أحلام صغيرة

أحلام صغيرة

12 0

الفصل 8

سجناء الظلال: أسوار قلوبهم ومفاتيح ماضيهم.

أحلام صغيرة

داخل منزل متوسط الحجم في نهاية تقاطع الشارع الرئيسي، تحرك قاطني هذا المنزل كخلية نحل، وقفت الأم أمام نار الطهو تستخدم كل مهارتها المختزنة في العمل والإجابة على أسئلة أبناء ينسون أين وضعوا جوارهم ودافترهم المدرسية، وصغيرتان تلعبان فوق كرسي أيل للسقوط، لكن سارة أنقذت هاتان الجانحاتان التي ما إن وضعتهما حتى ركضا كسنجابان ثرثاران تتجولان وتزعجان أخوة يجب أن يذهب كل واحد فيه لمدرسته.

_ أمي أين ربطة عنقي؟

= إنها في سلك الغسيل.

_ أمي أنا لا أجد قلمي!

= القلم في شعرك يا بني

_ أمي لا أريد الإفطار، لقد تأخرت إلى اللقاء

= لحظة يا بني خذ شطيرة على الأقل.

_ لير أسرع قبل أن أتركك.

_ إنتظر يا أخي أنا قادم.

وهكذا خرج الأخوة الواحد تلو الأخر حتى صار البيت هادئ سوى ضوضاء قادمة من الطابق العلوي، على الأرجح نقلت الصغيرتان ملعبها لهناك، وضعت سارة طبقها فوق الطاولة الكبيرة وجلست تتناول فطائر الحليب مع العسل بإستمتاع، بعد أن أنهت مساعدة والدتها التي رفضت تناول شيء حتى ترى جميع أبنائها وقد ساروا في درب العلم.

كانت سارة دندن بمرح وهي تتخيل اليوم الجميل الذي ستقضيه رفقة صديقتها جينفر، وما ذات إبتسامتها أكثر هي تذكر أن هناك مفاجأة مميزة اليوم في المدرسة، فُتح باب البيت ودخل بسرعة فتى يرتدي ثياب الثانوية بدل خفيه الذي نسي أن يخلعهما وإردتا حذائه المدرسي وسط ضحكات سارة العالية، شاركها الضحك وخرج بسرعة تنهدت سارة بسعادة وقالت: " مستحيل أن لا يضحك المرء كل دقيقة في منزل فيه خمس أخوة مضحكون وصغيرتان مشاغبتان، أراهن أنهما الآن تصنعان مقلب لأقع فيه.... على كل حال لقد أنهيت إفطاري. أمي!!! أنا ذاهبة!!! "

أطلت الأم من المطبخ وقالت: " حسنًا إلى اللقاء، إنتبهي في طريقك وأرسلي تحياتي الحارة لصديقتك جينفر، لا تنسي أن تقولي لها أن تأتي غدًا لتشاركنا الإحتفال بحصول والدك على وظيفة مرموقة "

_ سأفعل هذا إلى اللقاء أحبكِ أمي!!!

_ وأنا كذلك يا صغيرتي!!!!

خرجت سارة بوجه بشوش مشرق، كانت تغني بصوتها الجميل بنبرة منخفضة؛ لأنها في الشارع وهذا ليس سلوك سوي، ألقت التحية لجيرانها الودودين، وعبرت الطريق للرصيف حيث في العادة تلتقي مع جينفر هناك.

_ غريب! هل تأخرت جين ام أنني خرجت باكرًا اليوم، لا بأس سأنتظرها هنا.....علي أن أتحدث مع أحدهم هيا تعالي يا صديقة لأخبرك بأسعد خبر حل على بيتنا الصغير، أنا واثقة من أنكِ ستسعدين بسماع أن أبي حصل على وظيفة في شركة السكك الحديدية، ستتغير حياتنا للأفضل وربما سنشتري سيارة، هذا ما تقوله أمي ههههه.

كانت سارة تتحدث مع عصافير الصباح النشطة، بينما تنتظر صديقتها التى تأخرت بشكل فظيع، في النهاية قررت سارة المنزعجة قليلًا من صديقتها أن تعجل بالذهاب للمدرسة فربما تكون جين قد سبقتها لهناك.

_ لكن إذا حدث هذا فسأكون غاضبة منكِ يا صديقة.

في هذه اللحظة في المشفى عطست جينفر الجالسة على سريرها تقرأ كتاب القصص التاريخية التى أهداها لها خالها، كانت تحدق عبر النافذة بعينان براقة لعصافير تتشاجر فيما بينها على دودة خضراء، حدثت نفسها بينما تتكئ بمرفقها: " ترى مالذي تفعله سارة الآن، آمل ألا تنتظرني، لو كنت أملك رقمها لأتصلت بها......امممم هذا سيئ حقًا! لما علي البقاء اليوم في المشفى! لقد قال الطبيب أنني كنت متوعكة وحسب وسوف أغادر غدًا، إذن لما لا يجب أن أغادر اليوم! أشعر أنني بخير لما يحتجزوني إذن؟! هذا ليس عادلًا يجب أن أذهب للمدرسة لأسال ذلك الفتى كوفن عن هذه الظلال المزعجة، وعلي أن أعرف المفاجاة المميزة التى يخبئها المدير، آه! بقائي هنا يزعجني حقًا. "

ألقت جين بنفسها على السرير وحدقت للسقف الأبيض، وهدوء موحش يلف المكان، سوى صوت قياس نبضات القلب الذي كان يسير بوتيرة منتظمة، حدثت نفسها بصوت منخفض.

_ المكان يبدو موحشًا وكئيب؛ فقد عادت العمة ميرا للمنزل لتجلب بعض الثياب لي، وخالي ذهب لعمله الذي لم يشفع له لأن إبنة شقيقته مريضة، حتى الممرضات هن مشغولات بمرضى حالتهم أسوأ مني، لا يهم سأحاول أن أقرأ حتى يمضي الوقت وياتي الغد بسرعة، هذه الأجهزة صوتها مزعج حقًا، أنا أكره هذا المكان! وأكره هذه المدينة أنا أكره كل شيء هنا، أريد فقط أن أتنفس أريد أن أشعر بالسلام، فأنا دائمًا ما أشعر بالضيق كأن قلبي مقيد بسلاسل، أريد أن أتحرر! وهذه الكلمة تزيد من الألم، لما يا ترى؟! لما...

مع علامات الاستفهام أكملت جين الحديث بدفة أخرى: " هل سأحقق حلمي الصغير الذي كنت أرسمه منذ صغري بالسير على الشاطئ وحيدًا، هل يمكنني أن أحتفظ بهذا الحلم الجميل حتى لو لم أحققه فأريده أن يظل موجود في الذاكرة.

كانت جينفر تمسك قلبها بينما يسيل دموعها بصمت، وجهاز نبضات القلب يسرع من وتيرته، همست لنفسها بيائس: " أريد فقط أن تكون حياتي كالبقية، أريد فقط أن يراني الناس كبشر أيضًا يملك مشاعر، كالخوف والحزن والوحدة، لا أريد سوى أن أرى تعامل طيب من زملائي، كلمة لطيفة من والداي مثل " أنتِ إبنتنا "أو " لن ندعكِ وحيدة يا صغيرتنا "كلمات صغيرة تكفى، أريد أن أعرف أن أحدهم يريدني في هذا العالم، أريد أن يراني الناس كالبقية، لا أفهم سبب تنمرهم علي، لم أوذي أحدهم فلما يؤذونني إذن!؟ "

صمتت جين كأنها تريد أن تسمع إجابة مقنعة لكن لا شيء سوى يدان سوداء بمخالب تتسل بهدوء من تحت السرير، لكن عندما جففت جين دموعها وزمت على شفتيها المرتجفتين قائلة بتفائل بدأت تلك الأيادي تختفي تدرجيًا: " ربما لو عرف والداى أنني في المشفى فسيتركا عملهما ويطيران ليعانقا إبنتهما المريضة.. صحيح أنني مرض عدة مرات في السابق وقد إهتممت بنفسي حتى شفيت لكن ربما سيختلف الأمر الآن، فمن المستحيل أن يقول أحد الوالدين لأبنه أنه لا يهمه إذا ما مرض أو لا، مستحيل. "

على الطرف الأخر من المدينة داخل أحد المكاتب الحكومية.

_ مالذي تقوليه! بأنكِ لا تهتمين بأمر جين؟ لقد كانت في حالة حرجة وخطيرة.

تحدث المتكلم على الطرف الأخر من الهاتف بصوت هادئ

_ لكنها تجاوزت هذه الحالة أليس كذلك؟ أعرف صغيرتي جيدًا إنها كثيرة المرض، تسقط وتنهض إنها شجاعة وقوية لذا لا داعي للقلق.

تنهد الخال الجالس على كرسيه بجوار النافذة وقال بصوت خافض: " أكنتِ تعلمين أنها مصابة بمرض إضراب ثناي القطب؟ "

عم صمت طويل من الطرف الأخر بعدها أجاب بصوت كمكعب ثلج: " أخبر روي بهذا، وقل له أن يرعاها حتى آتى الأسبوع المقبل، علي إغلاق الخط الآن وداعًا. "

إنقطع الإتصال فأطلق الخال زفير ينم عن الغضب، حدق لإنعكاسه في شاشة الهاتف المطفا وإتصل بروي على عجل.

_ مرحبًا أليكس ماذا هناك؟

_ أرد أن أخبرك بأن إبنتك جين مريضة وقد تم تشخيصها بمرض إضراب ثناي القطب، كنت البارحة معها في المشفى و.....

أجاب الأب بسرعة بدد كأنه يود إنها المكالمه: " الأطباء مخطئون ربما تعاني من نزلة برد وحسب، عمتها معها أليس كذلك؟ إذن ستكون بخير، أخبر والدتها بأن تتصل وتطمئن عليها، سإنهي الإتصال الآن؛ فلدي إجتماع طاب يومك. "

وضع الخال هاتفه على الطاولة بقوة وقال بغضب عارم

_ أنتما والدان سيئان بحق، ماذا سيحدث للصغيرة جين لو علمت أنهما غير مكترثان البتة بأمرها، لن أخبرها سأقول أنهما كانا قلقين وسيزورانها قريبًا، نعم هذا أفضل لأجل صحتها.

جاء زميل عمل ووضع كومة كبيرة من الأوراق، فأعاد أليكس رأسه للخلف بانزعاج، أغمض عينيه السوداء وحدث نفسه بنبرة مشفقة: " من المؤسف حقًا أن تكون غير مرغوب به في هذه الحياة، لم يفكر روي وصوفي بإنجاب طفل لكن ها قد جاءت جينفر وعليهما النظر إليها كإنسان وليس كقطة صغيرة وحسب، أنا أعلم أنها هبة من الله وقد كانت أجمل هبة، لو كانا يعلمان فقط أن هناك من يدعوا ليل نهار ليكون لديه إبنة مثلها بل ويعتبروها مجرد أماني وأحلام، حقًا إن مالك العينان لا يقدر قيمتها إلا إذا فقدها، آمل ألا نصل لهذا المثل أبدًا، أبدًا. "

مع هذه الكمية الكبيرة من الكآبة إنكب الخال على أوراقه بينما يفكر في الفتاة الصغيرة التى ترقد الآن في المشفى، وتنتظر عناق دافئ من والديها وكلمات قلقة ولطيفة، لكن هذا سيبقى مجرد أحلام.

في المدرسة تفاجاة الطلاب من التغير الكبير الذي طرأ على مدرستهم، أشرطة وبالونات ملونة وعبارات ترحيب كبيرة، لقد كان مهرجان ترحيب صغير للطلاب الجدد الذين طارو زرافات ووحدانة، ليرو كل هذه الأشياء عن كثب وليثرثرو مع بعضهم البعض بمرح، وهذا ما فعلته سارة المتحمسة التى وجدت صوفي وتعلقت بها كحلقة في عمود إنارة، كانت تثرثر بسرعة كبيرة وبالكاد تمكنت صوفي من سؤالها: " أين جيني؟ "

_ لا أعلم حقًا، لم أجدها في المدرسة لقد بحثت عنها في كل شبر ولم أجدها، ربما قررت عدم المجيئ اليوم.

نفت صوفي: " مستحيل كانت متحمسة لهذا اليوم، لكن ربما ما حدث معها البارحة جعلها تقلع عند القدوم. "

عبس وجه سارة التى كانت تبرم طفيرتها الكستنائية السميكة وقالت بحزن: " مسكينة جين، لن نسمح لأولئك اللذين حبوسها يستمتعون بهذا اليوم، سننلقنهم درسًا لن ينسوه، ما رأيكِ يا صوفي أن نتحرى الأمر وحدنا. "

_ وحدنا!؟

_ نعم سنبحث عن أولئك المتنمرين وسوف نبرحهم ضربًا.

فكرت صوفي بعدها هزت رأسها الأحمر بغضب: " أنا معكِ لنضرب بعض الأوغاد، كي يتعلموا ألا يقتربوا من جيني مجددًا. "

بدأت الصديقتان تحللان وتضعان بعض الزملاء في دائرة الإتهام، حدق كوفن لهما من بعيد وهز رأسه بعدم إهتمام، جاء ويل إليه راكضًا يلهث، توقف أمام كوفن ومد يهد بوجه بشوش، عقد الأخير حاجبيه وقال بلهجة مهددة: " إن لم تبتعد عني يا هذا فستندم لمد يدك هذه. "

ضحك ويل وصحح: " لا أريد مصافحتك أيها الصديق المغرور، أرد أخذ الكتاب منك لأن لأئحة فريق الإنضباص ينص على عدم قراءة أي كتاب في أيام المهرجانات.

_ ما هذه القاعدة الغبية! كتبي ووقتي، وأنا حر

_ حر لكن ليس اليوم، هذه أوامر المدير لقد قال أن الذي أقام هذا المهرجان أخبره بهذه القاعدة، لذا تعال عند إنتهاء الدوام وخُذ كتابك من غرفة فريق الإنضباط، ودعًا إستمتع بوقتك يا صديقي.

إبتعد ويل بهيئته الطويلة بينما بقى كوفن كجمرة ملتهبة تصر على أسنانها، حدق لعصا خشبية متكية على الجدار، مد يده وحملها وهم بقذفه على رأس ويل، لقد كانت يده تتحرك من تلقا نفسها، لقد حاول السيطرة عليها أو منعها لكنها رفضت الإستجابة.

_ ليس مجددًا توقفي أرجوكِ لا أريد المزيد من المشاكل، دعي يدي وشأنه.

مع هذا التوسل البائس كان يسمع ضحكات عالية وسعيدة، إرتفع يده وكاد أن يلقي بالعصا على ويل المنغمس بالتحدث مع بعض الطلاب الجانحين، في اللحظة الأخيرة جاءت صوفي لتصطحب شقيقها ليتجولوا حول المدرسة، فسقطت يده والعصا وتنهد بإرتياح وبسرعة غادر مع شقيقته المتفاجئة من قبوله للعرض الذي كان سيرفضه بشكل قاطع، لكن يبدو أنه بدأ يتصالح مع ذاته المتوحدة.

غادر كل من صوفي وشقيقها وسارة بينما رمقهم ويل من بعيد ابتسم بمرح لكنه سمع صوت كاميرا فالتفت فأسرعت الفتاة للهرب بينما يقول ويل بصرامة مصطنعة

_ هي أنتِ! إستخدام الكاميرات في داخل المدرسة ممنوع توقفي!، هي أنتِ!!!.

ركض ويل خلف المصورة الذي إختفت كالسراب، توقف وقال بمرح: " أعتقد أن أحدهم يريد أن يكون محقق من نوع خاص، لا بأس، في هذه الحالة سأكون مفتشًا. "

يتبع.....

ك/ azaher

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سجناء الظلال

المؤلف AZAHER_AA
2025/10/18 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة