وجاءت لتلقي التحية.
_ صباح الخير جين وسارة، أليس اليوم جميلًا؟ سمعت أن هناك مفاجأة ستقام غدًا في المدرسة للطلاب الجدد.
صاحت سارة بمرح: " مفاجأة أنا أحب المفاجات، ترى ماذا ستعتقدان أنها ستكون؟
أجابت صوفي بعملية: " ربما أدوات مدرسية"
_ هذا ممل لتكون مسابقات، كالركض والقفز وشيء من هذا القبيل...جيني ماذا تعتقدين أن يكون؟ "
أجابت جينفر وقد بدد مهتمة بأمر المفاجاة: " ربما فتح مكتبة جديدة؟ "
_ هذا فظيع! يا صديقتي أنا أكره الكتب.
أضافت صوفي: " يبدو أنكِ دودة كُتب مثل أخي تمامًا...هل هذه هالات سوداء! جين ألم تنامي البارحة؟ "
ضحكت جين بإنزعاج وأجابت بنعم فدهشت صوفي وقالت: " غريب أخي كوفن لم ينم البارحة أيضًا، قال أنه حلم بكوابيس غريبة فقرر عدم النوم حتى الصباح وربما للأبد... "
_ صوفي!!!!! يكفى ثرثرة لندخل بسرعة.
_ حسنًا نلتقي في فصل السلامة يا صديقاتي.
لحقت صوفي بشقيقها الغاضب، ولوحت سارة لهم بسعادة.
بينما ظلت جينفر تحدث نفسها( غريب قالت صوفي أن شقيقها رأى كابوس عن هذه المدرسة، إنه نفس كابوسي، هل هذه مصادفة، لحظة ربما يكون.....)
_ جيني لنسرع فلقد دق جرس الدرس.
أسرعت الصديقتان وكذلك باقي الطلاب وبدأت الدروس، في الفصل أشاد المعلم شادن بإلقاء جينفر لمادة التاريخ وسرد الأحداث بشكل مشوق، مما جعل قلب جينفر يطير من المفرح؛ من هذا الإطراء بينما إشتعل قلب نيرا بالغيرة.
إنتهت الفسحة وبدأت دروس فصل السلامة، إجتمعت مجمعتي جينفر وسارة مجددًا، وبدأ المعلم بيري يعلمهم عن أهمية الإسعافات الأولية، وكيفية تطبيقها. حاول ويل مجددًا مصادقة كوفن الذي حذره بالإبتعاد عنه، فإستسلم ويل وعاد ليتناقش مع المعلم بيري عن الإسعافات الأولية، فتم إرساله ليحضر دمية التدريب من المخزن. فأسرع بحماس متقد، فيما إنشغل البقية بالتدرب على لف الضمادات بشكل صحيح.
_ عليكم الضغط على الجرح برفق، وهكذا سيتوقف النزيف، سنتعلم الآن كيف نقوم بالجبيرة....جينفر إذهبي للمخزن وأحضري أعواد التثبيت.
_ حاضر.
خرجت الأخيرة ببعض الحماس؛ فتعلمها لشيء جديد جعلها تعطيه جُل تفكيرها، في هذه اللحظة طلبت نيرا من المعلم الإذن بالذهاب للمرحاض وخرجت بسرعة.
في الممر إلتقت جينفر بويل الذي كان يحمل الدمية، توقف ليسأل: " هل تم إرسالكِ لجلب شيء؟ "
_ نعم
_ يمكنني الذهاب مع...
قاطعته جين: " شكرًا سأذهب وحدي"
_ لحظة! كُنت أريد أن أسال عن كوفن، فما هي مشكلته معي! هل هو هكذا معكم أيضًا؟
أومأت جين براسها، فتنهد ويل وحك شعره البني المحمر الباهت وقال: " حسنًا علينا أن ندعه وشانه وحسب، على كل حال لن أعطلكِ، عجلي بالذهاب"
لم تنتظر جين إذنه فقد غادرت من أول جملة، دخلت للمخزن وأخذت مرادها لكنها سمعت همس خافض وضحكة، بعدها إنغلق باب المخزن من الخارج.
_ مهلًا! هذا ليس مضحك البتة افتحوا الباب، سأخبر المعلم بشأن ما فعلتموه، هيا إفتحوا الباب!!!!
كانت جينفر تضرب الباب بقوة وتصرخ ليتم فتحه لكن لا إجابة، الجميع في فصولهم الآن وإحتمالية أن يسمعها أحدهم ضئيلة، ظلت تضرب بقوة، وقد كانت غاضبة الآن بشدة لدرجة أنها أخذت كرسي وحطمته على الباب، لكن الأخير لم يُفتح، فعادت لتطلب النجدة الآن ببعض الخوف: " النجدة!!!!!! أنا عالقة هنا!!!!! فليساعدني أحدهم رجاءًا!!!!!! النجدة!!!!! هل من أحد يسمعني!!!!؟ "
_ نعم يمكنني سماعكِ بوضوح جيني الصغيرة ها ها ها.
ألصقت الأخيرة ظهرها بالباب، وحدقت لمصدر الصوت الأتي من ركن المخزن، بدا لها الصوت مألوف، وعندما تكرر مجددًا عرفت أين سمعته.
( إنه نفس الصوت في ذلك الكابوس لكن كيف!؟ هل أنا أحلم الآن! مستحيل أعرف أن هذا ليس حلم، لكن هل أنا أسمع هذا الصوت وحدي؟ )
أجاب الصوت على تساؤل جين التي تملكها الخوف الشديد؛ فكيف قرأ أفكارها؟
لا تتفاجئي يمكنني قراءة أفكاركِ لأنكِ في سجني لا تنسي هذا ها ها ها، لقد أنهيتي زيارتك المرة السابقة بسرعة لكن الآن ليس هناك أي مهرب.
في هذه اللحظة في غرفة فصل السلامة سأل المعلم بيري: " أين جينفر هذه! أتمنى ألا تكون تلهوا الآن بدل أن تحضر ما طُلب منها....ويل هل رأيتها في طريق عودتك؟ "
أجاب ويل المنغمس في تعلم ربط الكسور: " لقد إلتقينا في الممر وتحدثنا قليلًا، بعدها رايتها تدخل للمخزن. "
_ هكذا إذن، ربما إنتابها الفضول وإنشغلت بتفقد أغراض المخزن.
مع هذه الجملة القصيرة عاد المعلم بيري لعمله مع إبتسامة مريبة، نهض كوفن فجأة! وخرج بسرعة فتبعته صوفي وويل، أرادت سارة الذهاب لكن نيرا أخبرتها بحدة
_ ألا ترين المعلم! أين الإحترام هنا.
في هذه اللحظة في المخزن ظهر ذلك الظِل من ركن الغرفة بعينيه الحمراء المشعة بدا كأنه كان يرسم أو ما شابه، فقد كان ممسك بفرشاة رسم. بدأ يقترب من جين التى بدأت بضرب الباب بقوة، ظلت تصرخ وتطلب النجدة، وعندما أحست أن الظِل يقترب ركضت للركن الأخر وظلت تلقي بالكراسي وأدوات الرياضة عليه، لكن كل هذا إخترق جسده الذي كأن كالدخان.
_ هيا لا يمكنكِ فعل شيء لي؛ لأنكِ لستي نائمة، لكني يمكنني فعل هذا.
إختفى الظل فجأة! ليظهر خلف جين ويضوق بمخالبه الكبيرة رقبتها، كانت تحاول تخليص نفسها من قبضته التي تختنقها بقوة. إستمر الظل بالضحك بصوت عالٍ بينما ظهرت أيادي ظلال عديدة وأمسكت بقدمي وذراعي جين وظلت تسحب نحو النافذة، بينما تصدر أصوات يصم الأذان، شعرت جين بخوف مريع تجمدت أطرافها وكاد قلبها أن يخرج من مكانه، بينما هذه الظلال تنوي قتلها بإلقائها من الطابق الثالث، حاولت الأخيرة تخليص نفسها لكن دون جدوى، في لحظة عجز بدأت تبكي بصوت مخنوق بينما تنادي بيائس
_ أمي!!! أبي!!! ساعداني!!!.
فُتح الباب فتسلل الضوء للمخزن، فإختفى الظلال والظِل الذي صرخ بغضب: " سحقًا! هذا أنت مجددًا "
تحدث أحدهم بإنزعاج: " بئسًا!.... مالذي تفعليه هنا أيتها الفتاة جين؟ إن المعلم بيري ينتظر منذ دقائق "
رفعت جين الخائفة رأسها فوجدت كوفن واقف يحدق بصمت إندفعت من خلفه شقيقته صوفي التي عانقت جين وقالت لها بقلق: " جين هل أنتِ بخير؟ لم تصابي بإذى أليس كذلك؟ "
هزت جين الجالسة تحت النافذة الممسكة باذنيها رأسها فأكملت صوفي بغضب عارم: " من الذي تجراء وأغلق باب المخزن عليكِ، سأخبر المدير بهذا لن نسكت على هذه التصرفات، جين! هل فعلوا هذا بكِ أيضًا؟! "
لاحظت صوفي أثار مخالب على رقبة جين التي لم تستطيع في هذه اللحظة من منع دموعها من الإنهمار، فقد كادت أن تفقد حياتها، والأسوأ من هذا ظِل غريب صار يتبعها في كل مكان، ولا تعرف لماذا يريد قتلها، غطت وجهها بكفيها وظلت تبكي بصوت بائس عانقتها صوفي وواستها، أطلق ويل صفير ينم عن الدهشة بينما غادر كوفن المكان وهو يهمس لنفسه بصوت خافت: " هل يعقل أن هذه الظلال باتت قادرة على الظهور في أرض الواقع! لكن كيف! هذا مستحيل! إذا صارت قادرة على فعل هذا، يعني أن علي الإستعداد للقتال مجددًا.... هذا مزعج حقًا"
يتبع.......
ك/ azaher
AZAHER_AA