حلم بلون قاني

حلم بلون قاني

14 0

الفصل 4

سجناء الظلال: أسوار قلوبهم ومفاتيح ماضيهم.

كابوس بلون قاني

( أدخلت المفتاح التي أعطتني إياه العمة ميرا في ثقب الباب وأدرته ببط لينفتح الباب بهدوء، أول صوت إستقبلتهُ أُذناي صوت والدي الهادئ ويبدو أنه على الأرجح يتحدث مع زملاء العمل؛ فنبرة صوته العملية الجادة تُوحي بهذا، سمعت أيضًا همهمات وضحكات عالية....إنها ضحكة خالي أليكس! أوه! أنا سعيدة لأنه هنا؛ فهو طيب القلب وعطوف معى. هل جاء مع أبي يا ترى! )

وبينما كانت جينفر تخلع حذائها عند الباب جاءت القطة بيسلي راكضة بلهفة، شرعت تخرخر بسعادة عند قدمي جين التي رفعتها بحنان قائلة: " هل إشتقتي لي يا بيسي؟ "

ماءت القطة كأنها إجابة، فسُرت جين وسارت للداخل حيث وجدت خالها في المطبخ مع العمة ميرا يثرثر بصوتٍ عالٍ، يبدو أنه يُعلِمُّها وصفة جديدة تعلمها من زملائه في العمل، أجالت جين بعينيها القلقة أرجاء غرفة المعيشة الواسعة، فوجدت رجل يجلس على أحد الأرائك واضعًا حاسوب محمول على قدميه، كان يرتشف قهوته بهدوء وعلامات الراحة بادية على وجهه النحيل، على الأرجح قد أبرم صفقة ناجحة وضمن أسهم جديدة للشركة. رفع كوب قهوته وأراد أخذ رشفة لكنه توقف عندما سمع صوت خائف مرتجف ينادي " أبي هل عُد من العمل؟ "

رفع الأب رأسه من حاسوبه وقد كان طبق الأصل من إبنته جينفر. شعر بني مسود، وعينان رمادية باتت أرجوانية الآن عند ضوء المغيب، وضع قهوته فوق الطاولة وقال لأول مرة بصوت أبوي حنون.

_ جين الصغيرة متى كبرتي! إقتربي لأرى ملامحكِ بوضوح.

1

هنا كادت جينفر أن تطير ألقت بالقطة جانبًا التى أطلقت مواء غاضب وهربت. وقفت جين بجوار والدها الذي ضحك قليلًا وقال: " ألم تكوني البارحة في الحضانة! غريب يبدو أن الوقت يركض بسرعة وعلينا الركض وراءه أيضًا. في أي صف تدرسين يا صغيرتي؟ "

أجابت الأخيرة بحماس: " لقد بدأت سنتي الأولى من المدرسة الإعدادية"

_ مستحيل! ألستي في الصف الخامس؟

1

عبس وجه جين وخفضت رأسها بحزن ولم تُجب، فأكمل الأب بينما يتفقد حاسوبه الذي بدأ يمتلئ بالرسائل المزعجة.

_ على كل حال، إعتقد أنكِ سافرتي مع والدتكِ، لكني تفاجأت عندما أخبرتني ميرا أنكِ عندها.

_ وضحت جين بصوت يكاد يكون مسموع

_ لقد قالت أمي أنها قد أخبرتك بهذا.

إلتقط الأب الجملة وأجاب بينما يُركب سماعة الأذن خاصته: " يبدو أنني نسيت. المهم الآن، عليكِ بالإجتهاد في دراستكِ لتكوني سيدة مرموقة في المستقبل ولترفعي رأسي والديكِ "

بصوت مخنوق أجابت: " ح...حسنًا أبي "

نهض الأب وبدا يتحدث عن العمل وقد تغير وجهه للإنزعاج كان يتناقش مع العملاء بينما يتحكم بحاسوبه بواسطة السماعة، عندما مر بجوار جين بدت الأخيرة كهرة صغيرة مبلولة بجوار ظل والدها فارع الطول، خرج الأب للشرفة الواسعة لغرفة المعيشة فبقت جين وحيدة تحدث نفسها.

( كيف لا يتذكر في أي صف أنا، لا بل لا يتذكر أنني جئت إلى هنا! ولما يقول أنه إعتقد أنني مع والدتي، أهذا يعني أنه لا يريد أن يراني! ...مهما يكن لقد ناداني قبل قليل بجين الصغيرة وهذا أسعد قلبي كثيرًا، وقد تبسم لدى رؤيتي ولم يتجهم كعادته، بل وقد قال أنه يريد رؤية ملامحي عن قرب، وقد تحدث اليوم أكثر من باقي الأيام، إذن أبي يحبني....لحظة! هل هذه هدية لي؟! )

إقتربت جين من كيس هدايا كان بجوار حاسوب والدها،

أخذته وقرات الأسم لقد كان إسمها!، مزقت ورق التغليف على عجل فوجدت كتاب ضخم لقصص تاريخية...أشاع وجهها ببريق السعادة لمعت عيناها وإتسعت إبتسامتها إلتفتت لتذهب وتشكر والدها فإصتدمت بخالها الذي قال بمرح: " لقد وجدي هديتي أيتها المشاكسة، كنت أريد أن تكون مفاجأة لكن لا بأس. والآن كيف وجدي الهدية؟ مذهلة أليس كذلك؟ "

معرفة من هو صاحب الهدية لجم لسان جين، فإبتسمت بصعوبة فضحك الخال وفهم أن الهدية أعجبت إبنة أخته الكبيرة، نادته العمة ميرا بعد أن ألقت تحيات كريمة لجين، فغادر بخطوات راقصة ليُنقذ البيض الذي تركه على النار، بينما يهز شعره الأسود على إيقاع دندنات كان يطلقها.

وقفت جينفر لبره تفكر بعدها إبتسمت، عانقت الكتاب الضخم وسارعت على الدرج لتصل لغرفتها، هنا ألقت بنفسها على السرير الوثير وحدقت للسقف بفرح، جاءت بيسي وتكومت بجوار سيدتها الجديدة وقد غفرت لها عن رميها سابقًا. تحدثت جين بصوت عالٍ مبتهج.

_ لقد إجتمع الجميع هنا، خالي وعمتي وساشا وأبي، لو كانت والدتي هنا لأكتمل العدد... صحيح هل وصلت أمي لوجهتها؟ هل هي سعيدة الآن بعملها الجديد؟ ربما، على كل حال أنا سعيدة اليوم بشكل لا يمكن أن أصفه، أعتقد أن الحياة بدأت تتفتح في وجهي بألوان زاهية جميلة، صديقات جُدد لطيفات وعدد قليل من الطلاب أتمنى أن يكون الغد أجمل وأندر...و...أشعر بالنعاس الشديد أعتقد أنني سأغفوا قليلًا بعدها.....

ومع نطق الكلمة الأخيرة نامت جينفر السعيدة وهواء المساء البارد يتسلل بهدوء من النافذة الكبيرة المفتوحة، وظل أسود أيضًا، نفشت بيسي فروها وكشرت بأنيابها الصغيرة على الظل الذي إبتسم بخبث فهربت القطة مذعورة. مد الظل يده إلى رأس جين النائمة فلم يتمكن من إختراقه كما السابق. تجهم لدى رؤيته وجه جين المبتسم، فغلف الغرفة كلها باللون الأسود لتصبح كفراغ مظلم، فبدأت جين تتشقلب في سريرها وقد عقدت حاجبيها بإنزعاج كأنها ترى كابوس مزعج، وقد كان كذلك في الحقيقة.

( فتحت عيناي فلم أكن في البيت، أين أنا؟ ما هذا المكان؟ المدرسة! مالذي أفعله هنا؟ )

حدقت جين لردهة الطابق الثاني بقلق، سارت داخل المدرسة الخالية من أي شخص ونادت على صديقتها سارة أو صوفي لكن لا إجابة، الفصول الدراسية خالية سوى أشعة المغيب التى تتسلل من النوافذ، لا أحد ولا حتى همس. بدا الخوف يدب في أوصال جين، أمسكت بيديها بقوة وظلت عيناها القلقتان تحاولان إلتقاط أي ثوب مدرسي لأي طالب أو معلم، أو حتى عامل النظافة، وفعلًا لمحت طالب يصعد سلالم الطابق الثالث بسرعة، حاولت اللحاق به ومناداته لكنها لم تفلح.

_ أنا واثقة من أنه كان طالب لكن أين إختفى؟ .. ماذا! فصل السلامة!.

وجدت جين نفسها فجأة أمام باب فصل السلامة 3، فُتح الباب فرأت المعلم بيري يتفقد بعض الأوراق، إرتاح قلبها وتنهدت بفرح تقدمت للامام وقالت بسعادة: " مرحبًا معلم بيري، أين إختفى باقي الطلاب؟ أليس اليوم يوم دراسي؟ "

ضحك بيري بشكل مُريب، وقال بينما يلتفت ببطء

_ بلى هو يوم دراسي لجينفر روي وحسب، لقد إلتقينا أخيرًا، كنت هنا لسنوات وحدي أنتظر أن تأتي وها هي أنتِ. جينفر مرحبًا بكِ في سجني الأبدي ها ها ها ها.

تحول المعلم بيري لظل أسود ذو عينان حمراوين مخيفة، ظل يضحك بصوت غريب ومرعب. هنا أطلقت جين ساقيها للريح، ركضت بكل قوة لديها وتعثرت عدة مرات لكنها رفضت السقوط؛ فذلك الظل كان يتبعها مع ضحكته تلك.

_ مالذي يحدث هنا؟ هل أنا في كابوس أم ماذا؟ وما هذا الظل الذي يتبعني؟ وكيف عرف إسمي؟.

إلتفت جين للخلف فكانت يد الظل قريبة من وجهها، أطلقت صيحة خوف ونزلت السلالم كانها ستطير ثلاثة درجات، أربعة، والآن قفزة طويلة، ظلت تركض وتركض كانت مطاردة لا تنتهي، فمهما حاولت جين أن تجد المخرج لا تجِدُه، بدد كأنها تركض في دائرة مفرغة، نفس الممر الطويل الذي تركته قبل قليل، نفس الدرجات التى ظلت تنزل عليها حتى كادت أنفاسها عن تنقطع لكنها رفضت التوقف، حتى تعثرت في النهاية وسقطت أرضًا عند الممر الطويل، زحفت للخلف بينما تراقب الظل الذي يقترب منها ببطء، تسارعت نبضات قلبها وأنفاسها، رفعت يدها الهزيلة لتحمي نفسها

فتحدث الظل: " لما لا تطلبين أن أترككِ!؟ قولي أن أبتعد وسأفعل "

سألت جين بخوف: " وهل ستفعل؟ "

_ نعم

_ حسنًا دعني وشاني، أريد أن أستيقظ من هذا الكابوس.

ضيق الظل عينيه الحمراء وأجاب بخبث.

_ غبية هل صدقتي أنني سأدعكِ؟ ها ها ها ها

مع هذه الضحكة الساخرة ظهرت أعين كثيرة حمراء وظلال حول الظل وبدأ كل واحد منها يضحك بأصوات تعرفها جيدًا، نهضت جين بسرعة وإستعدت لتكمل سلسلة المطاردة، لكنها سقطت مجددًا وقد شعرت بالإعياء الشديد، تحدث أحد الظلال بصوت يشبه صوت والدتها: " صغيرتي جيني أتريدين الإستيقاظ؟ إقفزي من هذه النافذة عندها ستنهضين من هذا الكابوس، هيا يا صغيرتي إفعليها "

حدقت الأخيرة للنافذة وقبل أن تفكر في أي شيء سمعت صوت عالٍ من خلفها يقول: " هيا جين إستيقظي الآن!!!! "

( فتحت عيناي وشهقت كأن روحي كادت أن تُسلب، إلتقت عيناي بعينان ساشا الذهبية، التي كانت تحدق بغرابة سألتني وهي تبتعد عن طرف السرير: " هل كنتِ ترين كابوس في منامكِ؟ فقد ظللتي تئنين بشكل بائس، لا تنامي مجددًا في مثل هذه الأوقات؛ فقد سمعت بأنها مُضرة للجسد. على كل حال بدلي ثياب المدرسة بسرعة وإنزلني لنتناول العشاء، أرسلتني أمي لإيقاظكِ، ألا تريدين التحدث مع والدكِ وخالكِ؟

_ بلى أريد

_ إذن أسرعي

( غادرت ساشا الغرفة، فنزلت فورًا من السرير؛ خشية أن أعود لذلك الكابوس مجددًا....يا للهول لقد تصببت عرقًا كأني كُنت أركُض فعلًا، ياله من كابوس فظيع بل مخيف )

بدلت جين ثياب المدرسة ورتبت شعرها ونزلت لأسفل، جلست بجوار والدها المنغمس في الحديث مع الخال أليكس عن العمل، تدخلت جين وسألت والدها بحماس

_ أبي كيف يجري العمل في الشركة؟

أجاب الأب: " جيد"

_ أممم والموظفين كيف حالهم؟.

لم تجد جين شيء لتتحدث به سوى العمل الذي سيلفت إنتباه الأب الذي أجاب بإختصار: " جيدون أيضًا"

لم تطرح الإبنة المزيد من الأسئلة، فأخذ الخال دفة الحديث عن الأسهم و المدراء القاسيين ولمح للنائبين الصارمين، أمثال هذا الأب الذي ضحك قليلًا ولم يضف شيء. لم يبخل الخال بإقحام إبنة أخته في الحديث أيضًا عندما رأها عابسة، فظل يسألها عن المدرسة وزملأئها فكانت تجيب جينفر بإبتهاج وهي تحدق للأب الشارد بذهنه كأنه لا يسمعها، فقط كان يهز رأسه كلما سأله أليكس عن إبنته. حتى عندما سأله إذا ما كانت جينفر ستصبح سيدة أعمال فاشلة أم لا، فأومأ براسه بالإيجاب دون أن يدري، فأطلق أليكس ضحكة عالية، بينما أنبت العمة ميرا شقيقها الشارد.

_ روي! كُن أكثر وَعي عندما نتحدث إليك.

_ أ...ح.. حسنًا سأفعل. هاتفي يرن! مرحبًا نعم معك نائب المدير هل إنتهيت من تعديل البرنامج الجديد؟ ماذا!؟ ليس بعد!؟....

مسح الأب فمه بالمنديل ونهض بسرعة ليكمل مكالمته، هنا تنهد كل من الخال والعمة التي قال لجين بسرعة: " إعذري والِدكِ يا صغيرة، فهو مشغول جدًا. عندما يُنهي عمله سيكون متفرغ للحديث مع صغيرته المدللة "

1

قاطعها الخال الذي قال بإبتهاج: " تذكرت لدي بعض القصص الجميلة التي ستعجبكم حتمًا، سأقصها لكم بعد العشاء"

أضافت العمة ميرا بصرامة: " نعم نعم لكن لا تجعل فتياتي يسهرن الليل بطوله؛ فهناك واجبات مدرسية تنتظر من يحلها"

( ضحك خالي ووعد بأن تكون قصصه قصيرة، يحب خالي الضحك كثيرًا لسبب أجهله، وهذا ما يعجبني فيه، ساشا تبدو متحمسة للقصص مثلي، ربما لأن قصص خالي كلها عن المواقف الطريفة المضحكة، التي ستقصها بدورها لصديقاتها في الثانوية ويضحكن عليها... على ذكر المدارس، لن أنام اليوم؛ لأرى ذلك الكابوس الفظيع مجددًا، سأظل مستيقظة حتى يبزغ الصباح. نعم هذا ما سأفعله لن أنام).

يتبع.......

ك/ azaher

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سجناء الظلال

المؤلف AZAHER_AA
2025/10/18 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة