طوق نجاة

طوق نجاة

11 0

الفصل 11

سجناء الظلال: أسوار قلوبهم ومفاتيح ماضيهم.

طوق نجاة

عُدنا للمنزل الذي بدا غريب في نظري، وجميل أيضًا، طلائه الأخضر الذي بهت مع الأيام، نوافذه المغطاة بنبات زرقة القمر البيضاء الأنيقة، وشرفاته الصغيرة المليئة بالنباتات الغريبة والعجيبة التي زرعتها العمة ميرا بأنامل مُحبة، إنه أشبه بمنزل هارب من الغابات السحرية لحكاية أسطورية، هذا ما يجب على المنزل أن يكون.

دلفت جينفر قبل خالها والعمة ميرا، فإستقبلتها القطة بيسلي بفرك جسدها الناعم على قدم سيدتها التي إعتقدت أنها لن تعود مجددًا.

_ هل إشتقتي إلي يا بيسي؟

أطلقت الهرة مواة سعيد، فضحكت جين وإتسعت إبتسامتها، داخل المنزل كانت ساشا تُعد طاولة العشاء بهمة أستعدت والدتها التي وضعت حقيبة الثياب أرضًا وتنهدت قائلة: " أنا محظوظة حقًا بإمتلاك ابنة مُجدة تهتم بالمنزل في غيابي. "

_ شكرًا أمي... صحيح! جينفر، كيف هي حالتكِ الآن؟

توقفت جين عن ركوب الدرج، وأجابت بسرعة: " أنا بخير، بل بأفضل حالاتي، وأراهن أنني لن أعود لذلك المكان مجددًا. "

ضحك الخال وقال بينما يجلس على الأريكة: " تراهنين على عدم العودة؟ يا صغيرة ستذهبين لهناك نهاية كل أسبوع وسأحرص على إصطحابك؛ كي لا تتهربي. "

عبس وجه جين وصعدت لغرفتها بينما تحمل بيسي السعيدة بين يديها.

بعد ساعة من تناول العشاء جاء زائر لم تتوقع جين أن تلتقيه.

_ مساء الخير يا صديقتي الغالية، لما لم تأتي اليوم للمدرسة؟ أنا مستاءة منكِ.

_ سارة! لم أتوقع أن تأتي لزيارتي.

دخلت سار مع والدتها التي ألقت التحية للعمة ميرا، فطلبت الأخيرة من جين إصطحاب صديقتها لغرفتها. أمسكت جين بيد هذه الصديقة وسحبتها خلفها على الدرجات الواسعة مع وجه متألق متحمس، ما إن ولجتا لداخل الغرفة حتى أسرعت جين بجعل المكان مريح لهذا الزائر المميز.

_ يمكنك الجلوس على الأريكة أو السرير إختاري.

تبسمت سارة وسحبت ملاءة من السرير قائلة بصوت غامض: " لنجلس في الشرفة"

_ الشرفة!؟

_ نعم، لم تجربي فعل هذا أليس كذلك؟ لقد فاتك الكثير.

سحبت سارة جين وجلستا في سجاد بُسط على الشرفة المضاءة بضوء النجوم، فإستقبلهما هواء عليل بارد. تلحفت الصديقتان بالملاءة فبدأت سارة تثرثر كعادتها، أخبرتها عن سبب الزيارة.

_ لقد حصل والدي على وظيفة جديدة، لذا نريد إقامة حفلة صغيرة، وأطلب منكِ حضوره، لن ترفضي أو تتعذري؛ فقد جلبت والدتي لإقناع عمتك بالذهاب... لقد تذكرت! لم تخبريني سبب عدم قدومك للمدرسة؟

تنهدت جين بوجه كئيب وأجابت: " كُنت طريحة الفراش في المشفى، وقد تم تحرري اليوم، لذا أنا بخير الآن، لا تحدقي فيني بهذه الطريقة، أنا بخير صدقيني...صحيح! أخبريني بشأن المدرسة.

_ أوه! ذاك، لقد أُقيم المهرجان وقد كان حدث لا ينسي، لقد فاتك الكثير يا صديقة لكن لا بأس يمكننا تعويضك، فقد خططنا أنا وصوفي ل...إنها مفاجأة لذا لن أكمل.

( إبتسمت ببعض السعادة؛ فلم أتوقع أن أحصل على صديقات جيدات كصوفي وسارة....إن الهواء على الشرفة ليس كهواء الغرفة، يمكنني رؤية المباني المضاءة الأشبه بهذه النجوم التي تلمع بشكل آسر، يعجبني صوت حفيف الأشجار التي تتمايل كظلال شاحبة، ظلال! صحيح علي سؤال كوفن عن ماهيتها إذا كان يعرفها حقًا. )

_ جين أتعلمين ماذا حدث اليوم.

_ ماذا حدث

عقدت سارة حاجبيها وأجابت بسخط وإنزعاج: " لقد هرب كوفن شقيق صوفي. "

_ هرب! لكن لماذا؟

أطلقت سارة زفير ينم عن الغضب وأكملت: " لا أعرف السبب ولا أريد أن أعرف، ياله من فتى شرير بغيض، لقد صرخ في وجهنا وشتمنا، وقام بدفعي بينما خنق ويل حتى كاد أن يقتله. "

_ سارة! هل حدث كل هذا حقًا!؟

هزت الأخيرة رأسها بحزن: " مع الأسف نعم، لقد أفسد كل شيء لقد كانت صوفي تبكي من أجله، مسكينة صوفي، لا أعرف كيف تعيش مع فتى مثله. "

رفعت جين رأسها وراقبت غيوم بدأت تتجمع لتبدا في النواح، فحدثت نفسها( أعتقد أن صوفي وكوفن يخفيان سر ما، ويبدو أنهما لا يحبان الإفصاح عنه، ربما سر يتعلق بكوفن نفسه، وربما يتعلق بماهية هذه الظلال..ترى إلى أين هرب هذا الفتى؟ )

على الطرف الآخر من المدينة سار الأخير بين الأزقة الضيقة والمتسخة مطأطًا الرأس، كان يسير بلا هدف تقريبًا، ظل يركل علب العصير الفارغة ويراقب مشاجرات قطط الشوارع على مكبات القمامة، فجأة إنتابه رغبة في الجلوس وسط هذه القطط وهذا ما فعله، جلس على طرف الزقاق فتجمعت بعض القطط حوله بهدوء. كان الأخير مُولع بهذه الحيوانات التي إستشعرت هذا، فظلت تحك جسدها عند قدمه وبعضهم تكوم ونام بجواره. إبتسم كوفن لها وحدق بعينان فارغتان للغيوم الداكنة وشعر أنها تشبه حياته تمامًا، وقلبه أيضًا. شيئًا فشيئًا اغمض عينيه وغفى بهدوء.

في منزل السيد ليون، جلس الأخير خلف مكتبه المظلم يحدق بصمت في ابنته صوفي، التي شرحت بصوت خافت مرتجف تفاصيل هروب شقيقها، إختتمت حديثها بعيون دامعة متوسلة.

_ أبي أرجوك لا تغضب منه، يبدو أن أحدهم قد سخر منه أو ما شابه؛ فهو في العادة لا يضرب أحدهم بلا سبب وجيه.

تنهد الأب وأعاد راسه للخلف، ظل يفكر بعمق حتى رفع هاتفه وإتصل بأحدهم: " عليكم البحث عنه وإعاده فورًا، سأتناقش معه بأمر مسألته هذه في وقت لاحق، لا أريد أن يظل أحد ابنائي في مثل هذا الطقس في الخارج، والآن إلى اللقاء. "

وضع الأب هاتفه فوق الطاولة وبدأ يجمع بعض الأوراق بهدوء مريب. تفاجأت صوفي من طريقة كلام والدها، وإستنتجت أنه سامح كوفن لتصرفه هذا، كانت تتمنى حقًا معرفة ما يجول في عقل هذا الوالد الذي لا يمكن التنبؤء بمشاعره، قطع حبل أفكارها صوت الرعد المدوي، الذي أضاء المكتب المظلم. حدق الأب من النافذة لرذاذ المطر الكثيف وقال بصوت شبه قلق.

_ يبدو أنها ستمطر بغزارة، أدعي بأن يظل شقيقك بخير.

_ حسنًا أبي.

ابتسمت صوفي قليلًا وحدثت نفسها ( إن والدي قلق على كوفن وهذا شيء جيد، أنا واثقة من أنه يحبه لكنه يدعي الصرامة أمامه وعلي كوفن فهم هذا، والدنا يهتم بنا وسيظل يحبنا حتى لو لم يظهر هذا فيمكنني الآن معرفة هذا. لكن أنا حقًا أتمنى أن يكون كوفن بخير، يا الله أحفظ أخي وأعده لنا سالم. )

كانت صوفي قرب النافذة تدعوا من كل قلبها بينما تراقب الأشجار التي تتصارع مع الريح العاتية، إشتد هطول المطر وزادت البرودة، وهرب الجميع لمنازلهم الدافئة بينما بقى فتى واحد يحتمي من شجرة لأخرة من مبنى لأخر، حتى وجد زقاق بمثابة بيت مؤَقت وربما دائم.

( جلستُ تحت سقف مُهتريء بل متهالك، عسي أن ياويني من هذه المياه الباردة، التي تسللت لحذائي، الذي صار كمركب غارق. ثيابي مبللة وأشعر ببرد مريع....إنه يتكرر مجددًا إن الماضي يعيد نفسه، هذا مزعج! لما يعود نفس الشريط؟ لما لم تاخذني قدماي لأبعد من هنا؟ ما الذي علي فعله لأهرب من هذا الكابوس المريع؟ )

همس ظِل في أذنه بخبث: " النهر... هناك ستكون بأمان، لن تسمع أو ترى أي شيء، سكون وهدوء تام، فهذا الماضي سيظل يطاردك مدى الحياة لذا خُذ بنصيحتي. "

إختفى الظل وتلاشى صوته، فبقي كوفن يحدق في الفراغ بجسد مرتجف بينما تصدك أسنانه مع بعضها البعض، لم يكن البرد وحسب من سبب هذا، بل شعور آخر، إنه " الخوف" فقد بدأ فجأة يتخيل رجل غارق في دمائه، بل سمع صوت أيضًا أقرب لهمسات خافضة، لكن كوفن سمعها بوضوح: " أنت السبب، كل هذا بسببك أنت. "

بدأ كوفن يهز رأسه بالنفي بينما يخرج بعض الكلمات من فمه المرتجف: " لم....أكن....السبب...أنا آسف...أسف"

الجملة الأخيرة لم تسمع لأن الرياح كان لها رأي آخر، تمايلت الأشجار أكثر وصفعت أغطية حاويات القمامة بعنف، وأرعبت القطط التي كانت تختبئ داخلها. بدأ الطقس كشخص غاضب ثائر، يصب جام غضبه في الجمادات، وفي الأحياء أيضًا؛ فقد سار كوفن بخطوات متأنية، عبر الشارع الرئيسي بينما تقذفه الريح يمنة ويسرى، حتى وصل للجسر الصغير الذي يمر فوق نهر كان يتسكع في الماضي لكنه الآن بدأ بسباق مع الريح، حدق كوفن فيه مليًا ووضع قدمه اليمنة على حافة الجسر، بعده اليسرى، إخترق البرق عتمة الليل وأضاء المكان لتبدو الصورة أوضح، فتى يقف على حافة الجسر بثياب مدرسية تقطر ماءً، عبثت الرياح بشعره وجعلته أقرب لمكنسة، كان وجهه خالٍ من المشاعر كتمثال رخامي قديم، وكذلك قلبه، الذي تباطأت دقاته. بدا جليًا ما كان يريد فعله. أغمض عينيه ببطء ومع صوت الرعد الأشبه بإشارة البدء مال بجسده للأمام، لكنه أعيد للخلف بسرعة كأن قوة غامضة سحبته لكن الحقيقة لم تكن أي قوة غامضة بل يد سيدة وقفت بثياب مبتلة ومظلة سوداء مقلوبة تحدق بأنفاس متصاعدة في الفتى الواقع أرضًا، صرخت بصوت مندهش خائف: " ما الذي كُنت تنوي فعله يا فتى؟ "

حدق كوفن فيها بعيون جاحظة وصرخ: " أمي!!! "

ضحكت السيدة وقالت بمرح: " والدتك! كلا لست كذلك أنا أدعى السيدة عنان و.......لحظة ما الأمر لماذا تبكي الآن؟ "

كان كوفن المستلقي يبكي بمرارة وحرقة، وقد إختلطت دموعه مع رذاذ المطر الذي هدأ بمجيء هذه السيدة التي إقتربت من الأول ومسحت على رأسه بلطف، فبدا كوفن يردد بين شهقات بائسة: " لما سحبتني كان عليكِ تركي أرحل؛ فلا أحد يحبني...الجميع يريد مني الرحيل. "

_ ليس صحيح! من الذي قال لك هذا؟

لم يجب كوفن بل ذات من بكاءه، فأصلحت السيدة مظلتها المقلوبة، وعدلت من غطاء رأسها الأزرق وقالت بصوت يعلم كوفن أين سمعه من قبل، "أطباء النفس"

قالت السيدة بهدوء: " يا صغير لا تقل هذا، لا يمكنك معرفة سرائر النفوس بمجرد سماع كلمة ربما تم قولها وقت الغضب، حتى لو كان صحيح وهو ليس كذلك، فأنا هنا وواثقة من أن زملائك في المدرسة يحبونك وكذلك عائلتك. "

_ عائلتي! أنتِ لا تفهمين أي شيء.

نهض الأخير وهم بإكمال ما عزم على فعله، لكنه تهاوى وجثي على الأرض، هنا تحركت الطبيبة فورًا، سحبت كوفن الذي لم يكن يملك القوة ليقام فإتبع السيدة بجسد مُرتجف، حتى وصلا لمبنى صغير لكنه مضيء ودافئ، ما إن ولج كوفن ورأى رجال الشرطة بثيابهم الزرقاء حتى بدأ يهز رأسه ويحاول أن يتحرر من قبضة السيدة التي طمئنته بصوت جعله يهدأ: " لا بأس يا فتى سيساعدونا هؤلاء الرجال، لا تقلق لن أدعك وحدك. "

وهكذا جلس كوفن في أحد المقاعد برأس مطأطي، وجسد مُرتجف من البرد، أعطاه أحد رجال الشرطة رداء دافئ، وتوجه للهاتف وأجرى مكالمة سريعة، وإصطحب السيدة لمدير المخفر الذي نهض وقال بترحيب: " مساء الخير أيتها الطبيبة عنان، يبدو أن العاصفة قد داهمتكِ مجددًا في طريق العودة. "

_ مع الأسف نعم. أراهن أن حظي عاثر وحسب، على كل حال لقد وجد هذا الفتى قرب الجسر وقد كان يريد إنعاش نفسه ببعض الماء، أنت تعرف ما أقصد يا سيدي. "

_ نعم، نعم وأعتقد أننا وجدنا الفتى الهارب.

سألت السيدة بتعجب: " هل كنتم تبحثون عنه؟ "

_ نعم سيدتي إنه ابن زوجة السيد ليون، ذهب لمدرسته ولم يعد. يبدو أنه كان يخطط لشيء خطير، من الجيد أنكِ وجديه في الوقت المناسب، أخبرنا والده وقال أنه سيأتي بنفسه لهنا، الحمد لله أنه بخير الحمد لله.

كان ضابط الشرطة متهلل الأسارير بينما السيدة عابسة أو بالأحرى حزينة، همست لنفسها بوجه متعجب( السيد ليون باركر! )

يتبع....

ك/ azaher

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سجناء الظلال

المؤلف AZAHER_AA
2025/10/18 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة